قال الدكتور محمد عثمان الخشت، أستاذ فلسفة الأديان ورئيس جامعة القاهرة السابق، إن المتطرف يتعامل مع الحقيقة باعتبارها ملكا له وحده، ويرى أن فهمه أو فهم بعض العلماء هو الصواب المطلق، بينما يرى الآخرين على باطل، معتبرا أن هذا التصور من أكبر المشكلات التي وصفها بأنها ضد الإسلام نفسه.
وأضاف في بودكاست «رؤية أخرى»، الذي يقدمه الإعلامي عبد اللطيف المناوي عبر مدونة «الشرق بودكاست»، أن الإسلام أقر بتعددية الصواب في فهم النصوص، موضحا أن القرآن يتضمن آيات محكمات قطعية الدلالة، وآيات متشابهات ظنية الدلالة تحتمل أكثر من معنى، بينما يميل المتطرف إلى اختيار معنى واحد واعتبار باقي المعاني باطلة، رغم أن النص يحتملها.
وأشار الخشت إلى أن التعليم والتربية من العوامل الأساسية التي تضع الإنسان على هذا الطريق، مؤكدا أنه لا يقصد التعليم الديني فقط، بل التعليم كله، بما فيه التعليم المدني، لأن تطوير التعليم لا يعني الاكتفاء بالمسائل الإلكترونية أو التصحيح الإلكتروني، وإنما تغيير المضمون الداخلي للمقررات بما يعلّم الطالب التفكير النقدي.
وأوضح أن التفكير النقدي يمكّن الطالب من تمحيص الحقائق وعدم قبول أي شيء لمجرد أن شخصا قاله، مشيرا إلى أن المتطرف يخلط بين الالتزام بالسلطة في الجيش أو الترتيب الوظيفي داخل المؤسسة، وبين العلم، في حين أن العلم تكون فيه السلطة الأعلى للحجة والبرهان.
وتابع أن المشكلة لا تقتصر على مقررات التربية الدينية، بل تشمل كل المقررات، ضاربا مثالا بطريقة تدريس الفيزياء، قائلا إن الطالب يتعلم القانون والبرهان عليه وحل المسائل، لكنه لا يتعلم كيف جرى الوصول إلى القانون، موضحا أن تقديم قصة نيوتن والتفاحة بهذه الصورة يحول العلم إلى أسطورة.
وأضاف أن المطلوب في تدريس الفيزياء والكيمياء هو تعليم الطالب كيف جرى الوصول إلى القوانين، بما يرسخ التفكير العلمي، لأن تاريخ العلم الطبيعي هو تاريخ الخطأ والصواب، ومع تقدمه يصوب العلم نفسه أكثر.
وأكد الخشت أن تدريس الفيزياء والكيمياء بالحفظ يخرج عقلية تلقينية قائمة على الحفظ لا التفكير، مضيفا: «طالما ربيت العقلية على الحفظ وليس على التفكير، إنت هنا على أول طريق التطرف».
ولفت إلى أن الطالب يدرس في التاريخ الحروب التي تنمي العقلية الجهادية القتالية، مشددًا في الوقت ذاته، على أنه لا يعارض فكرة الجهاد والقتال للدفاع عن الأمة والوطن والأرض، لكن يجب عدم تحويلها إلى الحالة الدائمة.
وقال إن حالة القتال في الإسلام «استثنائية»، بينما الأصل هو الاستقرار والسلام والتعاون والبناء والتنمية، محذرًا من أن «المتطرف يحول تلك الحالة الاستثنائية إلى قاعدة تحكمه طوال حياته».
وأفاد بأن فكرة التلقين بدأت بعد عصر الأئمة الأربعة، الذين قامت العلاقات بينهم على الحوارات والنقاش والأخذ والرد واحترام الآخر، مضيفًا أن «الإمام الشافعي صنع مذهبًا جديدًا رغم أنه تلميذ الإمامين أبو حنيفة ومالك».
ونوه أن الخلفاء والسلاطين كان لهم دور كبير في نشر فكرة التلقين، لأنهم أرادوا أشخاصًا ينشؤون على السمع والطاعة، لافتًا إلى أن «التطرف ليس أفكارًا فقط، بل طريقة تفكير تقوم على الأحادية والثنائية والفكر القطبي».