_ أرفض تصنيف الأدب وفقا للحدود الجغرافية.. هذا التصنيف يشتتنا ويفرقنا أكثر
_ الكتابة كانت السبب المباشر لخروجى من العراق
_ الابتعاد عن المسحة السياسية يحمينى من فخ التكرار والاستهلاك
_ إذا كتبت يوما عن صدام حسين، فلن أكتب عما فعله بل عن حالته النفسية حين قرر غزو الكويت
_ الحركة النقدية فى تراجع بسبب تحول النقاد إلى كتّاب للرواية
«كشف المعلم المصرى سرى» بابتسامة أعادته طفلا، تذكر بهذه الجملة البسيطة أول قارئ لأول قصة يكتبها فى حياته، قرأها المعلم المصرى الذى كان يعمل فى العراق فى ذلك الوقت، وجمعته بوالده علاقة صداقة وطيدة، تسببت فى أن يكشف له، ولنا من بعده، عن بذرة روائى متميز.
يعتبر أزهر جرجيس شهادة المعلم المصرى الإيجابية فى حق ما يكتبه من قصص كشفا لسر استدعى الكسوف والخجل، لكنه لم يكن يعلم أن هذا السر، حين كشف، أيقظ المارد بداخله، مارد الكتابة، فظل يكتب، ويترك ما كتبه حبيس الأدراج، إذ لم تكن الظروف التى عاشها العراق، واستمرت طوال سنوات الطفولة والمراهقة والشباب، تسمح بأن تخرج هذه الحكايات إلى العلن.
لكن، كما يقولون، رب ضارة نافعة، فقد استطاع أزهر أن يتحايل على الأوضاع ويتمرد من خلال الكتابة، فكان الأسلوب الساخر سلاحه الأول، والسلاح الأوحد لأبطاله الروائيين.
كما وثق للعراق والحياة فيها بطرق مختلفة، فلم يطرق باب التاريخ، ولم يستسلم لجدران السجون، أو يقف بين صفوف الجيش ومآسى الحروب، بل كان الشارع هو عالمه، وخاصة هؤلاء المهمشين الذين يعيشون التحولات التاريخية والسياسية ويدفعون ثمنها، عن رضا تارة وعن استسلام تارة أخرى، دون أن يعنيهم انتماء سياسى أو تحيز مذهبى.
عن محاولات الكتابة الأولى، ومواصفات أبطاله، والتاريخ الذى تركه جانبًا ولم يستدعه حتى الآن، وعن المهمشين وفلسفة الموت الممزوج بالأمل، ونظرته من خلاله إلى المستقبل، كان لنا هذا اللقاء مع أزهر جرجيس فى «الشروق»، خلال زيارته السنوية إلى القاهرة من أجل لقاء القراء واستئناف الكتابة، حيث يتحدث عن تجربته الأدبية والإنسانية.
وحول ترشح أعماله لعدد من الجوائز الأدبية المعروفة منها البوكر العربية كيف ينظر إلى تأثير الجوائز الأدبية فى الكاتب والمشهد الثقافى، قال أزهر: «ينتفع الكاتب كثيرا بالجوائز، أو حتى بالترشح لها، لأنها تسلط الضوء على الكتاب، وتفتح أمام الكاتب أبوابا إلى لغات أخرى، وتوصله إلى ضفاف جديدة من القراء فى بلدان مختلفة. لكن لا ينبغى النظر إليها بوصفها الفيصل الوحيد فى تقييمه. فهى تمنح الكتاب حكما، لكن لو أخذ الكاتب نفسا قليلا، سيدرك أن هذا الحكم صادر عن مجموعة من النقاد أو الكتاب الذين شكلوا لجنة، وقرروا أن هذا الكتاب هو أفضل ما وصل إليهم، وهذا لا يعنى أنه الأفضل على الإطلاق.
لكن المشكلة الحقيقية لا تكون وقت الجائزة، وإنما فيما بعدها، فبعض من يترشح أو يفوز بها يتعامل مع الأمر باعتباره أصبح النجم، فيتعالى على الآخرين، مع أن بين هؤلاء من كتب أعمالا أفضل، لكنها لم تصل إلى أى جائزة. لذلك فالجائزة ليست الفيصل الأخير».
