• بين جدران مستشفى «النيل» و«هليوبوليس».. قصص رحيل صامت خلفته «ساعات الرعب» فى الاستقبال
• الموت يسبق الخط الساخن.. مأساة والدة عمر التى هزمت السرطان وغلبتها القوائم
• الصحة: 14٫6 ألف سرير رعاية و7 آلاف حضانة.. ونحقق مواصفات «الصحة العالمية»
• حسام عبد الغفار لـ«الشروق»: إشغال الأسرّة لشهور دون ضرورة طبية يلتهم فرص الحالات الحرجة
• خطة لتحقيق التوزيع العادل وتطوير الأقسام الداخلية لإنهاء انتظار الرعايات
بين الأرقام الرسمية التى تشير إلى وضع آمن للرعايات المركزة فى مصر، وبين أنين المرضى على أعتاب غرف الطوارئ، تبرز فجوة مؤلمة تدفع ثمنها أسر مصرية فقدت ذويها فى لحظات انتظار قاسية.
ففى الوقت الذى تعلن فيه وزارة الصحة عن طفرة فى أعداد أسرّة الرعاية المركزة وتخطيط علمى لتوزيعها، تروى طرقات المستشفيات قصصا لم تنتهِ بالشفاء، بل برحيل صامت خلفته قوائم الانتظار.
مأساة أحمد.. حين سبق القدر سرير الرعاية
وسط جدران قسم الطوارئ بمستشفى النيل التابعة للتأمين الصحى، وفى تلك المساحة الضيقة الفاصلة بين الأمل والقدر، بدأت وانتهت فصول مأساة (أحمد. ر) برحيل والد زوجته، لتجسد أزمة البحث عن سرير رعاية مركزة فى قصة إنسانية يملؤها الألم والانتظار الذى لا ينتهى إلا برحيل مرّ.
بصوت يتهدج بالحزن يروى أحمد تفاصيل تلك الساعات الأخيرة، قائلا إن والد زوجته خاض صراعًا طويلًا مع مرض القلب، وفى المرة الأخيرة التى دخل فيها المستشفى، كان جسده المتعب يرسل إشارات الاستغاثة النهائية؛ حيث أكد الأطباء فور وصوله ضرورة نقله إلى وحدة الرعاية المركزة بشكل عاجل لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.
ومع تزايد وتيرة القلق، لجأ أحمد إلى المسارات الرسمية، حيث تم تسجيل طلب توفير سرير رعاية عبر الخط الساخن (137) المخصص لهذا الغرض، وبدأ عداد الوقت الذى لا يرحم فى الدوران، إلا أن الانتظار طال، وبقى المريض يصارع أنفاسه داخل غرفة الطوارئ، بينما تتسارع دقات قلبه المنهك فى انتظار فرصة للحياة داخل العناية المركزة.
ويقول أحمد بحزن شديد إن المريض ظل قابعًا فى الطوارئ لمدة يوم ثم رعاية الطوارئ لعدة ساعات، يترقب فيها الجميع توفير السرير المنشود، وبعد توفر السرير تأخرت الإسعاف لعدة ساعات أخرى، وكان القدر أسرع من الإجراءات، إذ توفاه الله وهو لا يزال على قائمة الانتظار، ليرحل قبل أن تطأ قدماه وحدة الرعاية.
آية تروي 48 ساعة من العجز في مستشفى هليوبوليس
وفى ممرات استقبال مستشفى هليوبوليس، حيث يمتزج ضجيج الطوارئ بصمت الانتظار القاتل، عاشت (آية. ف) أصعب 48 ساعة فى حياتها، وهى تشاهد والدها يصارع الموت فى انتظار سرير لم يأتِ إلا بعد فوات الأوان.
تروى آية بمرارة تفاصيل تلك المأساة، مشيرة إلى أن والدها تعرض لأزمة قلبية حادة ومفاجئة، مما دفع الأسرة لنقله على الفور إلى مستشفى هليوبوليس التابع للمؤسسة العلاجية بوزارة الصحة، لكونه الأقرب إلى منزلهم ولإنقاذ ما يمكن إنقاذه فى تلك اللحظات الحرجة.
وعند وصولهم، اصطدمت الآمال بالواقع الإجرائى؛ حيث أكدت إدارة المستشفى أن دخول وحدة الرعاية المركزة يتطلب حتما التسجيل عبر الخط الساخن المخصص للرعايات، وهو ما تم بالفعل لتبدأ رحلة حبس الأنفاس والترقب التى استمرت لمدة يومين كاملين داخل أروقة الاستقبال.
