الخميني كما رآه محمد حسنين هيكل.. رصاصة انطلقت من القرن السابع واستقرت في قلب القرن العشرين

نشر في: الأربعاء 3 يونيو 2026 - 10:17 ص
آخر تحديث: الأربعاء 3 يونيو 2026 - 10:17 ص
محمد حسين

تحيي إيران، اليوم 3 يونيو، ذكرى وفاة آية الله الخميني، قائد الثورة الإسلامية ومؤسس الجمهورية الإيرانية، الذي رحل عام 1989 بعد نحو عقد من إسقاط نظام الشاه وإقامة نظام سياسي جديد بصبغة دينية منح رجال الدين نفوذا واسعا في توجيه سياسة البلاد.

ودخلت طهران في صدامات حادة مع الولايات المتحدة التي وصفها بـ"الشيطان الأعظم"، كما خاضت حربا دامية مع العراق استمرت ثماني سنوات.

وبدأ الخميني حياته وريثا لوالده في العلوم الدينية الشيعية، لكنه انخرط بعدها في معارضة نظام الشاه محمد رضا بهلوي، معتبرا أن تقاربه مع الغرب يهدد الهوية الدينية لإيران.

ودخل السجن على خلفية نشاطه السياسي، قبل أن يغادر البلاد متنقلا بين مناف في تركيا والعراق، ليستقر أخيرا في باريس، حيث واصل تحريك أنصاره وشحنهم ضد نظام الشاه عبر المراسلات والخطب المسجلة، لتتصاعد حالة الغضب الشعبي ويغادر الشاه طهران، فيما عاد الخميني إلى البلاد منتصرا ليؤسس الجمهورية الإسلامية التي لا يزال نظامها قائما حتى اليوم، حتى في وقت تواجه فيه إيران حربا واسعة وضع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إسقاط النظام كأول أهدافها.

هيكل.. دراما الثورة الإيرانية

يوثق الكاتب الصحفي محمد حسنين هيكل للثورة الإيرانية وصعود الخميني وتجربته في كتاب صدر عن دار الشروق بعنوان "مدافع آية الله.. قصة إيران والثورة"، تناول أحد فصوله تفاصيل لقاءات جمعته بالخميني وانطباعاته وتحليلاته له.

يقول محمد حسنين هيكل في مقدمة كتابه: "اقتربت من دراما الثورة الإيرانية وهي ما زالت عند فجرها، وكان الأفق ما زال معتما من حولها، ولم يكن الخيط الأبيض قد استبان بعد من الخيط الأسود"، مضيفا أن لقاءه الأول بالخميني في باريس أواخر عام 1978 جعله يشعر بأنه أمام "تجربة فريدة في التاريخ الحديث".

ويمضي هيكل في رسم ملامح الشخصية التي قادت تلك الثورة، فيقول: "الثورة -فوق ذلك- يقودها رجل لا تربطه بالشباب -وهو حافز الثورات عادة- أي صلة.. على العكس، هو رجل جاوز الثمانين، فإذا خطا قدما على الأرض قدم أخرى إلى القبر، وبصرف النظر عن عدد السنين فإن الرجل الذي يقود الثورة -بعد الثمانين- رجل لا علاقة له بزماننا ولا بالأفكار المؤثرة والفاعلة فيه".

ويستدعي هيكل واحدا من أوصافه للخميني، مما كتبه عنه في صحيفة "صنداي تايمز" البريطانية، قال فيها: "إنه يبدو كرصاصة انطلقت من القرن السابع واستقرت في قلب القرن العشرين".

ويضيف أن الخميني بدا له في باريس، شكلا وموضوعا، وكأنه "شخصية من شخصيات الفتنة الكبرى في الإسلام عادت إلى الحياة بمعجزة لتقود معسكر (علي) بعد انتصار الأمويين وبعد مصارع الشهداء من آل البيت"، ثم وجدت نفسها، بعد ثلاثة عشر قرنا من التاريخ، في عالم مختلف تماما تحكمه صراعات الشيوعية والرأسمالية، والسباق نحو امتلاك الأسلحة النووية، والتنافس على السيطرة على الفضاء، وفك أسرار الخلايا (الجينات)، والتحكم في الإلكترونات.

هيكل يصلي خلف الخميني

ويستعيد هيكل تفاصيل لقائه الأول بالخميني في منفاه الفرنسي، قائلا: في اليوم السادس من أكتوبر عام 1977، طار الخميني إلى فرنسا، وتوجه مباشرة إلى بيت صغير بضاحية "نوفل لو شاتو"، التي تبعُد 20 ميلا غربي باريس، والذي أصبح مقر قيادته حتى عودته النهائية إلى إيران، وقد التقيت به لأول مرة في هذا المكان في ديسمبر من نفس العام.

ويصف هيكل الأجواء المحيطة بمقر إقامة الخميني: "كان يوجد خارج الفيلا التي يقيم فيها مكان لوقوف السيارات، أقيم فيه سرادقان، واحد مخصص لعقد المجلس اليومي للمريدين، حيث كان يخطب فيهم آية الله بعد صلاة العشاء، والسرادق الثاني كان يقدم فيه الطعام للمحيطين به".

ويضيف: "وقد وجدت يوم وصولي إلى هناك أناسا جاءوا من مختلف بلاد العالم، طلبة من السوربون، وخريجون من هارفارد وبيركلي وجامعات أمريكية أخرى، وآخرون كثيرون من عائلات شهيرة في المجتمع الإيراني والحياة العامة".

