كتّاب عرب يشهدون على «دور المحروسة» في تحرير وتأهيل عرب القرن العشرين

نشر في: الأحد 11 يناير 2026 - 10:00 م

صدر عن «دار هاشم» في بيروت كتاب «الرسائل المصرية» الجماعي، بإشراف الكاتبين والإعلاميين سامي كليب وفيصل جلول. ويكشف عنوانه الفرعي: «24 كاتبًا عربيًا يروون الأدوار التي لعبتها المحروسة في تأهيل عرب القرن العشرين» عن جوهر المشروع، إذ يقدم سردية توثيقية لدور النخب المصرية في تشكيل وعي وتكوين أجيال من المثقفين العرب خلال القرن العشرين.

وعندما يُطرح مفهوم «التأهيل» قد يبدو للوهلة الأولى محمّلًا بالمبالغة أو المجاملة، لكن الوقائع التي يوثقها الكتاب تقود إلى صورة مغايرة تمامًا: مصر بوصفها ورشة تاريخية كبرى أسهمت في تحرير قطاعات واسعة من العرب من الاستعمار القديم، وفي تأسيس البُنى الحديثة لعدد من الدول العربية، عبر نشر الثقافة والفنون، وتداول الأيديولوجيات، وبناء نظم المؤسسات الحديثة، وذلك بعد طيّ الصفحة العثمانية الطويلة والكئيبة في تاريخ العرب والمسلمين.

يُعد «الرسائل المصرية» الكتاب السابع ضمن مشروع «الرسائل العربية» الذي يشرف عليه جلول وكليب، بعد: باريس كما يراها العرب، والرسائل الدمشقية، والرسائل الفلسطينية في مئوية القضية الثانية، والرسائل المغربية، والرسائل الخليجية، والرسائل اللبنانية.
ويعتمد المشروع صيغة «الرسائل» بوصفها وسيلة حميمة ومباشرة لنقل المعرفة والوقائع والانطباعات عن المدن والمجتمعات، بما تتيحه من تعدد الأصوات ووجهات النظر، وقدرة على تفكيك الأوضاع الاجتماعية والثقافية والسياسية. ويستلهم الكاتبان في ذلك التيمة الكلاسيكية التي أرساها الفيلسوف الفرنسي مونتسكيو في كتابه «الرسائل الفارسية»، القائمة على «عين الغريب» في قراءة الواقع المحلي، غير أن جلول وكليب يوظفانها هنا في إطار عربي جامع، يهدف إلى بناء معرفة مشتركة في زمن عربي تتنازعه الانقسامات.
وفي «الرسائل المصرية» اشترط المشرفان أن يكتب النصوص كتّاب عرب يرون مصر بعيون عربية من الخارج، فيقدّم أربعة وعشرون كاتبًا شهاداتهم عن القاهرة وعمرانها، وتاريخها وفنونها، وأدوارها الحاسمة في التعليم والتعريب، وصناعة الإعلام والسينما والمسرح، والرياضة، والقضاء، ونشر الأفكار، إضافة إلى مساهمتها في تحرير عدد من البلدان العربية من الاستعمار.
يتوزع الكتاب على مقدمة وستة أبواب رئيسية. في الباب الأول، أربعة نصوص حميمة عن القاهرة والإسكندرية وطنطا والغردقة؛ إذ كان اختيار القاهـرة والإسكندرية بديهيًا، فيما جاءت طنطا لدورها الصوفي التاريخي، والغردقة بوصفها رمزًا للحركة السياحية المتنامية في مصر. أما الباب الثاني، «حارات وصحافة وفنون»، فيضم نصوصًا عن خان الخليلي، وسيرة الكاتب الصحفي الكبير محمد حسنين هيكل، والسينما المصرية.

وفي الباب الثالث «سياسات جريئة» نصان لخبيرتين في الشأن المصري، أحدهما عن الاقتصاد المصري في القرن العشرين، والآخر عن تجربة الوحدة السورية ـ المصرية.

ويضم الباب الرابع ثلاثة نصوص عن الحملة الفرنسية على مصر، تتناول أبعادها العسكرية والفكرية والاستشراقية بقلم مؤرخ عربي عاصر الحملة، وتحدث عن أسبابها الحقيقة، والثالث يتحدث عن تاثير الحملة الاستشراقية على الجنود البريطانيين الذين قاتلوا بونابرت في مصر، وفي الباب الخامس دراسة مستفيضة عن الحركة الشاذلية الصوفية من مصر إلى المغرب الكبير، إلى جانب قراءة معمقة لدور الأزهر بوصفه المؤسسة الاسلامية العريقة وأحد أهم المراجع الدينية في العالم الإسلامي منذ قرون طويلة.

أما الباب السادس، وهو الأوسع، فيضم شهادات عربية في حب مصر والمصريين كتبها مثقفون من اليمن وعُمان والبحرين والسودان والمغرب والجزائر والعراق وفلسطين.

ويحتوي الكتاب أيضًا على ملاحق تتناول السد العالي وبحيرة ناصر وقناة السويس والجيش المصري والتراث الدبلوماسي المصري، إلى جانب مختارات من القصائد الصوفية.

في «الرسائل المصرية» محاولة واعية لاستعادة دور مصر التاريخي في حماية المشرق من الإبادات المغولية والصليبية في القرون الوسطى، ودورها الحديث في تحرير وتأهيل عرب القرن العشرين. وهو كتاب يضع القارئ، والمصريين خصوصًا، أمام صورة موثقة لأثر بلادهم في نقل العالم العربي من مخلفات العهد العثماني والهيمنة الكولونيالية إلى آفاق التحديث والتحرر.

قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك

بوابة الشروق 2026 - جميع الحقوق محفوظة