إسرائيل ونتنياهو.. منحنى الخطر الوجودى!

الأحد 27 سبتمبر 2026 - 6:25 م

لم تكن العزلة الإسرائيلية شبه الكاملة فى الجمعية العامة للأمم المتحدة مفاجئة، أو عابرة.

إنها لحظة كاشفة لما قد يؤول إليه مستقبلها.

ربطت دولة الاحتلال منذ تأسيسها وجودها بقضية الأمن قبل وبعد أى شىء آخر.

هذه المرة يطرح سؤال الوجود من زاوية سؤال يطرح نفسه بقوة: إلى أى مدى تستطيع الدولة العبرية أن تواصل الحياة والتماسك الداخلى فى مواجهة موجات متعاقبة من الإدانات الشعبية والرسمية، التى تتسع يوما بعد آخر؟

هل يمكن لدولة ما أن تظل على قيد الوجود، وهى تناهض العالم كله، وتتنكر لكل قيمة إنسانية؟

إننا أمام انكشاف استراتيجى للسردية الإسرائيلية، التى تسوغ بها حربى الإبادة الجماعية والتجويع المنهجى فى قطاع غزة وتغول الاستيطان فى الضفة الغربية تأهبا لضمها بالمخالفة الفاضحة للقانون الدولى.

قبل أن يصل إلى نيويورك زعم رئيس الوزراء الإسرائيلى «بنيامين نتنياهو» أنه جاء ليفند الأكاذيب ويطلع العالم على الحقيقة.

كان ذلك محض وهم.

ربما تصور أنها فرصة سانحة لمخاطبة الداخل الإسرائيلى بخطاب القوة والحرب قبيل انتخابات الكنيست الوشيكة، لكن رهانه بدا مشكوكا فيه.

لم يكن أحد من الوفود الـ(77)، التى انسحبت فى طوابير متعاقبة، حتى بدت القاعة الأممية شبه خالية، فى حاجة إلى أى استماع لمجرم حرب صدرت بحقه مذكرة توقيف من المحكمة الجنائية الدولية ليعرف الحقيقة.. فيما الصور والشهادات الحية تقول كلمتها الدامغة.

حاول أن يبدو متماسكا، وصف الدول المنسحبة بأنها تفتقر إلى الأخلاق، لكنه لم ينجح فى إضفاء أية أخلاقية مدعاة على المجازر الإسرائيلية بحق المدنيين، النساء والأطفال، فى الحروب، التى يخوضها.

بقوة الصور ورسائلها وجد نفسه معزولا ومهانا فى أكبر محفل دولى ومستقبل إسرائيل نفسها محل تساؤل، كما لم يحدث منذ تأسيسها عام (1948).

بالمفارقة فإن السردية الإسرائيلية لتاريخ الدولة أسست نفسها على فكرة الدولة الصغيرة الديمقراطية والحديثة المحاصرة من عالم عربى متخلف ومستبد.

لم تعد تلك السردية مقنعة لأحد فى العالم كله.

ولم تعد جرائم الهولوكوست، التى ارتكبت بحق اليهود فى سنوات الحرب العالمية الثانية، تبرر ما يرتكب الآن من جرائم أبشع بحق العرب والفلسطينيين.

سينما هوليوود تكفلت بإثارة التعاطف مع المظلومية اليهودية، لكنها وظفت لنزع أية مظلومية عن الشعب الفلسطينى، الذى ارتكبت بحقه مجازر دامية ومتصلة.

بقوة دعاية المؤسسين الأوائل، الذين تبنوا خطابا يزعم انتسابه إلى الفكر الاشتراكى توافدت قوافل من الشباب الأوروبى على إسرائيل للحياة والعمل فى الكيبوتسات، أو المزارع المسلحة.

هكذا توافرت قاعدة شعبية للصهيونية بصيغتها العمالية داخل المجتمعات الأوروبية.