وإلى نص حوارنا معه..
< متى بدأت رحلتك مع الكتابة؟
ـــــ قد يظهر للقارئ أن الكاتب بدأ بالكتابة ثم بالنشر مباشرة، لكن فى العراق كان هناك حصار على النشر والكتاب، فكان من الصعب جدا أن تكتب وتنشر شيئا إن لم يكن يرضى النظام.
فكنا نكتب ونحتفظ بما نكتبه دون أن ننشر شيئا، لكن بعد سقوط النظام، وظهور السردية العراقية إلى السطح، جرت استعادة تلك القصص القديمة، فأعدتُ كتابتها بطريقة مختلفة، مع تطور اللغة واتساع الثقافة، فصدر أول كتاب لى عام 2013، وكان مجموعة من القصص والحكايات.
< إذا كان النشر قد تأخر حتى سقوط النظام، فكيف كانت الكتابة سببًا فى خروجك من العراق؟
ــــ كانت سببا مباشرا ففى عام 2006، صدر لى كتاب يضم مقالات ساخرة عن الأوضاع العامة والإرهاب، وقد تسبب لى هذا الكتاب، الذى جاء بعنوان «الجحيم الأرضى»، فى مشكلة كبيرة داخل العراق، واضطررت بسببه إلى مغادرة البلاد. وبعد الهجرة، استعدتُ القصص القديمة، وضممتها إلى قصص أحدث، وقدمتها بلغة أكثر نضجًا، لتبدأ رحلة النشر على مستوى العالم العربى بكتاب «فوق بلاد السواد»، ثم «صانع الحلوى»، وبعد ذلك جاءت الرواية.

غلاف المجموعة القصصية صانع الحلوى
< في حين كانت الرواية بوابة عبور كثير من كتاب جيلك إلى عالم الكتابة، بدأت أنت بالقصة القصيرة، فهل كان اختيارك لها مقصودا، ولماذا؟
نعم، اخترت القصة القصيرة، لكن هذه الفرضية حول الرواية ليست صحيحة على نحو كامل، فالتاريخ يقول عكس ذلك. فنجيب محفوظ بدأ بالمجموعة القصصية، فقد كتب مجموعتين قصصيتين قبل الرواية، وكذلك ماركيز بدأ بمجموعات قصصية، وغائب طعمة فرمان، الكاتب العراقي، بدأ أيضا بمجموعتين قصصيتين. فبالعكس، تبدأ بالقصة ثم تنتقل إلى الرواية إذا أعجبتك الرواية، لأن القصة ليست كوبريا للرواية، بل إن كثيرين يهربون من القصة، لأنها تحتاج إلى ضغط وتكثيف واختزال، وهذا قد لا يستهوي كثيرا من الكتاب، ثم إنها فن نخبوي، وجمهورها نخبوي.
< دائما ما تؤكد فى لقاءاتك أن نجيب محفوظ هو كاتبك المفضل. فما سر هذا التعلق بتجربته؟ وما أبرز الكتّاب الذين تركوا أثرًا فى تكوينك الأدبى؟
ــــ أكيد كان نجيب محفوظ، وإلى الآن أراه المعلم الأول. وربما يعود ذلك إلى أنه يكتب التفاصيل، وهذه مدرسة عظيمة، مدرسة التفاصيل وتصوير الشخصيات.
وربما أيضا لأنه بقى فى الحارة المصرية، أى فى المحلية، رغم أنه نال العالمية. خاصة أننا نُواجه دائما سؤالا: لماذا لا تكتب سوى عن السردية العراقية؟ ومن تجربة محفوظ أقول: أنت تكتب عن البيئة التى تعرفها وعشت فيها.
أما عالميًا، فأنا أحب الأدب اللاتينى بشكل عام أكثر من غيره، سواء أكان يوسا، أم ماركيز، أم زافون.
وفى الأدب العراقى، أحب فؤاد التكرلى وغائب طعمة فرمان، فهؤلاء أساتذة نتعلم منهم الكثير، لأنهم أصحاب مشروع أدبى، وهذا ما لا أجده لدى كثير من الكتّاب الآخرين. فأنا أؤمن بأن يكون للأديب مشروع أدبى، وأن يبقى مخلصا لهذا المشروع.