وتقول آية بحزن: بعدما سجلنا على الخط الساخن، ظننت أن الإجراءات ستسير بسرعة وأن والدى سيجد الرعاية التى يحتاجها ليبقى معنا، لكن الساعات كانت تمر وهو يذبل أمام أعيننا فى الاستقبال، ولم تمض الأيام المحدودة حتى لفظ الأب أنفاسه الأخيرة، ليرحل عن عالمنا قبل أن يدرك سرير الرعاية المركزة الذى انتظره يومين كاملين.
عمر يفقد والدته بعد النجاة من السرطان
وفى مشهد تملؤه لوعة الفقد وعجز الحيلة، يروى (عمر. ع) فصلا مأساويا من فصول المعاناة التى انتهت برحيل والدته أمام عينيه، داخل أروقة مستشفى معهد ناصر التابع لوزارة الصحة والسكان، بينما كانت فى أمسّ الحاجة لسرير داخل وحدة الرعاية المركزة لإنقاذ حياتها.
يشير عمر، بمرارة إلى أن والدته كانت قد أتمت رحلة علاجها من السرطان وتماثلت للشفاء تماما، لكن فرحة النجاة لم تدم طويلا، إذ داهمتها حالة مرضية طارئة استدعت نقلها بشكل فورى إلى المستشفى، وهناك أكد الأطباء أن حالتها حرجة وتتطلب تدخلا عاجلا داخل وحدة الرعاية المركزة.
وبينما كان أحمد، يتشبث بالأمل فى أن تستعيد والدته عافيتها مجددا بعد أن هزمت السرطان، اصطدم بواقع نقص الأسرّة المتاحة، لتمضى الدقائق والساعات ثقيلة وقاسية، وبينما هو ينتظر معجزة توفر مكان لها، تدهورت حالتها سريعا لتلفظ أنفاسها الأخيرة خلال ساعات قليلة من وصولها للمستشفى، وقبل أن تجد سريرا يمنحها فرصة أخرى للحياة.
الصحة ترد: الأزمة في سوء استخدام الرعايات
من جانبه قال المتحدث الرسمى لوزارة الصحة والسكان، حسام عبدالغفار، إن مشكلة الرعايات المركزة فى مصر تكمن فى طريقة الاستخدام، حيث يتم حجز أغلب المرضى فى تلك الرعايات دون الحاجة الفعلية لذلك، مما يتسبب فى إشغال كبير للأسرّة وضغط على المنظومة.
وأضاف عبد الغفار فى تصريحات لـ«الشروق»، أن المريض من المفترض أن يخرج من الرعاية المركزة إلى الأقسام الداخلية بمجرد استقرار حالته، وهو النظام المتبع والمعمول به عالميا، ولكن ما يحدث فى الواقع هو حجز المريض داخل الرعاية المركزة حتى الشفاء تماما، ليخرج المريض من الرعاية إلى المنزل مباشرة.
وأشار إلى وجود بعض الحالات التى يتم حجزها لمدة شهور داخل غرف الرعاية رغم عدم حدوث أى تطور فى حالتها الصحية أو حاجتها لتدخلات الرعاية المركزة الفائقة، وضرب مثالا بمرضى الشلل الرباعى الذين قد يشغلون أسرّة الرعاية لفترات طويلة دون وجود ضرورة طبية تستدعى ذلك، مما يؤثر على الفرص المتاحة للمرضى ذوى الحالات الحرجة والطارئة.
ثلاثة محاور لحل الأزمة
ولفت عبدالغفار، إلى أن الوزارة تعمل حاليا على حل أزمة استخدام الرعايات عبر ثلاثة محاور أساسية، يشمل المحور الأول العمل على التوزيع العادل للرعايات وتوفيرها فى جميع المحافظات لضمان عدم تركيزها فقط فى محافظتى القاهرة والجيزة.
ويتضمن المحور الثانى تكثيف تدريب الأطباء على كيفية التعامل مع الحالات المرضية المختلفة داخل الأقسام الداخلية، لضمان عدم حجز الحالات بشكل مباشر داخل الرعايات دون وجود ضرورة طبية تستدعى ذلك.
ويضيف: المحور الثالث يرتكز على رفع جودة الأقسام الداخلية بالمستشفيات وتزويدها بكل المعدات والأجهزة اللازمة التى تمكن الأطباء من معالجة مختلف الحالات داخل القسم الداخلى بكفاءة عالية دون الحاجة لنقلها إلى الرعاية المركزة.
