مهرجان توت توت.. لبنى الحسيني لـ الشروق: الحكي بوابة الطفل للقراءة ويمنح القصص حياة جديدة

تصوير: إسلام صفوت
تصوير: إسلام صفوت
نشر في: الخميس 5 نوفمبر 2026 - 12:15 م
آخر تحديث: الخميس 5 نوفمبر 2026 - 12:55 م
شيماء شناوي

• لا أستطيع تقديم قيمة لا أؤمن بها وأمارسها


قالت الحكّاءة لبنى الحسيني إن الحكي يمنح القصص حياة جديدة، ويفتح أمام الأطفال بابًا إلى القراءة، مؤكدة أن نجاح جلسات الحكي يتجسد في تفاعل الطفل ورغبته في البحث عن الكتاب وقراءته بعد الاستماع إلى حكايته، وفي قدرته على الاستمتاع بالأنشطة والتواصل مع الآخرين بعيدًا عن الهاتف المحمول.

وأضافت الحسيني، في تصريحات خاصة لـ"الشروق" على هامش مشاركتها في مهرجان «توت توت»، أن تقديم الحكايات للأطفال يرتبط بفهم أعمارهم ومشاعرهم وحالتهم وقت اللقاء، مشيرة إلى أن الحكاية تستطيع أن تساعدهم على فهم أنفسهم ومراجعة سلوكهم دون محاضرات أو توجيه مباشر، وأن أثرها يمتد إلى الحكّاء نفسه، الذي يحتاج إلى الإيمان بالقيم التي يقدمها ومحاولة ممارستها في حياته.

● من التدريس إلى «حواديت ليلى»

 

وعن بدايتها في فن الحكي، أوضحت الحسيني أنها من دمياط، وعملت في تدريس الأطفال، ثم عملت في الجامعة، قبل أن تقرر الاتجاه إلى الحكي للأطفال، لتبدأ عام 2019 تقديم بودكاست «حواديت ليلى» عبر منصة غير هادفة للربح.

وأضافت أنها كانت تسافر أسبوعيًا من دمياط إلى مدينة السادس من أكتوبر لتسجيل الحكايات، ثم تعود إلى مدينتها، مدفوعة بسعادتها بالتجربة ورغبتها في مواصلة تقديم القصص للصغار.

وأشارت إلى أن علاقتها بالحكي بدأت منذ عملها بالتدريس، إذ كانت تستخدم الحكايات لتوصيل الأفكار والمعلومات إلى الأطفال وتبسيط ما تريد شرحه لهم، قبل أن يتحول هذا الاهتمام إلى مسار أوسع في حياتها.

وتابعت أن تعرفها على الحكواتي هيثم شكري، صاحب مبادرة «الحكواتي»، أتاح لها الاقتراب من تجارب أخرى في المجال، وبدأت دوائر العمل تتسع وتتقاطع، بالتزامن مع تعاونها مع مكتبة مصر العامة في دمياط.

وأوضحت أن المكتبة ساعدتها على الوصول إلى المدارس وتيسير الإجراءات والتصاريح اللازمة لتنظيم أنشطة الحكي، كما شاركت من خلالها في جولات المكتبة المتنقلة، التي شملت دور رعاية ودورًا للمسنين، لتقدم الحكايات إلى جمهور من أعمار مختلفة.

وقالت إن تلك اللقاءات أكدت لها أن الاستمتاع بالحكاية لا يقتصر على الصغار؛ فالكبار أيضًا يتوقفون للإنصات إليها ويتفاعلون معها، مضيفة أن الحكي قادر على جمع أجيال مختلفة حول القصة نفسها.

الطفل هو معيار النجاح

 

واستعادت الحسيني بداية مشاركتها في مهرجان «توت توت» العام الماضي، عندما تواصل معها الناشر خالد عبد الحميد، مؤسس دار مرحبا وأحد المؤسسين لمهرجان توت توت. ودعاها إلى المشاركة على مدار أيامه الأربعة، موضحة أنها ذهبت دون توقعات مسبقة، لكنها خرجت بتجربة وصفتها بأنها من أجمل ما عاشته.

وأضافت أن أكثر ما يعنيها في هذه اللقاءات هو الطفل الجالس أمامها: تعبيرات وجهه، ومدى اندماجه، وما يقوله بعد انتهاء يومه، مشيرة إلى أن كلمات الإشادة من الكبار لا تعادل بالنسبة إليها أن يخبرها طفل بأنه قضى أجمل يوم في حياته.

وتابعت أن من أبرز ما سمعه المشاركون من الأطفال قول أحدهم إنه، للمرة الأولى منذ فترة طويلة، لم يمسك هاتفه المحمول طوال اليوم، ولم يتذكره أصلًا، بسبب اندماجه في الورش والأنشطة المتتابعة، معتبرة أن هذه الاستجابة تمثل معيارًا حقيقيًا للنجاح.

