يجري الاحتفال باليوم الدولي للحفاظ على العافية، اليوم الأربعاء، بهدف تشجيع الوعي واتخاذ الإجراءات نحو العافية الشاملة، وفي ظل المزاج العام المليء بالتوترات والمشاحنات والاضطرابات النفسية، نتيجة الضغوط اليومية والحروب والظروف التي يمر بها العالم، تبرز أهمية الصحة النفسية كعامل أساسي لمواجهة هذه الظروف بثبات والعبور منها بأمان.
ونسلط الضوء في هذا التقرير، على أهمية الصحة النفسية في بناء مجتمعات قوية، من خلال الاستعانة بالدكتورة يارا فهمي سالم، استشاري الصحة النفسية والإرشاد الأسري المعتمد من وزارة الصحة، والمشرف العام على فرع المجلس القومي للطفولة والأمومة بمحافظة كفر الشيخ، وعضو صندوق مساعدة ضحايا الاتجار بالبشر.
هل الاهتمام بالصحة النفسية رفاهية؟
وقالت استشاري الصحة النفسية والإرشاد الأسري المعتمد من وزارة الصحة، في تصريحات خاصة لـ"الشروق"، إن الحالة النفسية ليست عاملًا ثانويًا في حياة الإنسان، بل هي المحرك الأساسي لسلوكه وقراراته وقدرته على التفاعل مع الآخرين، فالشخص الذي يتمتع بصحة نفسية مستقرة يكون أكثر قدرة على التركيز واتخاذ القرار وتحمل الضغوط، وبالتالي ترتفع إنتاجيته بشكل ملحوظ.
وأضافت أنه "على العكس تمامًا، فإن الاضطرابات النفسية التي لا تتم إدارتها بشكل فعال قد تؤدي إلى انخفاض الكفاءة وزيادة احتمالية السلوكيات العدوانية نتيجة صعوبة تنظيم الانفعالات، فضلًا عن تدهور جودة العلاقات بسبب ضعف مهارات التواصل أو الانسحاب الاجتماعي والميل إلى العزلة".
وتابعت أن الاعتقاد السائد بأن الاهتمام بالصحة النفسية يتم من قبيل الدلع أو الرفاهية يُعد من المفاهيم الخاطئة الشائعة، فالصحة النفسية ضرورة أساسية لا تقل أهمية عن الصحة الجسدية، وقد يترتب على إهمالها تكاليف إنسانية ومجتمعية واقتصادية كبيرة.
تزايد ملحوظ وأسباب متعددة
وأوضحت خبيرة الإرشاد الأسري، أنه توجد عدة عوامل متداخلة تفسر تزايد الاضطرابات النفسية مؤخرًا، من أبرزها تسارع نمط الحياة وزيادة الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، والتعرض المستمر للأزمات العالمية مثل الأوبئة والصراعات وعدم الاستقرار، وضعف شبكات الدعم الاجتماعي التقليدية.
وواصلت: "كذلك يلعب ارتفاع مستوى الوعي دورًا في زيادة معدلات التشخيص والإفصاح عنها، وهو ما يعني أن الزيادة الحالية تعكس انتشارًا كبيرًا بجانب التحسن في رصد الحالات والتحدث عنها مقارنة بالماضي".
وسائل التواصل الاجتماعي عامل مساعد أم مسبب للأزمة؟
ووصفت وسائل التواصل الاجتماعي بأنها سلاح ذو حدين، إذ تتيح الوصول إلى المعرفة، وتوفر منصات للدعم النفسي والتعبير عن الذات، وتكسر حاجز الوصمة، لكنها من ناحية أخرى قد تسهم في زيادة القلق والاكتئاب نتيجة المقارنة الاجتماعية، والتعرض للمحتوى السلبي، والإفراط في الاستخدام، فضلًا عن التأثير على تقدير الذات والصورة الجسدية والذهنية للفرد، مؤكدة أن التأثير يتوقف بالأساس على طريقة الاستخدام وحدوده.
الخوف من العلاج وعلامات لا يجب تجاهلها
وأشارت إلى أسباب تردد البعض في طلب المساعدة النفسية، لافتة إلى أن الوصمة الاجتماعية لا تزال تمثل عائقًا رئيسيًا، بجانب الخوف من نظرة الآخرين أو حكمهم أو عدم الفهم، فضلًا عن ضعف الوعي بطبيعة الخدمات النفسية، والاعتقاد بضرورة التحمل الفردي للمشكلات.
وشددت على أهمية الانتباه إلى مجموعة من العلامات المبكرة التي قد تشير إلى وجود مشكلة نفسية تستدعي الانتباه، مثل التغيرات المستمرة في المزاج كالحزن أو العصبية، واضطرابات النوم أو الشهية، وفقدان الاهتمام بالأنشطة المعتادة، وصعوبة التركيز واتخاذ القرار، بجانب الميل للعزلة أو الشعور الدائم بالإرهاق، مؤكدة أن التدخل المبكر له دور حاسم في منع تفاقم الحالة.
وترى أن تعزيز العافية النفسية لا يقتصر على الأفراد فقط، بل يتطلب دورًا فاعلًا من الدولة والمؤسسات، من خلال دمج خدمات الصحة النفسية ضمن منظومة الرعاية الصحية، وتكثيف حملات التوعية للحد من الوصمة، وتوفير خدمات دعم نفسي ميسورة وسهلة الوصول، بجانب تحسين بيئات العمل والتعليم لتكون أكثر دعمًا للصحة النفسية.
واختتم حديثها بتوصية الأفراد بعدد من الخطوات البسيطة والفعالة لتعزيز العافية النفسية، من بينها: "تنظيم الوقت وتحقيق التوازن بين العمل والحياة الشخصية، وممارسة النشاط البدني بشكل منتظم، وتقليل التعرض للمحتوى السلبي خاصة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، بجانب الحفاظ على علاقات اجتماعية داعمة، والتعبير عن المشاعر بشكل صحي بدلًا من كبتها"، مشددة على عدم التردد في طلب المساعدة المتخصصة عند الحاجة.