يوم قاتلت فيه الملائكة.. كيف انتصر المسلمون في غزوة بدر رغم قلة العدد؟

نشر في: السبت 7 مارس 2026 - 12:26 م
أدهم السيد

يحل يوم عظيم في تاريخ المسلمين في السابع عشر من رمضان، إذ وقعت غزوة بدر الكبرى في السنة الثانية للهجرة، لتكون يوم الفرقان بين المسلمين والمشركين، حين نصر الله المسلمين رغم قلة عددهم على جيش قريش، وسقط في المعركة عدد من سادة قريش الذين حاربوا الإسلام مثل أبو جهل وأمية بن خلف، في واحد من أشهر الانتصارات في التاريخ الإسلامي.

وتستعرض "الشروق" وقائع غزوة بدر الكبرى كما وردت في كتب: "البداية والنهاية" لابن كثير، و"سيرة ابن هشام"، و"سيرة ابن إسحاق"، و"مغازي الواقدي".

قافلة أبي سفيان والنفير في المدينة المنورة

كان كفار قريش قد أجبروا المسلمين قبل الهجرة على ترك أموالهم في مكة، وبعد انتقال الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة بدأت سرايا المسلمين تخرج لاعتراض قوافل قريش بهدف استرداد أموال المهاجرين التي كانت قريش تتاجر بها.

وفي رمضان من السنة الثانية للهجرة علم الرسول صلى الله عليه وسلم بوجود قافلة كبيرة لقريش عائدة من الشام، تحمل ما يقارب 50 ألف دينار من الذهب، وعلى متنها نحو 1000 بعير، ولم يكن يحرسها سوى 40 رجلا يقودهم أبو سفيان.


وأعلن الرسول صلى الله عليه وسلم النفير بين الصحابة، فخرج معه ما يزيد قليلا على 300 رجل، وكان معظمهم من الأنصار، إذ كانوا جاهزون لاعتراض القافلة وليس لمواجهة جيش قريش، لذلك لم يكن معهم سوى حصانين للزبير بن العوام والمقداد بن الأسود، إضافة إلى 70 جملا يتناوب الصحابة على ركوبها، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يتناوب الركوب مع علي بن أبي طالب ومرثد الأنصاري على بعير واحد.

خروج قريش للمعركة

وعلم أبو سفيان بتحرك المسلمين لاعتراض القافلة بعد أن أخبره أحد الأعراب بالأمر، فأرسل رجلا يدعى ضمضم إلى مكة ليحذر قريشا. وفي تلك الأثناء كان الجدل يدور في مكة بعد رؤية روتها عاتكة بنت عبد المطلب عن رجل ينذر قريشا بمصارعهم، فاستغل أبو جهل هذه الرواية وهدد بني هاشم قائلا إن مرت 3 أيام دون وقوع شيء فسيقول إنهم أكذب أهل مكة، لكن الأيام الثلاثة لم تنقض حتى وصل ضمضم إلى مكة.

فصاح ضمضم في أهل مكة يدعوهم للخروج لحماية أموالهم، فاستعد كل من يستطيع القتال، ولم يتخلف أحد إلا من أرسل بديلا عنه، حتى بلغ عدد جيش قريش نحو 950 رجلا بينهم 200 فارس مدججين بالسلاح، وكان كثير من المشاة يرتدون الدروع، كما كان معهم 600 بعير يستخدمونها في التنقل ويذبحون منها للطعام أثناء الرحلة.

الشيطان يزين لقريش قتال الرسول صلٌ الله عليه وسلم

تردد بعض رجال قريش بعد خروجهم خوفا من أن تستغل قبيلة بني بكر، التي كانت تعاديهم، انشغالهم بالحرب فتهاجم مكة. وهنا تشكل إبليس في هيئة سراقة بن مالك سيد قبيلة كنانة، وقال لقريش إنه سيحميهم من بني بكر، فاطمأنوا وساروا نحو بدر، بينما كان الشيطان بينهم في صورة سراقة.

