الغرب يسعى لدفع الملف النووي الإيراني إلى مجلس الأمن.. و«الدولية للطاقة الذرية» تحذر من مصير مخزون اليورانيوم المفقود

نشر في: الإثنين 7 سبتمبر 2026 - 1:58 م
آخر تحديث: الإثنين 7 سبتمبر 2026 - 2:01 م
فيينا – خالد أبو بكر

- جروسي يدق ناقوس الخطر: عام بلا رقابة على نووي إيران.. وطهران ترفض الضغوط الغربية وتصف مشروع القرار الجديد بأنه "محاولة يائسة"

- اختراق تاريخي في سوريا.. الوكالة تغلق أسئلة نووية ظلت معلقة منذ تدمير مفاعل دير الزور عام 2007

- محطة زابوريجيا الأوكرانية على حافة الخطر.. 26 انقطاعا للكهرباء ووقف إطلاق نار سابع لإنقاذ المحطة من كارثة نووية


افتتح مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية اجتماعاته في فيينا الاثنين، وعلى طاولته مجموعة من أكثر الملفات النووية حساسية في العالم، يتصدرها الملف الإيراني ومساع غربية لاستصدار قرار يحيل طهران إلى مجلس الأمن الدولي، إلى جانب تطور وصفته الوكالة بـ"التاريخي" في سوريا، واستمرار المخاطر المحيطة بمحطة زابوريجيا الأوكرانية، فضلا عن البرنامج النووي لكوريا الشمالية والسلامة النووية في مناطق النزاعات.

ويخيم الملف الإيراني على الاجتماعات بعدما قالت مصادر دبلوماسية إن الولايات المتحدة والترويكا الأوروبية (بريطانيا وفرنسا وألمانيا) تسعى إلى حشد أغلبية داخل مجلس المحافظين لتمرير قرار بإحالة إيران إلى مجلس الأمن، في خطوة ستكون الأولى من نوعها منذ نحو عشرين عاما. ولم يقدم مشروع القرار رسميا بعد، فيما تستمر المشاورات حول صيغته النهائية ومضمونه وحجم التأييد الذي يمكن أن يحظى به بين الدول الأعضاء.

وتأتي التحركات الغربية بعد أكثر من عام على فقدان الوكالة قدرتها على متابعة المخزونات الإيرانية المعلنة من اليورانيوم منخفض التخصيب واليورانيوم عالي التخصيب حتى مستوى 60%، عقب الهجمات العسكرية التي تعرضت لها المنشآت النووية الإيرانية في يونيو 2025.

وقال المدير العام للوكالة رافائيل جروسي، في كلمته الافتتاحية أمام المجلس، إن الوكالة لم تتلق خلال فترة التقرير معلومات من إيران عن وضع المواد والمنشآت النووية المعلنة، كما لم تتمكن من الوصول إليها لإجراء عمليات التحقق الميداني.

وأضاف جروسي، أن الوكالة أصبحت نتيجة لذلك عاجزة عن أداء مسئولياتها الرقابية بموجب اتفاق الضمانات المرتبط بمعاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، كما لا يستطيع تقديم تقييم بشأن تنفيذ إيران قرارات مجلس الأمن أو قرارات مجلس المحافظين الصادرة في نوفمبر الماضي ويونيو من العام الجاري.

- مخزون مجهول المصير

وتتركز المخاوف الدولية خصوصا على مصير مخزون اليورانيوم الإيراني المخصب بنسبة تصل إلى 60%، وهي نسبة قريبة تقنيا من مستوى 90% المستخدم في تصنيع السلاح النووي.

وكانت الوكالة تقدر، قبل الضربات الأمريكية – الإسرائيلية في يونيو 2025، أن إيران راكمت نحو 440 كيلوجراما من اليورانيوم المخصب إلى مستوى 60%. وتشير تقديرات الوكالة الواردة في التقارير المرفقة إلى أن أكثر من 200 كيلوجرام ربما نجت من القصف، ويعتقد أنها موجودة في مجمع أنفاق في أصفهان ومنشأة نطنز.

