x قد يعجبك أيضا

دار الإفتاء تستعرض منهجية فهم النص وضوابط المعاملات المالية وآليات أرشفة 120 ألف فتوى

نشر في: الخميس 10 سبتمبر 2026 - 12:25 م
آلاء يوسف

أكد الدكتور فياض عبد المنعم، المستشار المالي للمفتي ووزير المالية الأسبق، أن المال في التصور الإسلامي وسيلة لا غاية، وأن الشريعة حثت على تنميته واستثماره فيما يحقق الخير والنفع، مع النهي عن إضاعته أو تعطيله، كما عرض مفهوم النشاط الاقتصادي باعتباره مجموع الأنشطة التي يمارسها الإنسان لتحقيق الكسب وتلبية حاجاته، والمتمثلة في الإنتاج والاستهلاك والادخار والاستثمار.

وبين أن قوة الاقتصاد ترتبط بقدرته على تحويل الموارد والإمكانات إلى إنتاج حقيقي، وأن الاستثمار يمثل محركا أساسيا للنمو من خلال زيادة الطاقة الإنتاجية وخلق فرص العمل ودعم مسارات التنمية.

جاء ذلك في محاضرته التي جاءت بعنوان «الاستثمار: أدواته وأشكاله»،ضمن أعمال الدورة التدريبية التي تنظمها دار الإفتاء بعنوان «منهجية دار الإفتاء المصرية في فتاوى المعاملات المالية».

وعلى صعيد أدوات الاستثمار، أوضح المستشار المالي للمفتي ووزير المالية الأسبق أن الاستثمار الناجح لا ينبغي أن ينحصر في تحقيق العائد المالي، وإنما يمتد إلى الإنتاج الطيب وتحقيق النفع العام، مستشهدا بقول الله تعالى: {ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث}.

وبين أهمية إسهام أفراد المجتمع في تحقيق الكفاية الاقتصادية وتنمية الموارد وتعظيم الاستثمار، مع الاستناد إلى ما ورد في التراث من الحث على تنمية أموال اليتامى، وما عرف عن سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه من تنمية ماله واستثماره.

كما عرض أبرز الأدوات الاستثمارية المشروعة، ومنها: الأصول العينية كالعقارات والأراضي والذهب والسلع، والأسهم في الشركات ذات الأنشطة المباحة، والصكوك التي تمثل ملكية شائعة في أصول أو منافع أو مشروعات، إلى جانب صناديق الاستثمار والوقف، مع مراعاة الضوابط الشرعية وطبيعة الأصول ومصادر العائد، بما يؤكد أن الشريعة لم تضع قالبا جامدا للاستثمار، وإنما أرست قواعد وضوابط تسمح بتطوير أدوات جديدة منضبطة بأحكامها ومقاصدها.

وفي محاضرة «أثر اللغة في فهم النص الشرعي»، عرض الدكتور عبد الفتاح حبيب، أستاذ اللغويات بجامعة الأزهر، مكانة اللغة العربية في فهم نصوص الوحي، موضحا أنها ليست غاية في ذاتها وإنما وسيلة لفهم كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وسائر النصوص العربية، وأن علوم اللغة من علوم الآلة التي يحتاج إليها الفقيه والمفتي والباحث الشرعي، مشيرا إلى أن القرآن الكريم نزل بلسان عربي مبين، وأن النبي صلى الله عليه وسلم أوتي جوامع الكلم، وهو ما يجعل الجهل باللغة سببا محتملا للخطأ في فهم النص ثم الخطأ في استنباط الحكم والفتوى، مؤكدا أن التمكن من علوم العربية يعين المشتغل بالعلوم الشرعية على إدراك الدلالات والأساليب وفهم النص في سياقه الصحيح.

وفي الجانب التطبيقي لدور اللغة في الاستنباط، أوضح أستاذ اللغويات بجامعة الأزهر أن مفهوم النص تتعدد استعمالاته اللغوية والاصطلاحية، مبينا عناية الفقهاء والمفسرين المتقدمين بلغة العرب وأساليبهم، مستشهدا بما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما بشأن الاستعانة بالشعر في فهم غريب القرآن، ثم أبرز مجالات تأثير اللغة في الاستنباط، ومنها دلالة الألفاظ والتمييز بين الأمر والنهي والإباحة، والعام والخاص، والمطلق والمقيد، إلى جانب الحقيقة والمجاز والإعراب والأساليب البلاغية كالتقديم والتأخير والحذف والكناية، مبينا أن العناية باللغة لا تقف عند معرفة المفردات والقواعد النحوية والصرفية، وإنما تشمل فهم طرائق العرب في التعبير واستعمال الألفاظ والتراكيب، بما يجعل امتلاك أدوات العربية ركنا أساسيا في تكوين المفتي والباحث وصيانة الحكم الشرعي من الخطأ في الفهم والاستنباط.

