يدرك العلماء في مختلف أنحاء العالم الآن بشكل متزايد أن "شخصية" الحيوانات التي يتم نقلها من الأسر إلى الحياة البرية تؤثر على فرص نجاحها واستمراريتها في حياتها الجديدة.
ورغم أن قلة الأموال المخصصة لجهود حماية الأنواع الحية لا تسمح دائما بإجراء اختبارات الشخصية على الحيوانات، فإن فهم شخصية وسلوك الحيوان قد يساعد الخبراء في اختيار العناصر التي تتزايد فرص نجاحها، فضلا عن دعم جهود الحفاظ على الأنواع المهددة بالانقراض.
وقام فريق من الباحثين بجامعة سانت كروز البرازيلية بدراسة مجموعة من الخنازير البرية الصغيرة التي تمت تربيتها في الأسر بغرض إطلاقها في محمية "إيستاسيو فيراسيل" الخاصة في البرازيل، ووجد الباحثون أن أحد هذه الخنازير، واطلقوا عليه اسم "ناروتو" كان يتسم بالخجل والعزلة الاجتماعية في سلوكياته مع أقرانه.
وتقول الباحثة سيلينا نوجويرا المتخصصة في علم الأخلاق بالجامعة في تصريحات للموقع الإلكتروني "ساينس نيوز" المتخصص في الأبحاث العلمية إنه "بمجرد اطلاق الخنازير في المحمية، استمر الخنزير ناروتو في انتهاج سلوكياته غير الاجتماعية وكان يتجول بعيدا عن المجموعة، وخلال اقل من عام عثر عليه مصابا في ساقه جراء هجوم أحد الحيوانات المفترسة على الأرجح ثم فارق الحياة بعد ثلاثة أيام".
ونظرا لأن الخنازير البرية عادة ما تتسم بعلاقات اجتماعية قوية وتتآزر مع بعضها البعض في مواجهة الخصوم، فإن واقعة الخنزير ناروتو تشير إلى أن اختلاف شخصية بعض العناصر قد يقلل من فرص بقائها على قيد الحياة بعد إطلاقها في مواطنها الطبيعية.
وعلى مدار سنين طويلة، ظل الباحثون المعنيون بسلوكيات الحيوان يعتقدون أن الفروق الفردية في الشخصية لها تأثير هامشي في تطور الأنواع المختلفة، وأن نظرية الانتقاء الطبيعي تدفع أبناء كل فصيلة إلى التصرف بشكل متشابه إلى حد كبير، وأنها دائما ما تنتقي أفضل الخيارات بشكل غريزي حسب كل موقف.
ولكن في عام 2004، نشر الباحثان أندرو شي من جامعة كاليفورنيا ديفيس الامريكية وساشا دال من جامعة كامبريدج أوراق بحثية تفند تلك النظريات، وترى أن الاختلافات الفردية في شخصيات الحيوان بعيدا عن الأنماط المتكررة تعكس نجاحا في عملية تطور الأنواع. واستندت تلك الدراسات إلى تجارب اجريت على ثدييات وطيور وزواحف، وخلصت إلى أن التطور يقود إلى اختلافات سلوكية مستمرة بين ابناء نفس الفصيلة، وهو ما يؤدي بدوره إلى تكون "الشخصية" لدى الحيوان.
وفي عام 2020، قام الباحث دانيال بلومشتاين من جامعة كاليفوريا لوس أنجليس بدراسة حالات 293 حيوانا تم إطلاقها من الأسر إلى الحياة البرية، ولاحظ أنه تم رصد مشكلات سلوكية لدى أكثر من 27% من هذه الحيوانات، وكانت أكثر هذه المشكلات شيوعا تتعلق بالحركة أو الانتقال إلى أماكن ليس من المستهدف أن تعيش فيها أو تتواجد بها.
وخلال إحدى التجارب، قام الباحثون بتوطين 12 ضفدعا مهددة بالانقراض من فصيلة هاميلتون على بعد 50 مترا من موطنها الأصلي، ولكنهم وجدوا أن بعض هذه الضفادع تحاول العودة إلى مواطنها الأصلية، وهي مشكلة شائعة في حالات إطلاق الزواحف والبرمائيات في البرية. ومن بين المشكلات السلوكية الأخرى مشكلات تتعلق بالتزاوج والبحث عن الغذاء فضلا عن سلوكيات ترتبط بشخصية الحيوان نفسه في بعض الأحيان. ويقول بلومشتاين في تصريحات لموقع "ساينس نيوز" إن "التفرد هو أحد المجالات التي يبحثها الخبراء في مجال حماية الأنواع الحية، ومن الممكن أن ينطوي هذا العامل على أهمية في بعض الحالات".
وقد أثبتت دراسة أجريت عام 2023 أن "الشجاعة" تعتبر من الصفات الشخصية التي تؤثر على فرص بقاء بعض الحيوانات بعد إطلاقها في الحياة البرية، حيث تم إطلاق فصيلتين من الثعالب هما الثعلب الأحمر وثعلب جزيرة سانتا كاتالينا في البرية بولاية مونتانا الأمريكية، وتلاحظ أن خمسة من بين 16 ثعلبا تم إطلاقها ومتابعتها نفقت، ويقول الباحثون إن الثعالب التي نفقت كانت هي الأكثر شجاعة بين المجموعة وكانت تعرض نفسها لمخاطر ما أدى إلى سقوطها بين براثن أعدائها الطبيعية. أما في حالات زلاحف بلاندينج والدببة التسمانية، فقد تلاحظ على العكس أن العناصر الشجاعة التي تقدم على المغامرات تتزايد فرص بقائها على قيد الحياة.
وعند إجراء دراسات مماثلة على فصيلة من الطيور هي الببغاوات ذات العرف الأزرق، تبين أن العناصر الخجولة عاشت أربعين يوما أطول في المتوسط مقارنة بأقرانها الأكثر شجاعة.
وفي دراسة أجريت على قرود التمارين، يقول الباحث كارلوس رويز ميراندا من جامعة شمال ريو دي جانيرو في البرازيل إن فريقه البحثي قام ببناء جسور تربط بين مساحة من الغابات الشجرية ومساحة مفتوحة كانت مخصصة لمد أنابيب للغاز الطبيعي، ووجد الباحثون أن معظم القرود كانت تتعامل بحذر مع تلك المساحة المفتوحة خشية تعرضها لهجمات الضواري دون أن يكون لديها مجال للهرب أعلى الأشجار، ولكنهم لاحظوا أيضا أن بعض القرود كانت تتحلى بالجرأة وكانت تعبر هذه الجسور وتتجول بثبات في تلك الأماكن المفتوحة.
ويقول الباحث ميراندا "نعتقد أن تلك الجسور كانت بمثابة فلتر أو مرشح للشخصيات"، ففي حين أن الجسور تسمح للقرود بالتحرك بحرية أكبر، فإنها تساعد أيضا في تمييز العناصر التي تتحلى بالإقدام بين أفراد الجماعة".
ويؤكد العلماء أن مجال دراسة شخصية الحيوان قد نضج وأصبح من المباحث المهمة في علوم التطور وعلم البيئة المجتمعي، فالسلوك الذي تعبر عنه الشخصية، يعتبر عنصرا رئيسيا لتعزيز فرص نجاح جهود الحفاظ على الأنواع الحية، ولا شك أن المتخصصين في هذا المجال يهتمون بدراسة أي سلوك يؤثر على قدرة الحيوان على الاستمرار والتزاوج ورعاية الصغار والانتقال من مكان لآخر وتجنب المخاطر.