في ذكرى رحيل الكاتب البريطاني جورج أورويل في الحادي والعشرين من شهر يناير، تعود أعماله لتفرض حضورها بوصفها واحدة من أكثر المرايا الأدبية صفاءً في كشف آليات القمع، وتشريح السلطة، وفضح اللغة حين تتحول إلى أداة تضليل؛ فلم يكن "أورويل" مجرد روائي أو كاتب مقالات، بل كان شاهدًا أخلاقيًا على القرن العشرين، قرن الأيديولوجيات العنيفة والحروب الشاملة، وقد صاغ تجربته الشخصية والفكرية في نصوص ما زالت تُقرأ بوصفها تنبؤات لا سردًا تاريخيًا.
ووُلد جورج أورويل عام 1903 في الهند البريطانية تحت اسم إريك آرثر بلير، ونشأ في أسرة تنتمي إلى الطبقة المتوسطة الدنيا، وهو الانتماء الذي سيترك أثرًا عميقًا في وعيه الطبقي المبكر، وتلقى تعليمه في مدارس نخبوية بفضل منح دراسية، وهو ما جعله، منذ شبابه، واعيًا بالتناقض بين الامتياز الاجتماعي والفقر المقنّع، وبين السلطة والحياة على الهامش، وبعد تخرجه، عمل ضابطًا في الشرطة الإمبراطورية البريطانية في بورما، وهي تجربة شكلت نقطة تحول حاسمة في حياته، إذ خرج منها ناقمًا على الاستعمار، ورافضًا لفكرة السيطرة باسم الحضارة، وهو الرفض الذي عبّر عنه لاحقًا في مقالاته ونصوصه المبكرة.
واختار "أورويل" بعد عودته إلى أوروبا أن يعيش بين الفقراء والمهمشين في باريس ولندن، لا بوصفه مراقبًا من الخارج، بل مشاركًا فعليًا في حياة البؤس اليومي، ومن هذه التجربة خرج كتابه الأول اللافت «متشردًا في باريس ولندن»، الذي كشف فيه الوجه الخفي للفقر في قلب العواصم الكبرى، بلغة مباشرة خالية من الزخرفة، أقرب إلى التقرير الاجتماعي منها إلى الأدب المتعالي. ومنذ تلك اللحظة، بدأ "أورويل" في بلورة أسلوبه الخاص الذي يمتاز بكتابة واضحة، وأخلاقية، ومشتبكة مع الواقع، وترفض الغموض بوصفه ترفًا نخبويًا.
ولم يكن التزام "أورويل" نظريًا، بل جسديًا أيضًا؛ ففي عام 1936، شارك في الحرب الأهلية الإسبانية إلى جانب المقاتلين اليساريين ضد الفاشية، وهناك اصطدم، للمرة الأولى، بالوجه القمعي للأنظمة الشمولية حتى حين ترتدي شعارات التحرر، وأصيب في المعارك، وكاد يُقتل، لكنه خرج بتجربة فكرية قاسية وثّقها في كتابه المهم «الحنين إلى كتالونيا»، الذي كشف فيه خيانات الداخل، وتزييف الحقيقة باسم العقيدة، واضطهاد المختلف داخل الصف الواحد.
وبلغ مشروع "أورويل" ذروته في أعماله الروائية الأشهر؛ ففي «مزرعة الحيوان»، قدّم حكاية رمزية بسيطة في ظاهرها، مرعبة في عمقها، عن ثورة تنقلب إلى استبداد، وعن شعارات المساواة التي تتحول تدريجيًا إلى أدوات قهر. أما روايته الأشهر «1984»، فقد شكّلت واحدة من أعظم النصوص التحذيرية في تاريخ الأدب الحديث، حيث رسم عالمًا تحكمه المراقبة الشاملة، وتُعاد فيه صياغة اللغة لتقييد التفكير، وتُمحى الذاكرة الجماعية باسم الحقيقة الرسمية، ولم تكن الرواية مجرد خيال سياسي، بل خلاصة تأمل طويل في مصير الإنسان حين تُصادر حريته الداخلية قبل الخارجية.
وإلى جانب الرواية، ترك "أورويل" إرثًا مهمًا في المقالة السياسية والأدبية، حيث كتب عن الصحافة، واللغة، والدعاية، والكتابة نفسها بوصفها فعل مقاومة. وفي مقاله الشهير «السياسة واللغة الإنجليزية»، حذّر من فساد اللغة حين تخدم السلطة، مؤكدًا أن الغموض والتلاعب اللفظي ليسا بريئين، بل يمهّدان لتبرير العنف والاستبداد.
ورحل جورج أورويل عام 1950 عن عمر لم يتجاوز السادسة والأربعين، بعد صراع طويل مع المرض، لكنه ترك خلفه أعمالًا تجاوزت زمنها، وأصبحت جزءًا من القاموس السياسي والثقافي العالمي، وتحوّلت مصطلحاته، مثل "الأخ الأكبر" و"جرائم الفكر"، إلى أدوات لفهم الواقع المعاصر، في عالم لا يزال يصارع الرقابة، والتزييف، وتغوّل السلطة.
وفي ذكرى وفاته، لا يُقرأ "أورويل" بوصفه كاتبًا من الماضي، بل ككاتب الحاضر الدائم، الذي ما زال يذكّرنا بأن الحرية تبدأ من القدرة على تسمية الأشياء بأسمائها، وأن الدفاع عن الحقيقة ليس موقفًا أدبيًا فحسب، بل مسؤولية أخلاقية لا تسقط بالتقادم.