x قد يعجبك أيضا

في ذكرى ميلاد محمود درويش.. «المتن المجهول» يفتح ملف سنواته الغامضة في مصر

نشر في: الجمعة 13 مارس 2026 - 11:32 م
محمود عماد

تمر اليوم، 13 مارس، ذكرى ميلاد الشاعر الفلسطيني الكبير محمود درويش، الذي ولد في مثل هذا اليوم من عام 1941، ورحل في 9 أغسطس 2008، تاركا وراءه تجربة شعرية استثنائية أصبحت جزءا من الذاكرة الثقافية العربية.

يُعد درويش شاعر القضية الفلسطينية بامتياز، فقد عبر في قصائده عن معاناة الشعب الفلسطيني وصموده، مستندا إلى تجربة شخصية عميقة، إذ عاش النكبة وعايش تحولات القضية الفلسطينية، وكتب عنها شعرا أصبح بمثابة سجل وجداني لتاريخ فلسطين الحديث.

امتدت مسيرة درويش عبر محطات عديدة، تنقل خلالها بين أكثر من بلد، وكانت كل محطة من هذه المحطات تشكّل مرحلة جديدة في تشكيل رؤيته الشعرية والفكرية. فكل مكان عاش فيه ترك أثرا واضحا على تجربته الإبداعية، وعلى نظرته إلى العالم وإلى القضية التي كرّس لها جزءا كبيرا من شعره.

يعرف القرّاء درويش بوصفه شاعرا مجددا في مفهوم الشعر، وصاحب تجربة شعرية وثّقت لفلسطين وقضيتها، وللمقاومة الفلسطينية، خصوصا خلال فترة وجود منظمة التحرير الفلسطينية في بيروت وحصار المدينة.

لكن هذا الشاعر المقاوم لم يولد فجأة، فقد تشكلت بدايات تجربته داخل الأراضي المحتلة، بعد أن قرر والده عدم مغادرة الأرض عقب التهجير الذي شهدته نكبة عام 1948 وإعلان قيام دولة إسرائيل.

نشأ درويش في هذا الواقع الصعب، داخل مجتمع فلسطيني يعيش تحت الاحتلال، فكان الشعر بالنسبة له إحدى وسائل المقاومة في مواجهة القيود والتضييق.

ومع اشتداد تلك الضغوط، لم يستطع الشاعر الشاب أن يرفض فرصة التحرر من القيود الإسرائيلية، كما لم يستطع مقاومة حلم أن يعيش عربيا بشكل كامل لأول مرة؛ لذلك قبل الدعوة التي قدمتها له مصر ليقيم فيها تحت رعاية النظام آنذاك.

ورغم أهمية تلك المرحلة، فإن فترة وجود درويش داخل الأراضي المحتلة، ثم سفره إلى الاتحاد السوفيتي، وبعدها إقامته في مصر، ظلت أقل حضورًا في الدراسات مقارنة بمرحلة بيروت مثلا. من هنا تبرز أهمية كتاب "المتن المجهول.. محمود درويش في مصر" للكاتب الصحفي سيد محمود، والصادر عن منشورات المتوسط.

يتتبع الكتاب هذه المرحلة المبكرة من حياة درويش، منذ خروجه من الأراضي المحتلة، مرورا بسفره إلى الاتحاد السوفيتي، ثم انتقاله إلى القاهرة، وصولا إلى رحيله لاحقا إلى لبنان حيث كانت مقرّات منظمة التحرير الفلسطينية في ذلك الوقت.

ويتميز الكتاب بطابعه الاستقصائي الأدبي، إذ يضم نصوصا ووثائق تنشر للمرة الأولى، ويكشف تفاصيل الفترة التي قضاها درويش في القاهرة بين عامي 1971 و1973، ونشاطه الإبداعي والصحفي خلال لحظة سياسية شديدة الحساسية إقليميًا وداخل مصر.

فحين وصل درويش إلى القاهرة، كان المشهد السياسي والثقافي يعيش حالة انتظار بعد هزيمة يونيو 1967، وكأن المسرح كان مهيأً لظهور صوت جديد يعيد الثقة إلى الثقافة العربية، في وقت بدا فيه أن الهزيمة قد أرهقت الكثير من الأصوات الراسخة.

يسعى الكتاب إلى تقديم رواية متكاملة عن ظروف انتقال درويش من موسكو إلى القاهرة عام 1971، وأسباب مغادرته لها لاحقًا، مع وضع هذه الرواية في سياقها السياسي الأوسع، المرتبط بالصراع العربي الإسرائيلي، وبالخيارات الصعبة التي واجهها الفلسطينيون في الداخل والخارج بعد هزيمة 1967.

تكشف المقالات والوثائق التي ينشرها الكتاب، مصحوبة بقراءة تحليلية معمقة، عن التحولات المفصلية التي شهدتها تجربة درويش الشعرية في تلك الفترة، وهي التحولات التي مهدت للقفزة الكبرى في مشروعه الشعري.

ويشير سيد محمود في مقدمة الكتاب إلى أن القارئ سيتعرف للمرة الأولى على مجمل إنتاج درويش في تلك المرحلة، ليس فقط قصائده، بل أيضا مقالاته في التحليل السياسي، التي تنشر كاملة مع صورها الأصلية كما ظهرت في صحيفة الأهرام.

وفيها قدم درويش تعليقات مبكرة حول الشأن الفلسطيني في لحظة سياسية مضطربة أعقبت أحداث أيلول الأسود، ومحاولات إعادة ترتيب البيت الفلسطيني بعد انعقاد المجلس الوطني الفلسطيني في القاهرة عام 1972.

في هذا السياق يمكن النظر إلى كتاب "المتن المجهول" بوصفه محاولة لإعادة قراءة مرحلة مفصلية في حياة محمود درويش، تلك المرحلة التي أسهمت في تشكيل جزء مهم من مشروعه الشعري والفكري، حتى وإن ظلت لفترة طويلة بعيدة عن الضوء.

كما يمثل الكتاب مثالا للعمل الصحفي القافي، الذي يجمع بين الدقة البحثية والأسلوب الأدبي، ويعيد التذكير بأهمية الصحافة الثقافية.

قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك

بوابة الشروق 2026 - جميع الحقوق محفوظة