< كيف تختار موضوعات رواياتك، خاصة أنها تدور فى إطار مكانى واحد وظروف متقاربة؟ وما التحدى الذى تواجهه حتى لا تقع فى فخ التكرار أو استهلاك الموضوعات؟
ــــ الاستهلاك يأتى من المسحة السياسية التى ترافق النص الذى تنوى كتابته؛ فهناك الكثير من الأصدقاء كتبوا عن السردية فى بلدان كثيرة، لكنهم بقوا مرتبطين بهذه المسحة السياسية، وهذا ما جعل نصوصهم تحمل شيئا من التكرار.
أما أنا فلا أكتب سياسة واضحة، بل أجعل السياسة تأتى فى خلفية المشهد. ما يهمنى هو أن أكتب عن الناس المهمشين فى هذه البقعة الجغرافية، وهؤلاء تتعدد موضوعاتهم، لذلك لا تتكرر قصصهم.
لذلك لا يوجد تحد بالنسبة لى، لأننى مبتعد عن السياسة، لكن التحدى الأكبر هو أن تنقل هذه القصة من محليتها إلى فضاء أوسع، فتقرأ، على الأقل، عربيًا، وربما عالميا.

غلاف رواية حجر السعادة
< أشرت أكثر من مرة إلى أنك تفضل السرد بضمير الأنا، على الرغم من صعوبته، ولا تميل إلى الراوي العليم، فما السبب؟
لأنني أشعر بأن الراوي العليم فيه علو على القارئ، وليس فيه قرب. فأنا، كقارئ، لا أحبذ أن يروي لي أحدهم قصة وقعت لغيره، فلماذا لا أسمعها من صاحبها مباشرة؟
بينما مع أسلوب الأنا أشعر أن الكاتب يروي لي، يروي قصته هو، وليس مجرد ناقل، فيكون صادقا جدا.
لكن لتقنية الأنا صعوبات أيضا، لكنني أجد لها جسرًا. فمثلا، إذا كان البطل سائق تاكسي، فكيف يتحدث بلغة أدبية؟ فمن ترجم هذه اللغة على لسانه؟ هنا أحتاج إلى جسر أو لعبة سردية تجعل القارئ يقتنع بذلك، كأن يكون خريج آداب، أو قارئا للأدب، أو عاش في مكتبة، فمن الطبيعي أن تكون له لغة أدبية.
< أبطالك دائما متجولون؛ فكمال، بوصفه مصورا، يتجول في الشوارع ويلتقي فئات مختلفة من الناس، وكذلك عزيز بصفته سائق تاكسي. هل هذا التجوال مقصود في بناء شخصياتك؟
التفاتة جميلة جدا، فحتى تكون الشخصية حيوية وحقيقية، لا بد أن تخدمها مهنتها. فحين يكون البطل مصورا، فمن الطبيعي أن يكون جوالا، وكذلك سائق التاكسي. وحتى في الرواية الأولى، عاد البطل باحثا عن والده.
أنا دائما أمنح شخصياتي شيئا مفقودا تبحث عنه، والتجوال ليس إلا فرعا من هذا البحث، فحين تقرر أن تبحث، لا بد أن تتجول. لذلك، فإن شخوصي باحثون دائما، سواء عن المعنى أو عن شيء مفقود.
لكن مسألة التجوال تأتي متأخرة عن فكرة البحث، أما البحث نفسه فهو ما يشغلني. فالبحث عن شيء مفقود يعني أن الإنسان غير مكتمل، ولا أحد يصل إلى الحقيقة الثابتة والكاملة سوى الموت.
< هل الفقد في أعمالك هو الدافع الأساسي لتحريك شخصياتك ودفعها إلى البحث؟ وهل يمكن القول إن الفقد هو السمة السائدة في معظم أعمالك؟
نعم، هذا صحيح. فقد كتب أحد الأصدقاء ذلك، وقال: «يمكنك أن تميز روايات أزهر بتيمة واحدة، هي الفقد». والسبب، في رأيي، أن الإنسان عندما يفقد شيئا يبدأ في البحث عنه، وعندما يبحث يصل إلى أشياء أخرى، ربما تغنيه عن ذلك الشيء، وربما لا. لكن الأهم أنه يستكشف، والاستكشاف في حد ذاته يمنح الإنسان المتعة.