وقال جروسي إن مرور أكثر من عام من دون استعادة "استمرارية المعرفة" بشأن تلك المخزونات يمثل "مصدر قلق خطير من منظور الانتشار النووي"، داعيا إلى معالجة الوضع "بأقصى درجات الاستعجال"، وإلى تعاون إيراني يسمح بالتطبيق الكامل والفعال لاتفاق الضمانات.

وشدد في الوقت نفسه على ضرورة العودة إلى الدبلوماسية والمفاوضات، محذرا من أن تطورات البرنامج الإيراني تترك تداعيات على النظام العالمي لمنع الانتشار النووي.

ورفضت إيران التحرك الغربي، ووصفت بعثتها لدى المنظمات الدولية في فيينا محاولة الولايات المتحدة والدول الأوروبية الثلاث طرح قرار جديد بأنها "يائسة"، وقالت إن إحالة الملف إلى مجلس الأمن لن تحقق النتائج التي تسعى إليها تلك الدول.

وتتمسك طهران بأن برنامجها مخصص للأغراض السلمية، وأن معاهدة عدم الانتشار تمنحها حق استخدام التكنولوجيا النووية، بما في ذلك تخصيب اليورانيوم. وتشير الوكالة، في المقابل، إلى أن إيران هي الدولة الوحيدة غير الحائزة للسلاح النووي التي تخصب اليورانيوم إلى مستوى 60 %.

- سوريا.. إغلاق ملف عمره نحو عقدين

وحمل الملف السوري تطورا مختلفا، إذ أعلن جروسي أن الوكالة تمكنت من تسوية الأسئلة العالقة المتعلقة بالأنشطة النووية السورية السابقة، بعد تعاون الحكومة السورية الجديدة ومنح المفتشين المعلومات وإمكانية الوصول التي طلبوها.

ووصف جروسي التطور بأنه "اختراق تاريخي" في ملف الضمانات السوري، وقال إن السلطات السورية أتاحت للوكالة الوصول إلى موقع دير الزور ومواقع أخرى للتحقيق في الأنشطة النووية السابقة.

وكانت الوكالة قد خلصت إلى أن مبنى دمر في دير الزور عام 2007 كان، على الأرجح، مفاعلا نوويا قيد الإنشاء وكان يتعين على سوريا الإعلان عنه بموجب اتفاق الضمانات.

وقال جروسي، إن المعلومات والمواد التي حصل عليها المفتشون تتوافق مع التقييم السابق للوكالة بأن مفاعلا يعمل بالجرافيت ويبرد بالغاز كان قيد الإنشاء في الموقع في عهد الحكومة السورية السابقة. كما تتفق مواصفات وكميات قضبان الوقود التي أبلغت عنها سوريا أخيرا مع تقييم الوكالة السابق لتصميم المفاعل وقدرته.

وقدمت دمشق في 27 أغسطس إلى الوكالة استبيان معلومات التصميم الخاص بمنشأة دير الزور باعتبارها "مفاعلا خارج الخدمة"، فيما ستواصل الوكالة مراقبة أعمال الحفر الجارية في الموقع.

ويمثل التطور تحولا كبيرا في ملف ظل مفتوحا لما يقرب من عقدين، ويأتي في وقت لا تزال فيه خلافات جوهرية بين دول الشرق الأوسط بشأن تطبيق ضمانات شاملة على جميع الأنشطة النووية في المنطقة. وأقر جروسي بعدم تحقيق تقدم جديد في هذا الملف، مؤكدا أنه سيواصل المشاورات مع دول المنطقة.

 - الخطر لم ينته في زابوريجيا الأوكرانية

وفي أوكرانيا، وجه جروسي تحذيرا شديدا بشأن الوضع في محطة زابوريجيا النووية، أكبر محطة نووية في أوروبا، وقال إن انقطاع إمدادات الكهرباء الخارجية عنها بصورة متكررة يمثل خطرا جديا على وظائف السلامة الأساسية، وخصوصا المضخات المستخدمة في تبريد المفاعلات الستة وأحواض الوقود المستهلك.

وسجلت المحطة منذ يونيو وحده عشرة انقطاعات للكهرباء الخارجية، ليرتفع العدد إلى 26 منذ بدء الحرب. ومنذ 20 أغسطس اضطرت مولدات الديزل الاحتياطية إلى توفير الكهرباء للمحطة بعدما قطعت أنشطة عسكرية خطا بجهد 330 كيلوفولت.