هروب أبو سفيان

وصلت قافلة أبي سفيان إلى منطقة بدر، وكان جيش المسلمين قريبا منها، فأرسل الرسول صلى الله عليه وسلم صحابيين لاستطلاع أخبار القافلة. وفي الوقت نفسه لاحظ أبو سفيان آثار الإبل التي ركبها الصحابيان، ففحص فضلاتها فوجد فيها نوى تمر، فعرف أنها من إبل المدينة، فأسرع بالقافلة متجها نحو الساحل ونجح في الإفلات من الكمين.

وبينما وصلت قريش إلى بدر قبل وصول جيش المسلمين، أرسل أبو سفيان إليهم يخبرهم بنجاة القافلة ويطلب منهم العودة إلى مكة


أبو جهل يقود قريش إلى الهاوية

ناقش بعض سادة قريش فكرة العودة بعد نجاة القافلة، لكن أبو جهل رفض ذلك قائلا: والله لا نرجع حتى نصل إلى بدر فنقيم فيها وتسمع بنا العرب ويهابنا الناس. وبسبب هذا الإصرار بقي الجيش، بينما عادت قبيلتا بني زهرة وبني عدي إلى مكة فنجتا من المعركة.
وصول جيش المسلمين والاستعداد للحرب.

علم الرسول صلى الله عليه وسلم بنجاة القافلة وباقتراب جيش قريش، فاستشار الصحابة. فتكلم أبو بكر وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما بكلام حسن، ثم قال المقداد بن عمرو كلمته الشهيرة: لن نقول لك يا رسول الله اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون، ولكن نقول اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكم مقاتلون. كما قال سعد بن معاذ سيد الأوس: لو خضت بنا البحر لخضناه معك.

خطة المعركة ومشورة الصحابة

نزل المسلمون عند بدر، واقترح الحباب بن المنذر أن يتمركز المسلمون عند أقرب بئر من العدو وأن يطمسوا بقية الآبار، ويبنون حوضا يشربون منه ويمنعون المشركين منه، فأخذ الرسول صلى الله عليه وسلم برأيه. كما اقترح سعد بن معاذ بناء عريش للرسول صلى الله عليه وسلم خلف الصفوف، فوافق على ذلك أيضا.


وفي ليلة بدر أصاب المسلمين نعاس، وأنزل الله المطر فثبت الأرض تحت أقدامهم، بينما تحولت أرض المشركين إلى طين أعاق حركتهم، وقضى المسلمون الليل في سكينة بينما كان جيش قريش مترددا في القتال بعد نجاة القافلة.

واصطف المسلمون في الصفوف خلال الليل حتى بلغوا الـ17 من رمضان، ورأت قريش المسلمين مصطفين ومتأهبين للقتال.

الفوضى في معسكر قريش

استاء عتبة ابن ربيعة "سيد قريش" من فكرة قتال المسلمين، وفيهم رجال من قريش دون سبب بعد نجاة القافلة، فعرض على جنود الجيش التراجع وتجنب مصيبة قد تحدث، فغضب أبو جهل، وجعل الناس يعايرونه حتى غضب عتبة، وعزم على القتال رغم كراهيته له.

يوم الفرقان والمعركة الفاصلة

بدأت المعركة عندما حاول الأسود المخزومي أن يهدم حوض المسلمين أو يشرب منه، فأقسم على ذلك واقتحم الحوض، فتصدى له حمزة بن عبدالمطلب وقتله.

ثم خرج عتبة بن ربيعة ومعه ابنه الوليد وأخوه شيبة يطلبون المبارزة، فخرج إليهم 3 من أقارب الرسول صلى الله عليه وسلم: حمزة بن عبد المطلب، وعلي بن أبي طالب، وعبيدة بن الحارث.

فقتل حمزة عتبة، وقتل علي بن أبي طالب الوليد ابن عتبة، أما عبيدة وشيبة فتبادلا الضربات فأصيب كلاهما، ثم تدخل حمزة وعلي فقتلا شيبة.

أوقف المشركون المبارزات وتقدموا للقتال وأمر الرسول صلى الله عليه وسلم المسلمين أن يلزموا الصف وأن يكتفوا برمي السهام حتي يلتحم بهم المشركون أولا فتبادل الفريقان رمي السهام وسقط أول شهيد من المسلمين وهو مهجع مولى عمر ابن الخطاب رضي الله عنهما.