< هل يمثل العم خليل فى «حجر السعادة» والخال جبران فى «وادى الفراشات» تكرارًا للمعاناة، أم أنهما رمزان للأصالة والتاريخ؟
ــــــ فى نصوصى، أضع دائما شيئا من صراع الأصالة والحداثة. فهناك دائما رجل كبير فى السن يتحدث عن عمر مضى وأصالة مضت، وفى المقابل أشخاص آخرون منساقون خلف الحداثة، وفى المنتصف يقف البطل يروى لنا هذا وذاك.
البطل لا يعطيك الجواب، لأن الجواب مهمة القارئ، وليست وظيفة الكاتب. فالكاتب يبحث ويسأل، ولا يقدم إجابات نهائية. لذلك نحتاج إلى العم خليل والخال جبران، فكأنهما حفظة التاريخ. وهما فى الحقيقة لا يمثلان المعاناة، فالخال جبران عاش أجمل أيام العراق، وتعامل مع الأيام اللاحقة بلا مبالاة وبنزعة عدمية، وظل رجلا سعيدا. لذلك فهما ليسا تكرارا للمعاناة، بقدر ما يمثلان امتدادا للذاكرة والتاريخ.
< للموت حضور كبير فى أعمالك، خاصة فى «وادى الفراشات»، لكن موت الأطفال، سواء أطفال الشوارع أو اللقطاء، له دلالة خاصة، فما دلالة ذلك؟
ــــ أنا أهتم بالموت لاعتقادى أنه المستقبل، ونحن نؤمن إيمانا راسخا بأن الموت هو الحقيقة الوحيدة فى الحياة، سواء لدى المؤمن أو الملحد، فهو المستقبل، فلماذا لا نهتم به؟
أما اللقطاء، فأناقش من خلالهم مسألة دينية تتعلق بما سيكون مصيرهم. أحببت أن أقول: ما دام الإنسان ليس له ذنب، ولا يحاسب عليه، فلا بد، بما أنه حرم من حياة سعيدة، أن تكون له حياة أخرى سعيدة، فالموت هو المنتهى.
ومنتهى العدالة أن يموت الإنسان، وأن يكون هناك حساب بعد الموت. فأن تموت طفلا وتعيش فى الجنة أفضل من أن تعيش كل المصائب، ثم تموت، ثم تحاسب، فتدخل الجنة أو النار. لذلك أرى أن هؤلاء الأطفال كانوا محظوظين.

غلاف رواية وادى الفراشات
< فى «وادى الفراشات» كانت السخرية هى السلاح الوحيد لعزيز، فمتى يصرخ؟ وكيف خلقت هذا التوازن بين قمة المأساة والتعايش معها والسخرية منها؟
ــــــ هذا يعود إلى إيمانى بأن السخرية صراخ من نوع آخر، وليست كالصراخ المباشر، فالسخرية تنطوى على اعتراض على الحياة برمتها. فالذى يصرخ يصرخ بسبب موقف معين، لكن عزيز يتأمل الموقف ويسخر من الحياة كلها، وليس من الموقف وحده. لذلك أعتقد أن أكثر الناس سخرية هو أكثرهم صراخا، فالساكت يعترض أيضا، لكن تلك طريقته فى الصراخ، صراخ ساخر، وفيه بلاغة أكثر.
< التاريخ العراقي عامر بالشخصيات والأحداث التي تصلح لأن تكون مادة روائية، فلماذا لم تطرق بابه حتى الآن؟
المدرسة الواقعية تتحمل أن نستدعي التاريخ، طالما أننا نكتب كتابة واقعية، أي لا نذهب إلى الواقعية السحرية أو الفانتازيا. لكن أعتقد أن هذا مشروع لم أجربه، لذلك لا أستطيع أن أتحدث عنه. ربما إذا جربت الكتابة فيه أستطيع الحديث أكثر.