وأوضحت أن تنوع الأنشطة يمنح الطفل فرصة الانتقال من تجربة إلى أخرى، فيستمع إلى الحكاية، ثم يشارك في ورشة لخيال الظل أو الألوان، ويخوض أنشطة وألعابًا مختلفة، بما يجعل يومه ممتلئًا بالمشاركة والاكتشاف.

الحكي يمنح القصة حياة جديدة

 

وعن العلاقة بين الحكي والقراءة، قالت الحسيني إن «الحكي يحيي القصة»، موضحة أن الاستماع إلى حكاية قد يكون الخطوة الأولى التي تدفع الطفل إلى البحث عن الكتاب وقراءته بنفسه.

وأضافت أن بعض الأطفال سألوها، عقب إحدى الجلسات، عن اسم القصة التي قدمتها لهم، ثم خرجوا للبحث عنها واقتنائها، وهو ما ترى فيه أثرًا مباشرًا للحكي في تشجيع القراءة؛ إذ يثير فضول الطفل تجاه الكتاب ويمنحه دافعًا إلى الاقتراب منه.

وأشارت إلى أنها تقدم خلال المهرجان حكايات من إصدارات دار الشروق، موضحة أن تقديم القصص المنشورة يرتبط كذلك بمراعاة حقوق نشرها والحصول على الإذن اللازم من أصحاب الحقوق.

وأكدت أن اختيار الكتاب وتقديمه شفهيًا مسؤولية تتجاوز الأداء، لأن الحكّاء يسعى إلى نقل روح القصة وإثارة اهتمام الأطفال بها، مع احترام حقوق أصحابها.

صوت الأبوين جزء من الحكاية

وتحدثت الحسيني عن أهمية أن يحكي الآباء والأمهات لأطفالهم بأصواتهم، موضحة أن القيمة العاطفية لهذه اللحظات ترتبط بالصوت والمشاعر والوقت الذي يمنحه الأب أو الأم للطفل.

وأضافت أنها ما زالت تتذكر الحكايات التي كان يرويها لها والداها، وما كانت تمنحه لها من إحساس بالاكتفاء والارتباط بهما، مشيرة إلى أن الطفل قد يطلب سماع القصة نفسها يومًا بعد يوم دون أن يشعر بالملل.

وأوضحت أن تكرار الحكاية لا ينتقص من متعتها لدى الصغار بالضرورة؛ لأن الطفل يستمتع أيضًا بطريقة روايتها، وبالمشاعر التي يحملها صوت من يحكيها، خصوصًا عندما تصبح الحكاية آخر ما يستمع إليه في نهاية يومه.

وقالت إنها تشجع الأمهات على الاستماع إلى الحكايات ثم إعادة روايتها لأطفالهن بأنفسهن، مضيفة: «استمعوا أنتم إلى الحكاية، ثم احكوها لهم بأصواتكم»، لأن هذا التواصل يترك أثرًا مختلفًا لدى الطفل.

مهرجان يمنح الأولوية للأطفال

 

وأشارت الحسيني إلى أن ما جذبها إلى «توت توت» هو شعورها بأن الطفل يحتل مركز الاهتمام في تفاصيله، مستعيدة موقفًا من الدورة السابقة، خلال عرض قدمه أطفال مدرسة «تواصل» المجتمعية، التي تقدم أنشطة لتعليم الأطفال بعض الحرف.

وأضافت أن مؤسس المهرجان خالد عبد الحميد أصر، قبل بدء العرض، على دخول الأطفال أولًا وجلوسهم في المقاعد الأمامية، باعتبار أن العرض موجه إليهم، ثم دخول الأطفال الذين يحتاجون إلى مرافقة أسرهم، وإتاحة المقاعد المتبقية للكبار.

وأوضحت أن هذا الموقف عبّر بالنسبة إليها عن معنى أن يكون المهرجان مخصصًا للأطفال بالفعل، وأن تنعكس هذه الفكرة على تنظيمه وأولوياته، وعلى منح الصغار المساحة التي يحتاجون إليها للاستمتاع والمشاركة.

وتابعت أن روح التعاون بين المشاركين تمثل جانبًا أساسيًا من التجربة، فالحكاؤون يحضرون جلسات بعضهم بعضًا، ويساعدون في التصوير والتنظيم وتقديم الدعم عند الحاجة، ويتعلمون من تجارب زملائهم.

الحكّاء مسؤول عن القيم التي يقدمها

 

وقالت الحسيني إن العمل في المجال نفسه قد يخلق تنافسًا بين الحكائين، لكنه لا يمنع التعاون أو مساندة الآخرين، مؤكدة أن الهدف الذي يجمعهم يفرض عليهم ممارسة القيم التي يسعون إلى تقديمها للأطفال.

وأضافت: «لا أستطيع أن أعلّم الأطفال قيمة لا أمارسها»، موضحة أن الحديث عن التعاون والتواضع ومساعدة الآخرين يفقد معناه إذا شعر الطفل بأن من يقدم له هذه الأفكار يتصرف على نحو يناقضها.