الآن أزيحت تماما أية ادعاءات مماثلة، جرى تجريم المستوطنات اليهودية فى الضفة الغربية وأخذت سمتها الحقيقية كأعمال عدوانية وهمجية تنتهك كل قيمة إنسانية، أو أخلاقية.

بتعبير «نتنياهو» فإن «الجيش الإسرائيلى هو الأكثر أخلاقية فى العالم».

لم يعد أحد مستعد أن يصدق هذا الادعاء من مجرم حرب، ولا من حليفه الرئيس الأمريكى «دونالد ترامب»، الذى دعا من فوق منصة الأمم المتحدة إلى التنصل الكامل من محكمة العدل الدولية.

هكذا بكل استخفاف بأى قانون، أو عدل.

لم يكن ذلك مستغربا على رجل لوح مجددا من فوق نفس المنصة بمحو حضارة بلد عريق مثل إيران.

لكنه - بالمفارقة - رفض استقبال «نتنياهو» فى البيت الأبيض، هو أو أيا من أركان إدارته، كما كان معتادا من قبل.

أصبح عبئا ثقيلا قد يكلف الجمهوريين خسارة انتخابات التجديد النصفى لمجلسى الكونجرس، بما يضع قيودا مشددة على صلاحيات «ترامب».

أشارت إلى هذا المعنى وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة «هيلارى كلينتون»، التى نافست «ترامب» على المقعد الرئاسى فى انتخابات (2016): «أنا مؤيدة لإسرائيل، لكن نتنياهو أصبح عبئا عليها».

فى الاستحقاقين الانتخابيين الإسرائيلى والأمريكى المتتاليين يتكشف عمق الأزمة الوجودية، التى تعانيها دولة الاحتلال.

بغض النظر عن أية نتائج انتخابية محتملة، ولكل منها حساب وتداعيات، فإن الوجود الإسرائيلى أصبح بين قوسين كبيرين.

إذا تغيرت موازين القوى فى البنية السياسية الأمريكية، وهذه سوف تأخذ وقتا، فإن قدرة إسرائيل على البقاء سوف تضمحل تماما.

الكلام عن الضم والتوسع وإسرائيل الكبرى، لن يكون له محل من تاريخ.

كان التصفيق المتواصل لفيلم «نازا» التسجيل»، الذى يوثق لجرائم الحرب الإسرائيلية، عند الإعلان عن فوزه بجائزة مهرجان فينسيا رسالة أخرى عن الصورة المأزومة فى صميم وجودها.

طال التصفيق لنحو (25) دقيقة.

كانت تلك أطول فترة تصفيق فى تاريخ ذلك المهرجان متجاوزة فيلم «صوت هند رجب»، الذى يدين وحشية قتل الأطفال المحاصرين بغزة دون أمل فى نجاة.

أهمية فيلم «نازا» أنه ينزع عن الجيش الإسرائيلى أية ادعاءات أخلاقية منسوبة إليه.

باعترافات مسجلة لعسكريين إسرائيليين فإن هناك استباحة ممنهجة للمدنيين بذريعة أن قتلهم لم يكن مقصودا، وأنه جاء عارضا.

إنها منظومة كاملة من جرائم الحرب، كما يؤكد الفيلم الوثائقى الإسرائيلى، وفق شعار «لا ماء ولا أكل ولا وقود».

كان ذلك اعترافا تسجيليا للمخرجين: «يوفال أبراهام» و«راشيل تسور» استدعى اتهامهما بالعمالة والخيانة والإساءة إلى سمعة الجيش والدعوة إلى إسقاط الجنسية عنهما!

الصور والحقائق، لا الادعاءات والأكاذيب، تروى سردية المظلومية الفلسطينية والعربية، وتضع إسرائيل ومستقبلها، عند منحنى الخطر الوجودى.

مقالات اليوم

قد يعجبك أيضا

بوابة الشروق 2026 - جميع الحقوق محفوظة