وبالفعل، هناك شخصيات في التاريخ العراقي تستحق الكتابة عنها، مثل الحلاج والمتنبي، لكنني حاليًا لست مستعدًا لهذا المشروع. وهناك شخصيات عراقية كتب عنها أو استخدمت مادة خام لروايات أخرى، لكنها كانت روايات عربية وليست عراقية.
< هل يعني ذلك أنك، إذا طرقت باب التاريخ، ستكون الكتابة عن شخصية تاريخية، لا عن حقبة زمنية معينة؟
نعم، فأنا لا أكتب عن مكان أو موضوع، بل أكتب عن الشخص. لذلك أعمل على دراسة نفسية لهذه الشخصية. فعلى سبيل المثال، إذا كتبت يومًا ما عن صدام حسين، فلن أكتب عن صدام وما فعله، بل سأكتب، مثلا، عن الليلة التي قرر فيها غزو الكويت: كيف كانت حالته النفسية؟ وكيف كان يفكر؟
< اللهجة العراقية لا تسيطر على لغة الحوار في أعمالك، فهل تتعمد ذلك؟ وما السبب، خاصة أن كثيرًا من الكتّاب يرون في اللهجة تعبيرًا عن الهوية ووسيلة للتعريف بها؟
بالرغم من أنني استخدمت شيئا من اللهجة العراقية في بعض النصوص، فإنني من مدرسة توحيد النص. فالقرآن كتاب قصصي ويقول: ﴿نحن نقص عليك أحسن القصص﴾، فإذا اعترفنا بهذا وجعلناه فيصلا وقانونا، نرى أنه وحد اللغة، ووحد اللهجات. فمثلا، لم تكن زليخا تتكلم اللغة العربية، ولا يوسف، ولا إبراهيم، ولا أي أحد، لكن حين يجري الكلام على ألسنتهم يترجم إلى اللغة العربية، ويعني ذلك أن هناك توحيدا للنص. لذلك، أحيانا حين يشطح مني القلم، وأشعر أن هذه الكلمة لا بد أن تكتب باللهجة العراقية، أذهب وأضع لها هامشا.
< أنت ترفض تصنيف الأدب وفقًا للحدود الجغرافية، كأن يُقال: أدب مصرى أو أدب عراقي. فما سبب هذا الموقف؟ ألا يعد هذا التصنيف نوعا من التوثيق أو التعريف بالأدب ومنشئه؟
ــــ لأن هذا التصنيف يفرقنا أكثر، ونحن لسنا بحاجة إلى المزيد من التفرقة والتشتت.
فلماذا لا نقول: أدب عربى؟ فهى رواية عربية تجمعها اللغة العربية، فأنت حين تمشى فى الشارع وتسمع أحدًا مغربيًا، يصعب عليك فهمه، لكن حين تقرأ روايةً مغربية تفهمه كأنه مثلك.
وإذا نظرنا إلى الغرب، فلماذا لا نقول: أدب فرنسى أو بلجيكى أو إنجليزى، بل نقول: أدب غربى أو أوروبى؟
وفى السنوات الأخيرة، يحمل الكاتب جنسية معينة ويكتب عن مكان آخر، فقد تقرأ رواية جزائرية تتحدث عن لبنان أو ليبيا، وتقرأ رواية بحرينية تنتقل إلى أماكن أخرى.
< ما رأيك فى الحركة النقدية اليوم؟ وهل تقرأ ما يُكتب عن أعمالك؟ وكيف تتعامل مع آراء النقاد والقراء؟
ـــــ واضح جدًا أن الحركة النقدية الأدبية فى عالمنا العربى فى تراجع، وذلك ليس بسبب ظهور البوك تيوب وعلو صوت القراء فحسب، وإنما بسبب آخر أيضًا، وهو انتقال النقاد إلى كتابة الرواية. فقد صارت مسألة تأليف الرواية مغرية جدًا، فرأينا كثيرا من النقاد يتحولون إلى كُتاب، فتجده يوما كاتبا، ويوما ناقدا، ويخلط بين الأمرين. لذلك صار كثير مما يكتب لا يعول عليه، إذ يحاول أن يبعد النار والغبش عن نص معين كتبه أو اشترك فى كتابته.