وعلى مستوى المعاملات المصرفية، تناول الدكتور محمد إبراهيم البلتاجي، خبير الاقتصاد المالي والمصارف الإسلامية، موضوع «المعاملات المالية والاستثمارية في القطاع المصرفي - المعاملات البنكية»، مستعرضا طبيعة العمل المصرفي وأبرز المنتجات والخدمات البنكية.

وأوضح أن البنوك مؤسسات مالية تضطلع بوظائف تتصل بحفظ الأموال وإدارتها وتوظيفها واستثمارها، وأن التعامل معها أصبح من مقتضيات الحياة الاقتصادية المعاصرة، لافتا إلى أن الحكم الشرعي لا ينصب على البنك باعتباره كيانا واحدا، وإنما يتعلق بطبيعة كل معاملة وعقد على حدة، وهو ما يستلزم دراسة المنتج المصرفي وفهم حقيقته وتكييفه فقهيا قبل إصدار الحكم، كما أشار إلى ما كشفته الأزمات المالية العالمية من أهمية دراسة النظام المصرفي وأدواته وآليات عمله، مع إبراز خصوصية التجربة المصرفية الإسلامية وأهمية دراسة منتجاتها وصيغها.

وفي بيان الفروق بين الأنماط المصرفية والمنتجات البنكية، بين خبير الاقتصاد المالي والمصارف الإسلامية أن كثيرا من الخدمات التي تقدمها البنوك التقليدية يمكن تقديمها في المصارف الإسلامية من خلال صيغ وعقود وآليات تراعي الضوابط الشرعية، وأن العبرة بحقيقة العقد وطبيعة المعاملة وآلية تنفيذها لا بمجرد المسميات، مؤكدا أن الأصل في المعاملات الإباحة وأن دائرة المباح أوسع من دائرة المحرم. ثم استعرض عددا من المنتجات التي تحتاج إلى دراسة فقهية، ومنها: حسابات التوفير والودائع وشهادات الاستثمار والتمويل والقروض وبطاقات الائتمان والتحويلات والاعتمادات المستندية، إلى جانب الفروق المتعلقة بمصدر العائد وطبيعة العلاقة التعاقدية والرقابة الشرعية، بما يؤكد ضرورة دراسة كل منتج مصرفي بصورة مستقلة والنظر في أركانه وشروطه وآلية تنفيذه وآثاره قبل إصدار الحكم الشرعي بشأنه.

وفي محاضرة «آليات وطرق أرشفة الفتاوى»، أكد الشيخ حازم داود، مدير إدارة التدقيق اللغوي بدار الإفتاء المصرية، على أهمية التوثيق والأرشفة في العمل الإفتائي، موضحا أن الأرشفة تمثل ذاكرة المؤسسة، وأن الفتوى لا تكتمل قيمتها المؤسسية بمجرد صدورها، وإنما تتعاظم فائدتها من خلال توثيقها وحفظها وإتاحتها للاستفادة منها في المسائل اللاحقة، بما يحقق تراكم الخبرة والمعرفة. كما عرض المراحل التاريخية التي مرت بها عملية توثيق الفتاوى في دار الإفتاء المصرية.

وشرح أن الفتاوى كانت تحفظ في صورتها الورقية منذ عام 1895م وحتى عام 2002م، ثم بدأت جهود تنظيم هذا التراث وأرشفته، حيث يضم الأرشيف ما يقارب 120 ألف فتوى موثقة حتى الآن، إلى جانب جهود نشر التراث الإفتائي، ومن بينها طباعة فتاوى الشيخ محمد المهدي العباسي في عشرين مجلدا، وما أتاحه هذا التراث من مادة علمية للباحثين والدارسين.

وفي امتداد لهذا المسار، أشار مدير إدارة التدقيق اللغوي بدار الإفتاء المصرية إلى أن الأرشفة لا تقتصر على حفظ الوثائق، وإنما تستهدف بناء قاعدة معرفية مؤسسية تخدم المفتي والباحث وطلاب الدراسات العليا، من خلال الرجوع إلى الفتاوى السابقة والاستفادة منها مع مراعاة اختلاف الوقائع والظروف، وتتبع تطور الخطاب الإفتائي ومناهج التعامل مع النوازل، وأن دار الإفتاء أشرفت على نحو 120 رسالة ماجستير ودكتوراه في هذا المجال.

كما أبرز أهمية الانتقال من الأرشيف الورقي إلى الرقمي بما يوفره من سرعة في البحث والاسترجاع وإمكانات أكبر في التصنيف والفهرسة والربط بين الفتاوى والموضوعات والمصادر، مؤكدا أن التطور المتسارع في تقنيات المعلومات والذكاء الاصطناعي يفتح المجال أمام الأرشفة الذكية التي تتجاوز التخزين إلى التنظيم والتحليل والاسترجاع بكفاءة أعلى، بما يحافظ على التراث الإفتائي ويجعله أكثر قابلية للاستثمار العلمي في الحاضر والمستقبل.

قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك

بوابة الشروق 2026 - جميع الحقوق محفوظة