أشار الكاتب الصحفي الأمريكي مايكل بولين، في مستهل كتابه الجديد بعنوان «عالم يتجلى: رحلة في الوعي»، إلى استعارة عالم الأعصاب البريطاني، تشارلز سكوت شيرنجتون، الذي وصف الدماغ بأنه "نول مسحور تنسج فيه ملايين المكوكات اللامعة نقشًا خالدًا"، موضحًا أن هذه الصورة، رغم انتمائها إلى زمن الأنوال الميكانيكية لا الحواسيب، تكشف عن ميل دائم إلى فهم العقل عبر استعارات مستمدة من عالم الآلة.
وأفاد بأن الخطاب السائد حول الدماغ ظل أسيرًا لمجازات تقنية متعاقبة، من الساعة إلى النول ثم إلى الحاسوب، حتى بات يُنظر إلى الدماغ بوصفه جهازًا مُبرمجًا يعالج المعلومات.
وبيّن الكاتب، أن الكتاب الجديد - الذي تربّع على قوائم أمازون للمبيعات هذا الأسبوع - يمثل استكشافًا موسعًا لمسألة الوعي، من حيث طبيعته وأسبابه وعلاقته بالإدراك الذاتي.
وأوضح أن العمل يُقرأ بوصفه ردًا فكريًا على التصور الآلي للعقل، إذ يرى أن اختزال الذهن في نموذج ميكانيكي قد حجب ثراء الوعي الإنساني - وغير الإنساني - وتعقيده.
وأشار إلى أنه يستند في معالجته إلى أبحاث علم الأعصاب والفلسفة والأدب، فضلًا عن تأملاته الذاتية، بحثًا عن سبل بديلة لفهم الكينونة وتجربة الشعور، وذكر الكاتب أن اهتمامه بالوعي تعمق بعد تجربة تناول فطر مهلوس، إذ بدت له النباتات كائنات واعية ببيئتها، لها تفضيلات وفاعلية ومنظور خاص.
وأفاد بأن هناك باحثين يطلقون على أنفسهم "علماء الأعصاب النباتية"، رغم أن النباتات لا تمتلك عصبونات، غير أنها تُظهر خصائص ترتبط عادة بالكائنات العصبية، مثل القدرة على التعلم وتكوين الذاكرة والتنبؤ بالتغيرات البيئية والتواصل مع غيرها.
وأوضح أن هؤلاء يفترضون أن جذور النبات تمثل مركزًا لشبكة لامركزية تتبادل الإشارات الكيميائية والكهربائية، مستشهدًا بأبحاث عالم الأحياء الأمريكي، مايكل ليفين ، حول التواصل الكهروحيوي بين الخلايا وقدرتها على تخزين معلومات.
وتناول الكاتب - عبر صفحات الكتاب الصادر عن دار نشر بنجوين - الإشكالات التي تثيرها هذه الطروحات، متسائلًا عن مدى قدرة النباتات على اتخاذ القرار أو الإحساس بالألم، مع إبراز الحذر من الوقوع في إسقاطات بشرية مبالغ فيها أو في إنكار تعقيدها. وميّز بين "الإحساس" و"الوعي"، معتبرًا أن الإحساس يمثل مرحلة تطورية تسبق الوعي، وأن السمة الفارقة للأخير هي العاطفة والشعور، اللذان يرتبطان بأجزاء قديمة من جذع الدماغ توجد كذلك لدى أنواع أخرى، بما يحمله ذلك من تبعات أخلاقية.
كما عرض الكاتب، محاولات بناء وعي اصطناعي عبر تزويد أنظمة الذكاء الاصطناعي بدوافع مثل الجوع والعطش والحاجة إلى الراحة، موضحًا أن هذه الجهود تكشف الفارق بين تسجيل المعلومات والشعور بها فعليًا.
وأشار إلى أن مجرد معالجة البيانات لا تعادل التجربة الشعورية، وأن هذه المحاولات، رغم طابعها الغريب، تؤكد خصوصية الوعي الإنساني بدلًا من تقويضها.
وتوقف الكاتب عند تعدد نظريات الوعي، مبينًا أن العشرات منها لم تفلح في حل مشكلة الوعي، وأن اللغة التقنية المختزِلة كثيرًا ما تعجز عن الإحاطة بطبيعته.
وأوضح أن استعارات الآلة لا تفي بالغرض، لأن الأفكار والمشاعر لا يمكن اختزالها إلى معالجة معلومات، بل ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالبنية البيولوجية للكائن الحي،كما ورد عبر صحيفة الجارديان.
وشبّه دراسة الوعي بعلم الكونيات، إذ لا يمكن للإنسان أن يخرج خارج وعيه ليفحصه من الخارج.
واستحضر أعمال الفيلسوف وعالم النفس الأمريكي المعاصر، ويليام جيمس، الذي رصد تحولات الذهن الدقيقة وغموضه، مشيرًا إلى أنه أجرى تجارب تأمل ذاتي لرصد تدفق خبراته الداخلية، لكنه وجد أن ما يجري في الذهن كثيرًا ما يتجاوز قدرة اللغة على التعبير.
وفي سياق نقده للاختزال العلمي، أوضح أن بعض التصورات الموروثة حول العقل قد مارست ما وصفه "عنفًا" على فهم الإنسان لذاته، إذ همّشت أبعاده الوجدانية والداخلية.
وأشار إلى أن الكتاب يمكن قراءته بوصفه موقفًا مقاومًا لاتجاهات تقنية واقتصادية تسعى إلى إبعاد الإنسان عن حياته الداخلية، مستشهدًا بقول عالمة الاجتماع الأمريكية، شيري توركل، إن التكنولوجيا قد تجعلنا ننسى ما نعرفه عن الحياة.
وخلص الكاتب، إلى أن الخطر لا يكمن فقط في نوع الذكاء الاصطناعي الذي قد نطوره، بل في نوع الإنسان الذي قد يتشكل تحت تأثيره، متسائلًا عما إذا كان الإنسان سيكتفي بفهم فقير لعقله يساوي بين المعالجة المعلوماتية والوعي، أم سيعيد اكتشاف ثراء تجربته الداخلية وتعقيدها.