كحك العيد.. تراث مصري قديم يواجه موجة التجديد والاستهلاك

نشر في: الثلاثاء 17 مارس 2026 - 12:01 م
آخر تحديث: الثلاثاء 17 مارس 2026 - 12:05 م
سلمى محمد مراد

ينتظر المسلمون بضعة أيام قليلة على الاحتفال بعيد الفطر المبارك، تلك المناسبة التي يقترن بها كحك العيد، الذي يحتل مكانته الخاصة في قلوب المصريين وعلى موائدهم، كعادة متجذرة في التاريخ والثقافة الشعبية.

ونتطرق في هذا التقرير من خلال تصريحات خاصة لـ "الشروق" تقدمها رانيا هلال، الكاتبة والباحثة في التراث الثقافي، حول جذور كحك العيد واختلاف حشواته وطرق إعداده وتطورها عبر العصور، وكذلك التحولات الاجتماعية التي جعلت كثيرا من المصريين يميلون اليوم إلى شراء الكحك الجاهز بدلا من تحضيره في المنازل، إلى جانب تأثير وسائل التواصل الاجتماعي وثقافة الاستهلاك على هذه العادة التراثية.

جذور كحك العيد وكيف تشكلت عبر التاريخ

تقول رانيا إن جذور كحك العيد تعود إلى الحضارة المصرية القديمة، حيث ارتبط شكل الكحك الدائري في تلك الفترة برمز ديني مهم لدى المصريين القدماء، إذ كان يمثل قرص الشمس المرتبط بالإله رع، كما أن المصريين القدماء كانوا يصنعون أقراصا دائرية مزينة بزخارف هندسية ونباتية تعكس البيئة المحيطة بهم.

وتشير إلى أن بعض هذه النماذج تم العثور عليها في مقابر مدينتي طيبة ومنف، ما يدل على قدم هذه العادة وارتباطها بالمناسبات والطقوس.

كما توضح أن الكحك انتقل عبر العصور المختلفة، ومن أبرز الفترات التي ازداد الاهتمام به فيها كان في العصر الإخشيدي، حيث ارتبط الكحك بالمناسبات والأعياد، وكان يتم توزيعه على الفقراء والمحتاجين أحيانا بداخله دنانير ذهبية بهدف إدخال السرور والبهجة عليهم.

وتابعت بأن العصر الفاطمي كان يهتم بالحلويات والموائد الممتدة خاصةً في رمضان، وشهد تطورا كبيرا في صناعة الحلويات عموما والكحك بشكل خاص، حيث كانت تخصص الدولة الفاطمية دارا تسمى "دار الفطرة" لتجهيز وتوزيع الطعام والحلوى على الفقراء في رمضان والأعياد، وكان الكحك من أبرز ما يتم تقديمه خلالها، حتى إنهم استخدموا قوالب خاصة تنقش عليها عبارات مثل "كل واشكر" لتمييز الكحك المقدم من السلطان.

الكحك البيتي والجاهز ما بين المكانة والانتشار

تشير الباحثة إلى أن تغير عادات المصريين بين الكحك البيتي والجاهز يرتبط بعدة عوامل، من بينها العوامل الاجتماعية، حيث أصبحت الأجيال الجديدة، خاصةً بعد الألفينات، أقل ارتباطا بفكرة الطهي التقليدي على أصوله، ويميل كثير منهم إلى الحلول الأسهل والأسرع.

وتتابع بأن البعض يفضل شراء الكحك من المحلات لتجنب تكلفة التجربة أو احتمال فشل الإعداد في المنزل لعدم الدراية الكافية بأصول إعداده، إلى جانب تأثير الإعلانات وثقافة الاستهلاك التي تدفع البعض للتفاخر بشراء المنتجات من علامات تجارية معروفة.

تأثير وسائل التواصل وبرامج الطبخ على وصفات كحك العيد

وتؤكد الكاتبة أن وسائل التواصل الاجتماعي و"الفودبلوجرز" يساهمون بشكل كبير أيضا في تعزيز هذا الاتجاه، حيث يتم الترويج بشكل مكثف لمنتجات معينة أو لمحلات بعينها، وهو ما يشجع على الشراء أكثر من التصنيع المنزلي.

وترى أن تلك الثقافة الاستهلاكية تؤدي تدريجيا إلى تراجع بعض العادات المرتبطة بعمل الكحك في البيت، والتي كانت تمثل مناسبة اجتماعية تجمع أفراد الأسرة وتضفي أجواء من البهجة واللمة.

التوازن بين التطوير والحفاظ على الهوية

وتوضح رانيا أن الكحك المصري ارتبط تاريخيا بحشوات تقليدية أساسية مثل العجمية، وهي خليط من الدقيق والسمن والعسل والمكسرات، إضافة إلى حشوات الملبن والعجوة والمكسرات، وأحيانا كان يتم تصنيع الكحك سادة بدون حشو ويتم رش السكر عليه فقط، لكنها لفتت إلى أنه في السنوات الأخيرة ظهرت حشوات ونكهات جديدة مثل النوتيلا والريد فيلفت ونكهة البرتقال، بل وحتى نكهة القهوة.

وتشير إلى أنها لا تعارض فكرة التجديد في حد ذاتها، لكنها ترى أهمية الحفاظ على الطابع الأصلي للكحك باعتباره جزءا من التراث الثقافي غير المادي للمجتمع المصري.

وتختتم حديثها بالتأكيد على أن التوازن مطلوب بين التطوير والحفاظ على الهوية، خاصةً في ظل المنافسة الكبيرة بين المطابخ العالمية، مشددة على أن المطبخ المصري من أقدم المطابخ المعروفة تاريخيا، وهو ما يستدعي مزيدا من الاهتمام بتوثيق وتأصيل تراثه، خصوصا ما يتعلق بثقافة الطعام وآدابه.

قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك

بوابة الشروق 2026 - جميع الحقوق محفوظة