كما يروي هيكل تفاصيل استقباله لدى الدائرة المقربة من الخميني، قائلا: "قابلني على الباب آية الله حسين منتظري، أهم رجل دين بعد الخميني، والمفترض أن يحل محل الخميني إن حدث للأخير أي شيء، وأخذني لأقابل الخميني في الفيلا التي يسكن فيها، وسألني الخميني، بعد أن تحدثنا بعض الوقت، عما إذا كنت أود أن أصلي العشاء، وعندما عبرت عن رغبتي في ذلك أخبر حفيده بأن يصحبني إلى السرادق، وبعد الصلاة بدأ الخميني في مخاطبة مؤيديه".

ويصف هيكل الانطباع الذي تركه صوت الخميني وخطابه في نفوس الحاضرين، قائلا: "بدأ الحديث بنبرة خفيفة، فلم أسمع صوتا هادئا مؤثرا إلى هذا الحد، كان الصوت يبدو وكأنه يداعب آذان سامعيه بموجات رقيقة، ويجعلهم في حالة أقرب إلى النشوة، في البداية قام حسين بترجمة الرسالة إلى العربية من أجلي، لكن بعض الجالسين بالقُرب منا رجونا التزام الهدوء، وعلى أي حال فقد فضلت أن أراقب أثر كلماته على سامعيه أكثر من التعرف على معانيها على وجه الدقة، وكان المشهد غريبا للغاية؛ فهذا هو الإمام بلحيته الطويلة الرمادية وعمامته الشيعية السوداء الموحية بالحزن، وكأنه شخص بُعث لتوه من القرن السابع، ومع هذا، كان كل هؤلاء الناس، ممثلو النخبة الفكرية والاجتماعية في إيران، ينصتون إليه في صمت مطلق، مستغرقين في اهتمام شديد لكل كلمة تنفوه بها شفتاه".

ويكشف هيكل عن أكثر ما لفت انتباهه في شخصية الخميني خلال حديثه معه على انفراد، موضحا: "ولعل من أكثر الأشياء التي لفتت نظري عندما سنحت لي الفرصة لكي أتحدث مع الخميني على انفراد، هي مقدرته على أن يلم بأساسيات أي موقف، حينما رأيته كان قد أصبح متيقنا، منذ ما يقرب من عام، أن الساحة كانت مُعدة للثورة في إيران، لكنه كان يعلم أنه لم تكن هناك القوى السياسية ولا القيادات القادرة داخل إيران على توجيه الثورة، كما أن بقايا الأحزاب السياسية القديمة والتجمعات الجديدة مثل مجاهدي خلق وفدائيي خلق كانت تعيش في حالة حصار مستمر إلى درجة لا تسمح بوضوح الرؤية، كما أن بعضهم توصل إلى حلول وسط مع النظام، وكان الأمر كذلك مع الزعماء الدينيين، لكن الخميني كان لديه يقين راسخ بأن الدين سيكون القوة الدافعة وراء الثورة، وهذا يعني أنه كان الرجل المقدر له".

يعيش جمال عبدالناصر.. أنصار الخميني يجاملون هيكل

وتأتي شهادة أخرى من الكاتب اللبناني أسعد حيدر في كتابه "أيام مع الإمام الخميني وبدايات الثورة" الصادر عن دار الفارابي، إذ يروي تفاصيل زيارة جمعته بمحمد حسنين هيكل والصحفي فؤاد مطر إلى مقر إقامة الخميني في نوفل لوشاتو، ويقول: "جاء محمد حسنين هيكل برفقة فؤاد مطر وأنا إلى نوفل لوشاتو حيث استقبلنا السيد حسن الخميني، دخلنا إلى منزل الإمام الذي يقع تحت الطريق العام.. بعد السلام، جلس الإمام وجلسنا على الأرض كما جرت العادة، وتولى السيد حسن الترجمة".

ويضيف حيدر أن اللقاء، الذي كان من المفترض أن يستمر نصف ساعة فقط، امتد إلى ساعة وثلث الساعة، حيث "استفاض الإمام الخميني في الحديث عن أوضاع إيران قديما وحديثا"، مؤكدا إيمانه بقدرة الثورة على التغيير.

وخلال اللقاء، سأل هيكل الخميني: "ما هو الفرق في رأيكم بين نضال الأمس واليوم؟"، في إشارة إلى تجربة رئيس الوزراء الإيراني الأسبق محمد مصدق.

ويروي حيدر أن الخميني التقط مغزى السؤال سريعا، فأجاب: "إني أعتقد أن الحركة اليوم أعمق بكثير منها أيام المرحوم الدكتور مصدق.. يومذاك كانت الحركة سياسية بحتة، لكنها اليوم يغلب عليها الجانب الديني، ومعنى ذلك أن الإيرانيين يحبون السياسة، لكن الدين هو الذي يحركهم".

وتابع الخميني: "الحركة أيام الدكتور مصدق كانت سياسية بالمعنى الضيق، أما الحركة الحالية فهي حركة شعبية شاملة تستند إلى العقيدة والإيمان، ولذلك فإن قدرتها على الاستمرار أكبر، وقاعدتها أوسع، وتأثيرها أعمق في نفوس الناس.. إن الشعب الإيراني اليوم لا يتحرك بدافع سياسي فقط، وإنما يتحرك بدافع ديني وأخلاقي أيضا، وهذا ما يمنح الحركة قوتها الحقيقية ويجعلها أكثر رسوخا من أي حركة سياسية سابقة".

ويختتم حيدر روايته بمشهد لافت بعد انتهاء اللقاء، إذ يقول: عندما خرجنا، كانت تقف مجموعة من الإيرانيين بينهم صادق قطب زاده، وشيخ معهم لم نتعرف عليه، وعرفت فيما بعد أنه آية الله حسين منتظري.. وعندما شاهدوا هيكل أخذوا يهتفون: "يعيش جمال عبدالناصر"، فابتسم هيكل ومضينا في طريقنا.

قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك

بوابة الشروق 2026 - جميع الحقوق محفوظة