وأشارت إلى أن خبرتها في التدريس جعلتها ترى أن التربية تبدأ من الإنسان نفسه، وأن من يريد غرس قيمة في الطفل يحتاج إلى العمل على ترسيخها داخله أولًا، لأن الأطفال يلتقطون المشاعر والتصرفات إلى جانب الكلمات التي يسمعونها.

وتابعت أنها لا تستطيع رواية قصة إلا إذا كانت تؤمن بما تحمله من معنى، وتحاول ممارسة قيمتها باستمرار، مضيفة: «الحكي يهذبني أنا شخصيًا أيضًا»، لأن تقديم الحكايات يدفعها إلى مراجعة نفسها وسلوكها.

كيف تختار الحكاية المناسبة؟

وعن مشاركتها الحالية، أوضحت الحسيني أنها توجد طوال أيام المهرجان الأربعة، من الخميس إلى الأحد، حيث تستقبل الفترة الصباحية زيارات المدارس، بينما يفتح المهرجان أبوابه للجمهور من الرابعة عصرًا.

وأضافت أن التحضير يسبق اللقاء بالأطفال، إذ يجهز كل حكّاء مجموعة قد تتراوح بين 15 و20 قصة، بما يرتبط بها من ألعاب وأنشطة، ثم يختار منها وفقًا لطبيعة المجموعة التي تجلس أمامه.

وأوضحت أن العمر عنصر أساسي في هذا الاختيار، إلى جانب الحالة المزاجية للأطفال ومدى استعدادهم للتفاعل، فبعضهم يأتي متجهمًا أو مترددًا، ويحتاج إلى حكاية تساعده على الاندماج، بينما تستجيب مجموعات أخرى لقصص مختلفة.

وأشارت إلى أن القصة التي تناسب طفلًا أكبر سنًا قد لا تناسب طفلًا أصغر، سواء لصعوبة فهم بعض تفاصيلها أو لاحتمال أن تثير بعض مشاهدها خوفه، وهو ما يجعل اختيار الحكاية جزءًا أساسيًا من مسؤولية الحكّاء.

وأضافت أن الصور والألوان والكوميديا وطريقة عرض الكتاب وفتحه وإغلاقه أثناء الحكي، كلها عناصر يمكن توظيفها لجذب الانتباه وإبقاء الطفل على صلة بما يسمعه ويراه.

احترام الغضب قبل تصحيح السلوك

 

وتطرقت الحسيني إلى إحدى الحكايات التي قدمتها خلال اليوم، موضحة أنها تعتمد على بناء «حكاية داخل حكاية»، بصورة تستلهم أسلوب شهرزاد وتبسطه للأطفال.

وأضافت أن الحكاية تبدأ بطفل غاضب، اضطر إلى البقاء في المنزل بسبب إصابته بكسر، فتحاول ابنة عمه الاقتراب منه وفهم ما يمر به، بدلًا من التعامل مع غضبه باعتباره دليلًا على سوء سلوكه أو شخصيته.

وأوضحت أن الفتاة تدرك أنه متألم ومتضايق، وأن مشاعره تحتاج إلى الاحترام، فتبدأ في تسليته بالحكايات، ثم تستخدم مواقف شخصياتها لتساعده على تأمل تصرفاته وفهم أثرها.

وأشارت إلى أن إحدى الحكايات التي ترويها له تتناول صيادًا ينقذ عفريتًا، ثم يتعرض للأذى منه، بما يتيح للطفل ملاحظة التشابه بين هذا الموقف وطريقته في التعامل مع الطبيب الذي جاء لمساعدته.

وقالت إن أهمية هذا الأسلوب تكمن في تقديم المعنى عبر موقف وحكاية، بدلًا من مواجهة الطفل بقائمة من الأخطاء، موضحة أن التوجيه المباشر قد لا يستقر في ذهنه، بينما تمنحه القصة فرصة لاكتشاف الفكرة بنفسه.

واختتمت الحسيني بالتأكيد على أن الحكاية قد تساعد الأهل على مناقشة موقف مر به الطفل خلال يومه؛ فيختارون قصة تتصل بهذا الموقف ويروونها له في نهايته، بما يتيح له رؤية السلوك من خلال الشخصيات والتفكير فيه، دون أن يشعر بأنه يتلقى محاضرة أو توبيخًا.

تأسس مهرجان «توت توت» لكتب الأطفال بمشاركة «صادكو»، ومكتبة «تنمية»، و«حادي بادي»، و«مرح لكتب الأطفال»، و«سترايبس آند كروز»، ويُقام بدعم من «أطفال الشروق»، برئاسة مدير النشر أميرة أبو المجد والسفارة الفرنسية في مصر، والمعهد الفرنسي بمصر، و«LINK KGB Scholars»، و«أفلام سين»، و«عالية».

قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك

بوابة الشروق 2026 - جميع الحقوق محفوظة