مصر التي.. صفحات من دفتر الأحوال في كتاب لسعد القرش

نشر في: الأحد 11 يناير 2026 - 12:25 ص

أصدرت دار الثقافة الجديدة كتابا عنوانه «مصر التي..» للروائي سعد القرش، وقد أهداه إلى الكاتب الراحل صنع الله إبراهيم الذي قرأ الكتاب، وتحمس لنشره، وحمل الغلاف الأخير تنويها منه بأسلوب الكتاب الذي صمم غلافه الفنان عمرو الكفراوي.

 

الكتاب أقرب إلى دفتر أحوال عصري، شهادة على تحولات في المشهد المصري الحالي.. في العمران، والعادات السلوكية واللغوية، والأذواق التي جعلت قطاعا من المصريين ـ على سبيل المثال ـ يأنس تلاوة خليجية آلية للقرآن الكريم، بعد عقود من انفراد القراء المصريين بالتلاوة المصرية المميزة، حتى قبل إنشاء إذاعة القرآن الكريم.

 

الكتاب يناقش هذه القضايا، من خلال ثلاثة أبواب، أولها يتناول جوانب من هذه التحولات. ويضم الباب الثاني فصولا منها: "صعود التَّوْلة"، "المصريات لا يعرفن تحرير المرأة"، "السلفنة.. التعبّد بالسطو على شارع خفرع ومنحه إلى خاتم المرسلين"، "هل كانت مصر جنة؟.. مشاهد طائفية في زمن التعصب الوسطي"، "الجرذان يثقبون السفينة"، "جورباتشوف في مصر".

أما الفصل الثالث وعنوانه "طيّ السجل للكتب" فهو قراءة في عدة مؤلفات تنقب في التاريخ القديم وصولا إلى حروب المستقبل.


وبين الأبواب الثلاثة مقدمة عن دلالة اسم "مصر"، ماذا كانت وكيف أصبحت. وخاتمة تبحث إمكانية الاكتفاء بكلمة "مصر" وحدها، في اقتراح يميل إلى أن هذا الاسم، هذه الكلمة المفردة، تكفي لجمع المصريين على كلمة سواء.


من مقدمة الكتاب نقرأ:

لدى أغلب المصريين زهو مرَضيّ بتاريخ يجهلونه. لا يفرق كثيرون بين الأسرة الرابعة، أسرة بناة الأهرام في الدولة القديمة، والأسرة الثامنة عشرة التي أسست عصر الإمبراطورية في الدولة الحديثة، يجهلون تاريخ بناء الهرم الأكبر في القرن السابع والعشرين قبل الميلاد، متأثرين بأساطير العهد القديم، وفيلم «الوصايا العشر» لسيسيل دي ميل، ويصور بناء الهرم بين عصري سيتي الأول وابنه رمسيس الثاني.

يصعب على زائر المتاحف أن يتخيل، ولو في ساعة شيطان، أن المصريين المحدثين هم أبناء القدماء العظام، فلماذا لم يرثوا ما في داخل المتاحف من علوم وفنون وتحضّر؟ في حين تحيط بالمتاحف أشكال التخلف.

يتخيل المصري الذي لم يغادر، وفي غير ساعة شيطان، أن مصر محور العالم، لا يستقيم حوار في أي مكان، ولا إثارة قضية، إلا بذكرها والرجوع إليها. وحين نسافر نكتشف أن مصر مثل غيرها، وأنها ربما صارت عجوزا أكثر من اللازم، وأن الدنيا أكثر سعة وجمالا من ضيق الأفق، وأن الرسالة التي كان حملها يثقل كاهلنا، في فترة سابقة، نفد مفعولها بسبب عدم التواصل، وأن المستهدفين بالرسالة نضجوا ونافسوا وتمردوا. زرت بلاد المغرب سبع مرات، وللمغرب والجزائر النصيب الأكبر. لم أرَ مصر، رأيت «الغياب»، هناك «حضور» باهت، أقرب إلى الذكرى، وأبطاله ناهزوا الستين، شهدوا نهاية ذلك «الحضور»، حين كان لمصر دور تشرف بتقديمه، قبل أن يصاب القلب بالعلل، وتتطاول الأطراف وتتجاوز أحيانا. لا أحد يلوم الجيل المغاربي الجديد، الذي بلغ خمسين عاما لا أثر فيها لمصر، وهو ليس مضطرا إلى استعارة تجربة جيل سابق أدرك أهمية الدور المصري.


لكن الأجيال الجديدة، في المغرب والمشرق، ليس لديها حنين إلى ما هو مصري. لا يحنّ الإنسان إلا إلى ما يألف ويعتاد. وهذا المثلث الخطير، الذي رسمه ابن بطوطة ببصيرته، ينهض من جديد، فيجعل مصر مكانا طاردا. حتى أبناؤنا يحلمون بالهجرة.


ولا تسعى هذه الفصول إلى تقديم إجابة، إنها إشارات إلى المشهد (أخشى أن أقول: المأتم)، في التباساته وتحولاته، فلا أزال أحاول القبض على مصر التي تغيب ملامحها بحكم الشيخوخة، أو تغيّب بفعل فاعل. أخشى أن تنطفئ، ولا تخلف جمرًا. أراهن على الجمرات.
هنا فصول أقترب فيها من هذا المشهد المصري الآن.

قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك

بوابة الشروق 2026 - جميع الحقوق محفوظة