«المسرحية الأخيرة»… رواية عن نهاية اليقين وهشاشة المعنى

نشر في: الأحد 18 يناير 2026 - 11:51 م
منى غنيم

في أزمنة التحوّل الكبرى، لا يعود الفن مرآة للواقع بقدر ما يصبح سؤالًا مفتوحًا عنه؛ وهو سؤال بلا إجابة واضحة، وبلا نهاية محددة، ومن هذه المنطقة الملتبسة تنطلق رواية «المسرحية الأخيرة» للكاتب والروائي يحيى الجمال، حيث يتقاطع المسرح مع العزلة، والفن مع الخيبة، والعالم مع شعور متنامٍ بأن المعنى نفسه صار هشًّا، وربما عبثيًا.

نحن أمام رواية لم تبدأ بحدث صاخب، بل بعاصفة مزلزلة اجتاحت العالم أجمع في صورة وباء، وكأن الكاتب يضع القارئ منذ الصفحة الأولى أمام استعارة كبرى في محاولة لتأمل لحظة إنسانية يشعر فيها الفرد أن ما كان صالحًا للفهم والتمثيل قد تجاوز قدرته على التفسير، وأن خشبة المسرح، مثل العالم، لم تعد تتسع لكل هذا الاضطراب.

وعبر الصفحات، نتعرف على شخصيات الرواية، ونستهلها بيوسف الطائع، بطل الرواية، وهو كاتب ومخرج مسرحي سابق، اختار الانسحاب من المدينة ومن المسرح معًا، ليعيش في العين السخنة، فوق الجبل، في بيت يشبه معبدًا صغيرًا للفن المنسي. المكان هنا ليس مجرد خلفية، بل حالة وجودية؛ الجبل، والبحر، والرياح، والصمت، كلها عناصر تشارك في تشكيل وعي الشخصية، وتُقابل ضجيج العالم الخارجي الذي يصل إلينا عبر الأخبار والحوارات المتقطعة عن جائحة كورونا.

الرواية لا تحكي قصة حدث وقع بالفعل بقدر ما تحكي حالة؛ حالة فنان يرى أن المسرح فقد معناه، وأن الواقع صار أكثر عبثية من أي نص مسرحي يمكن كتابته. يوسف يعمل على مسرحية أخيرة، لكنه لا يستطيع إنهاءها، ولا حتى تسميتها، وكأن العجز عن الكتابة هو في جوهره عجز عن إيجاد معنى نهائي في عالم متغير.

وتدخل سلوى، الممثلة القديمة، إلى عالم يوسف كامتداد للماضي، علاقة لم تُغلق تمامًا، مثلها مثل المسرح نفسه، وهي تذكير بزمن كانت فيه الخشبة مركز الكون، وكانت العلاقات أكثر وضوحًا، حتى لو كانت مؤلمة. ثم تأتي إنعام، الممثلة المعاصرة، لتفتح نافذة على جيل جديد، وعلى سؤال مختلف: هل يمكن للفن أن ينجو في عالم لا ينتظر، ولا يصغي، ولا يمنح وقتًا للتأمل؟

العلاقات في الرواية كلها علاقات غير مكتملة: علاقة يوسف بالمسرح، بسلوى، بأسرته، وبشقيقه سليمان الذي يمثل العالم العملي الواقعي، المؤمن بالاستمرار مهما كان الثمن. هذا التوتر بين الانسحاب والمواجهة، بين العزلة والالتزام، يشكّل العمود الفقري للنص.

كورونا في «المسرحية الأخيرة» ليست مجرد خلفية زمنية، بل عنصر كاشف، فمتوالية الأخبار، وصور الموتى، والعزل، والخوف، كلها تعمّق إحساس يوسف بأن العالم يدخل مرحلة جديدة لا مكان فيها للفن كما عرفه. كأن الجائحة جاءت لتؤكد شكوكه القديمة: أن المسرح يموت، وأن الإنسان يُستبدل بالأرقام.

لغة الرواية تميل إلى الهدوء والتأمل، بعيدة عن الصخب، مشبعة بالإحالات الثقافية والمسرحية، من بيكيت إلى بريخت، دون أن تتحول إلى استعراض معرفي، والنص يتحرك بثقة بين الحوار والمونولوج الداخلي، ويعتمد على التفاصيل الصغيرة؛ مثل: الكلب بونجور، والحديقة، والساعة القديمة، والرياح، والأغاني القديمة، بوصفها شظايا ذاكرة في مواجهة عالم يفقد ذاكرته.

وفي الختام، فإن «المسرحية الأخيرة» ليست رواية عن المسرح فقط، بل عن نهاية فكرة، ونهاية يقين، وربما نهاية طريقة كاملة في فهم الفن والحياة. هي نص عن فنان يقف على الهامش، يراقب العالم وهو يتغير، غير متأكد إن كان ما يكتبه سيُنقذ شيئًا، لكنه يكتب على أي حال، لأن الكتابة – حتى في لحظتها الأخيرة – تظل شكلًا من أشكال المقاومة.

قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك

بوابة الشروق 2026 - جميع الحقوق محفوظة