x قد يعجبك أيضا

علماء يبحثون أسباب العلاقة العكسية بين الإنجاب وطول العمر

نشر في: الإثنين 12 يناير 2026 - 11:43 ص
آخر تحديث: الإثنين 12 يناير 2026 - 11:59 ص
سان فرانسيسكو - (د ب أ)

لماذا تعيش بعض الحيوانات لعدة عقود بينما يقتصر عمر فصائل أخرى على عدة سنوات فحسب؟ فأنثى الفيل يمكن أن تعمر حتى ثمانين عاماً في حين أن بعض أنواع الفئران لا تعيش سوى بضع سنوات.

وتربط نظريات النشوء والارتقاء لدى الأنواع الحية، ولاسيما الثدييات، بين طول العمر ومرات الانجاب، فأنثى الفيل تنجب في العادة مرات قليلة على امتداد عمرها، في حين أن الفئران على العكس يمكن أن تنجب عشرات او حتى مئات الصغار رغم قصر اعمارها.

وقد وجد باحثون من خلال دراسة شملت 117 فصيلة من الثدييات أن أعمار الحيوانات، بل والانسان أيضا، لا تتحدد فحسب بناء على عوامل بيئية أو أسباب وراثية، ولكن أيضا بحجم الطاقة التي يستنفدها كل كائن في عملية التكاثر والانجاب على امتداد حياته. ويرى العلماء أن هناك نوعا من التوازن بين العمر والانجاب بمعنى أن الأنواع التي تهدر طاقاتها على الانجاب والتكاثر لا تعيش لفترات طويلة.

وقام فريق بحثي دولي يضم علماء متخصصين في مجال الأنثروبولوجيا التطورية بمعهد ماكس بلانك للأبحاث في مدينة لايبزيج الألمانية، بدراسة عن تأثير قلة الانجاب على أعمار الكائنات المختلفة، وقد وفرت هذه الدراسة أدلة عديدة تؤكد أن هذا التوازن يؤثر على أعمار مختلف الثدييات.

وعكف الباحثون على تحليل بيانات تخص 117 من فصائل الثدييات التي تعيش في حدائق الحيوان والمتنزهات المائية في مختلف أنحاء العالم مع فحص نتائج 71 دراسة منشورة في هذا المجال، وتبين لهم أن الحيوانات التي تحصل على وسائل منع حمل هرمونية أو تجري لها جراحات تعقيم دائمة تعيش أعمارا أطول بنسبة 10% في المتوسط مقارنة بالحيوانات التي لا تخضع لنفس الإجراءات الطبية.

ومن بين الأسباب التي تفسر هذه الظاهرة أن عملية الانجاب تتطلب استثمارات بيولوجية ضخمة، فالحمل والرضاعة يستنفدان طاقة الجسم بالنسبة للأنثى، مثلما تفعل عملية انتاج الحيوانات المنوية بالنسبة للذكر، هذا بالإضافة إلى الجهد الذي يبذله الجسم في عملية التكاثر نفسها ورعاية الصغار. كما أن الهرمونات التي تنظم العملية الجنسية تؤثر على النمو والسلوكيات وتطور الشيخوخة، مما يعطل قدرة الجسم على صيانة أعضائه.

وتقول يوهانا شتارك، وهي أحد الباحثين الذين شاركوا في الدراسة إن "حدائق الحيوان، حيث تدار عملية الانجاب بعناية، توفر بيئة فريدة لدراسة هذه الديناميكيات".

وأضافت في تصريحات نقلها الموقع الإلكتروني "سايتيك ديلي" المتخصص في الأبحاث العلمية إن "الحيوانات التي تحصل على عقاقير منع الحمل أو تتعرض للتعقيم لمنعها من الانجاب تعتبر مجموعات مقارنة طبيعية لدراسة هذه الظاهرة".

واتضح للباحثين أن أعمار عدد كبير من الثدييات، بما في ذلك الرئيسيات والقوارض والجرابيات، طالت بشكل كبير في حالات عدم الانجاب، وفي بعض الحالات، كانت الفروق العمرية كبيرة للغاية، فإناث قرود البابون التي حصلت على وسائل منع الحمل عاشت فترات اطول بنسبة 29% فيما عاش ذكور هذه القرود فترات أطول بنسبة 19% في حالة تعرضها للإخصاء مقارنة بالحيوانات التي لم تتعرض لنفس العوامل الخارجية.

ويعتقد الباحث فيرناندو كولتشيرو أن "هذه الدراسة تظهر أن تكاليف الطاقة التي تستهلك في عملية الانجاب تكون لها عواقب ملموسة وقابلة للقياس بالنسبة لبقاء مختلف أنواع الثدييات".

وتابع في تصريحات لموقع "سايتيك ديلي" أن "الحد من الاستثمار في الانجاب قد يسمح بتوجيه الطاقة نحو إطالة العمر". ورغم أن أعمار الجنسين تطول مع وقف الانجاب، فإن الأسباب في الحالتين تكون مختلفة.

ويقول رئيس فريق الدراسة مايك جاريت من جامعة أوتاجا في نيوزيلندا إن الإخصاء فقط، وليس قطع القناة الدافقة، هو الذي يؤدي إلى إطالة عمر الذكور، ويوضح أن السبب في ذلك هو أن طول العمر ينبع من وقف إفراز هرمون التيستوستيرون، لاسيما خلال مراحل العمر المبكرة.

وأكد أن "الاستفادة الأكبر تتحقق عندما يتم إخصاء الذكر في مقتبل العمر". أما في حالة الإناث، فإن أنواع التعقيم المختلفة تساعد في إطالة العمر، وهو ما يشير إلى أن الفائدة تنبع من التخلص من التكاليف الفسيولوجية للحمل ورعاية الأطفال ودورة الانجاب بشكل عام. ويساهم استئصال الرحم ايضا في إطالة العمر، رغم أن إحدى الدراسات المعملية التي شملت 47 من فئران التجارب كشفت أن هذا النوع من الجراحات قد يؤثر على فرص خوض حياة صحية سليمة في مراحل لاحقة من العمر.

ويرى الباحثون أن هذه النتائج ربما تفسر المفارقة بين "الصحة وطول العمر" لدى النساء في مرحلة انقطاع الطمث، حيث عادة ما تعيش هؤلاء النساء لفترات أطول من الرجال، ولكن مع استمرار شعورهن بالوهن وتكبد أعباء الأمراض المزمنة.

ورغم ندرة البيانات التي تتناول تأثير الاخصاء والتعقيم لدى البشر، فإن بعض المعلومات التاريخية التي تعود للقرن الـ19 في عهد مملكة تشوسين الكورية على الخصيان، تشير إلى أن الرجال الذين يتعرضون للإخصاء يعيشون لفترات أطول بنسبة 18% مقارنة بالأشخاص مكتملي الرجولة. أما النساء التي تجرى لهن جراحات تعقيم مثل استئصال الرحم أو المبيض لأسباب حميدة غير سرطانية، فقد تبين أن أعمارهن تكون أطول بنسبة بسيطة لا تتجاوز واحد بالمئة مقارنة بالنساء اللاتي لم يخضعن لنفس النوع من الجراحات.

ويؤكد الباحثون أن "الانجاب هو عملية مكلفة بطبيعتها" ولكن ظروف البيئة التي يعيش فيها الانسان مثل توافر الرعاية الصحية والتغذية السليمة والدعم الاجتماعي قد تساعد في الحد من هذه الآثار على عمر الشخص.

قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك

بوابة الشروق 2026 - جميع الحقوق محفوظة