وأكد عبد الغفار، أن مصر حاليا فى وضع جيد جدا من حيث الكثافة الإجمالية لأسرّة الرعاية المركزة بنسبة 12.2 لكل 100 ألف مواطن، ومقبول جدا فى الحضانات بنسبة 3.74 لكل ألف ولادة، مشيرا إلى أن الوضع الحالى والتشغيلى الأمثل لأسرة الرعاية المركزة والرعايات المتخصصة تم تحديده بناء على البيانات الحديثة من منظمة الصحة العالمية، والبنك الدولى، وتقارير وزارة الصحة المصرية حتى ديسمبر 2025.
ولفت عبدالغفار، إلى أنه تم تطبيق المعايير العالمية والإقليمية السابقة على مصر لتحديد الوضع التشغيلى الأمثل باستخدام عدد السكان المقترح (120 مليون)، مع تأكيد من تقديرات الأمم المتحدة بـ118.4 مليون فى 2025 وهى زيادة طفيفة لا تؤثر على التقديرات، مع بلوغ عدد الولادات الحية السنوية ما بين 1.96 إلى 2 مليون فى 2024-2025.
وأوضح عبدالغفار، أن المعايير الأمثل تعتمد على توفير 8.7 سرير رعاية مركزة للكبار لكل 100 ألف نسمة عالميًا، أو ما بين 11 إلى 15 فى إقليم شرق المتوسط، وتوفير 0.8 سرير رعاية مركزة أطفال لكل 10 آلاف طفل فى الفئة العمرية من 0 إلى 17 سنة والذين يمثلون حوالى 30% من السكان أى نحو 36 مليون طفل، بالإضافة إلى توفير 4.0 أسرّة رعاية مركزة لحديثى الولادة (NICU) لكل ألف ولادة حية فى إقليم شرق المتوسط مع وجود 20% كاحتياطى، وتخصيص 25-30% من إجمالى الرعاية المركزة لرعاية القلب، مع وجود 4.4 طبيب قلب لكل 50 سريرا.
وكشف عبدالغفار، عن امتلاك وزارة الصحة والسكان 7 آلاف و660 سرير رعاية مركزة للكبار والأطفال، وتمتلك المستشفيات الجامعية نحو 5 آلاف سرير، بينما يمتلك القطاع الخاص 6 آلاف و538 سرير رعاية و3 آلاف و500 حضانة.
وذكر عبدالغفار، أن الإجمالى الكلى لأسرّة الرعاية المركزة تصل إلى 14 ألفا و660 سريرا، بينها 1.460 سرير رعاية مركزة أطفال (PICU)، وبذلك تصل الكثافة الحالية للكبار والأطفال مجتمعين إلى 12.2 سرير رعاية مركزة لكل 100,000 نسمة، وهى نسبة أعلى من المتوسط العالمى البالغ 8.7، وفى نطاق متوسط إقليم شرق المتوسط الذى يتراوح بين 11 و15 سريرا.
الحضانات وحديثو الولادة.. أرقام قريبة من المعدلات المثلى
أما فيما يخص الحضانات وحديثى الولادة، فتمتلك وزارة الصحة 5 آلاف و435 حضانة، وتمتلك المستشفيات الجامعية 1200 حضانة، والقطاع الخاص 700 حضانة، ليصل الإجمالى الكلى إلى 7 آلاف و335 حضانة، مما يجعل الكثافة الحالية تبلغ 3.74 حضانة لكل ألف ولادة حية، وهى نسبة قريبة جدا من معيار إقليم شرق المتوسط البالغ 4.0، وأعلى من المتوسط العالمى البالغ 2.4 حضانة.
وفى الدول عالية الدخل مثل الولايات المتحدة وأوروبا المتقدمة، يتراوح متوسط عدد أسرّة العناية المركزة بين 20 إلى أكثر من 30 سريرًا لكل 100 ألف نسمة، على سبيل المثال: الولايات المتحدة حوالى 20 سريرًا لكل 100 ألف نسمة، وأحيانًا أعلى فى بعض الدول الأوروبية المتقدمة.
أما فى الدول متوسطة الدخل يكون الرقم أقل من ذلك بكثير، وقد يصل إلى حوالى 10–15 سريرًا لكل 100 ألف نسمة، فى دول مثل إيران وكوريا الجنوبية.
وفى الدول منخفضة الدخل غالبًا يكون الرقم صغيرًا جدًا، وقد يصل إلى أقل من 5 أسرّة لكل 100 ألف نسمة.