بعد ذلك اندفع الجيشان للقتال، وأمر الرسول صلى الله عليه وسلم المسلمين بالثبات في الصفوف ورمي السهام حتى يقترب المشركون. وسقط أول شهيد من المسلمين وهو مهجع مولى عمر بن الخطاب رضي الله عنهما.

وكان الرسول صلى الله عليه وسلم في العريش يدعو الله بشدة قائلا: "اللهم إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد في الأرض". ومن شدة الدعاء سقط رداؤه عن كتفيه، بينما كان أبو بكر يطمئنه.

نزول الملائكة وهجوم المسلمين

وغفى رسول الله في العريش واستفاق يبشر أبو بكر رضي الله عنه بنزول الملائكة للقتال مع المسلمين، ليخرج رسول الله ويحمل ترابا ويقذفه في وجوه المشركين قائلا: "شاهت الوجوه" فأصاب الغبار عيون وأنوف جميع جنود قريش، ثم حرض رسول الله الصحابة بقوله: "والذي نفسي بيده لا يقاتلهم رجل فيُقتل صابرا محتسبا مقبلا غير مدبر إلا أدخله الله الجنة".

سمع الصحابي عمير ابن الحُمام قولة رسول الله، فألقى تمرات بيده كان يأكلها وقاتل حتى استشهد، وقاتلت الملائكة حيث روي عبد الله ابن عباس رضي الله عنهما عن رجل من بني غفار رآى سحابة وفيها خيل وفرسان، بينما قال أبو داوود المزني إنه كان يلحق بالرجل من قريش فيجد رأسه يطير دون أن يضربه، بينما ذكر أحد الصحابة أنه سمع طرقعة سوط على أحد المشركين انشق وجهه على إثرها دون أن يرى من ضربه.

وأما إبليس وهو على هيئة سراقة، فقد هرب أمام عيون المشركين ليقول أبو جهل للجنود: لا يخذلنكم موقف سراقة، خوفا على سقوط معنويات المشركين.

واشتد القتال حيث انكسر سيف عكاشة ابن محصن رضي الله عنه من قوة المعركة، وقاتل قتادة ابن النعمان حتى انقلعت عيناه فذهب للرسول صلى الله عليه وسلم فمسح عليها فعادت سليمة "إحدى المعجزات النبوية".

وأما الزبير ابن العوام فكان على حصانه، ولقي فارسا مدرعا من قريش لا يظهر منه غير عينيه فضربه بحربة في عينه وقتله.

مقتل فرعون الأمة أبو جهل

وكانت نقطة انهيار قريش بنهاية أبو جهل وذلك حين رآه صبيان من الأنصار، وهما معاذ ابن عمرو ابن الجموح ومعاذ ابن عفراء، وقال كل منهما سمعت أنه يسب رسول الله والله لأقتلنه، وانطلقا كسهمين وقتلا أبو جهل وعادا يبشران الرسول صلى الله عليه وسلم.

هرب جنود قريش عند رؤية مصرع قائد الجيش أبو جهل وعدد من السادة المعروفين، مثل زمعة ابن الأسود، ونوفل ابن خويلد، وطعيمة ابن عدي، والعاص ابن هشام.

وسقط من قريش في يوم بدر 70، وأسر المسلمون 70 آخرين، ورموا بجثث المشركين في بئر القليب، ليقف الرسول صلى الله عليه وسلم عند القليب، وقال: "يا أهل القليب هل وجدتم ما وعد ربكم حقا فإني قد وجدت ما وعدني ربي حقا".

وأصبح يوم بدر يوما مشهودا لانتصار المسلمين وتأييد الله لهم بالملائكة ومشهد لخذلان المشركين ومقتل أغلب سادة قريش، فيهم أبو جهل، وأمية ابن خلف المعروف بتعذيبه للمسلمين، وعقبة ابن معيط، الذي أهان الرسول صلى الله عليه وسلم عند الكعبة.

قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك

بوابة الشروق 2026 - جميع الحقوق محفوظة