ووصلت مخزونات الديزل إلى مستوى يكفي لأكثر قليلا من أسبوع، ما اضطر العاملين إلى تشغيل مضخات التبريد بصورة متقطعة، قبل نجاح جهود الوكالة في التوصل إلى وقف إطلاق نار محلي هو السابع من نوعه، سمح ببدء إزالة الألغام وإصلاح خط الكهرباء.

وطالب جروسي، القادة العسكريين بوقف الهجمات التي تعرض المنشآت النووية والعاملين فيها للخطر، مشيرا إلى أن انفجار طائرة مسيرة الشهر الماضي عند محطة للحافلات يستخدمها العاملون في زابوريجيا أدى، بحسب إدارة المحطة، إلى سقوط عشرين ضحية، بينهم قتيل وثلاثة مصابين بجروح خطيرة.

وتواصل الوكالة وجودها الميداني في أوكرانيا، حيث شارك 185 من موظفيها في 287 مهمة منذ بدء الانتشار المستمر، فيما تجاوزت قيمة المعدات والمساعدات المقدمة لأوكرانيا 27 مليون يورو. ولا تزال هناك احتياجات ذات أولوية غير ممولة تقدر بنحو 17 مليون يورو.

- كوريا الشمالية توسع أنشطتها

وفي ملف آخر يثير قلق الوكالة، قال جروسي إن الأنشطة النووية في كوريا الشمالية مستمرة في التوسع. وتراقب الوكالة مبنى جديدا في يونجبيون يحمل خصائص مشابهة لمنشأة كانجسون للتخصيب، وتظهر صور التقطت في يونيو أنه يحتوي، على ما يبدو، على أجهزة طرد مركزي من النوع الذي ظهر سابقا في منشآت التخصيب الكورية الشمالية.

كما رصدت الوكالة مؤشرات على استمرار تشغيل مفاعل يونجبيون بقدرة خمسة ميجاوات، فيما عاد مفاعل الماء الخفيف إلى العمل منذ نهاية أبريل.

ووصف جروسي استمرار البرنامج النووي الكوري الشمالي وتطويره بأنه انتهاك واضح لقرارات مجلس الأمن، مؤكدا استعداد الوكالة للعودة إلى أداء دورها في التحقق من البرنامج إذا سمحت الظروف بذلك.

- السلامة النووية وسط الحروب

وأشار جروسي أيضا إلى استمرار مركز الحوادث والطوارئ التابع للوكالة في فيينا في مراقبة التطورات في منطقة الخليج على مدار الساعة، مؤكدا أن مستويات الإشعاع التي أبلغت بها الدول في المنطقة لا تزال عند مستوياتها الطبيعية.

وجدد مبدأ سبق أن شدد عليه عقب الهجمات على منشآت نووية في المنطقة، قائلا إن قواعد السلامة النووية تنطبق على الجميع "من دون استثناء"، وإن الهجوم على أي منشأة نووية في أي مكان من العالم يخلق مخاطر غير مقبولة على السكان والبيئة.

وتأتي اجتماعات مجلس المحافظين قبل أسبوع واحد من انطلاق الدورة السبعين للمؤتمر العام للوكالة في فيينا بين 14 و18 سبتمبر الجاري، وسط مشاركة مرتقبة على مستوى سياسي ودبلوماسي مرتفع.

لكن الأنظار ستظل خلال اجتماعات المجلس معلقة على إيران. فنجاح الولايات المتحدة والقوى الأوروبية الثلاث في حشد الأصوات لإحالة الملف إلى نيويورك سينقل المواجهة النووية الإيرانية من قاعات الوكالة في فيينا إلى مجلس الأمن، ويفتح مرحلة جديدة في أزمة تتزامن هذه المرة مع حرب إقليمية، ومنشآت تعرضت للقصف، ومئات الكيلوجرامات من اليورانيوم عالي التخصيب التي لا تستطيع الوكالة تحديد مكانها أو التحقق من وضعها.

قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك

بوابة الشروق 2026 - جميع الحقوق محفوظة