أما بالنسبة إلى نصوصى، فكل ما يقال عنها كنت أعرف أنه سيقال، سواء أكان سلبا أم إيجابا. والمهم ليس رأى الناقد أو الكاتب وحده، وإنما أن يقرأ النص أولا، أما الآراء فهى زيادة خير، أنتفع بها فى أعمال أخرى. ولا أناقش أحدا فى رأيه عن أى عمل من أعمالى إلا إذا سألنى فى لقاء مباشر، أما غير ذلك فأكتفى، على الأقل، بأن أقول: «شكرا».
< ترشحت أعمالك لعدد من الجوائز الأدبية المعروفة، فكيف تنظر إلى تأثير الجوائز الأدبية في الكاتب والمشهد الثقافي؟
ينتفع الكاتب كثيرا بالجوائز، أو حتى بالترشح لها، لأنها تسلط الضوء على الكتاب، وتفتح أمام الكاتب أبوابا إلى لغات أخرى، وتوصله إلى ضفاف جديدة من القراء في بلدان مختلفة. لكن لا ينبغي النظر إليها بوصفها الفيصل الوحيد في تقييمه. فهي تمنح الكتاب حكما، لكن لو أخذ الكاتب نفسا قليلا، سيدرك أن هذا الحكم صادر عن مجموعة من النقاد أو الكتاب الذين شكلوا لجنة، وقرروا أن هذا الكتاب هو أفضل ما وصل إليهم، وهذا لا يعني أنه الأفضل على الإطلاق.
لكن المشكلة الحقيقية لا تكون وقت الجائزة، وإنما فيما بعدها، فبعض من يترشح أو يفوز بها يتعامل مع الأمر باعتباره أصبح النجم، فيتعالى على الآخرين، مع أن بين هؤلاء من كتب أعمالا أفضل، لكنها لم تصل إلى أي جائزة. لذلك فالجائزة ليست الفيصل الأخير.
< سبق وصرحت بأنه لا توجد آلية تقييم ثابتة للجوائز الأدبية، وأن ذلك يمثل نقطة قوة لا ضعفا فيها. كيف تفسر هذا الرأي؟
نعم، فالجائزة التي تفتقد إلى آلية تقييم واحدة ستكون أقوى من غيرها، لأن الجائزة إذا وضعت ضوابط ثابتة كل عام، فسوف تتكرر النسخة نفسها من الرواية الفائزة. فإذا كانت لا تقبل سوى الرواية التاريخية مثلا، فسيفتح ذلك المجال أمام كتابة الرواية التاريخية بكثرة، وستفوز كل عام رواية تاريخية، في حين تحرم الروايات الأخرى. أما إذا اختلفت معايير التقييم، فقد تفوز مرة الرواية التاريخية، ومرة رواية الفانتازيا، وغيرها من الأنواع. لذلك فإن اختلاف معايير التقييم مصدر قوة للجائزة، ودليل على عافيتها.
< ذكرت أن الترجمة من أهم فوائد الجوائز الأدبية، فكيف ترى واقع ترجمة الأدب العربي في الغرب؟ وهل لا يزال الإقبال عليه ضعيفا إلى هذا الحد؟
نعم فما زال هذا المجال فقيرا إلى الآن، بسبب كسل دور النشر، وعدم وجود ما يعرف بالوكيل الأدبي الذي ينوب عن الكاتب، ويدافع عن أعماله لدى دور النشر والمكتبات. أما السبب الثاني، فهو أن العالم الغربي لم يعد يهتم بقصصنا أصلا، ولا يريد قراءتها، لأنها لم تعد تعنيه. فنحن نعيش في زمن «الجيتو»، حيث أصبح لكل مجتمع قصصه الخاصة، ولا يرغب في قراءة قصص الآخرين، لأن قصص الآخرين قد تستوجب التكاتف والتضامن، بينما أصبحت المجتمعات اليوم أقل قدرة على هذا التضامن.
< وماذا عن مشروعاتك الأدبية الحالية؟
ـــــ أعمل حاليا على الجزء الثانى من رواية «وادى الفراشات»، كما انتهيت من كتابة رواية جديدة، تختلف فى موضوعها نوعيا عما كتبته من قبل، وأعتقد أنها ستكون مفاجأة للقراء، ومن المقرر أن تصدر قريبا.