فى صباح الثامن من يناير، دخلت ثلاث جرافات إسرائيلية نابلس، ترافقها خمس سيارات جيب تابعة لحرس الحدود ومركبة بيضاء تعود إلى الإدارة المدنية. وصلتُ إلى حى التعاون فى جنوب المدينة؛ حيث أطلق عناصر الشرطة المرافقون قنابل الغاز المسيل للدموع فى اتجاه صحفيين وسكان لمنعهم من الاقتراب، وعلى بعد مئات الأمتار، شاهد مرسال خطّاب جرافتين تضربان سقف منزله، وتحطّمان الجدران وتُسقطانها. وفى الوقت نفسه، كانت هناك جرافة ثالثة تهدم منزل عائلة العباد حتى انهار هو الآخر. وفى يوم الثلاثاء الماضى تكرّر المشهد، حين هدمت جرافات إسرائيلية منزل عائلة الصابر فى الحى نفسه، كما تلقّى ما لا يقل عن ثمانية منازل أُخرى أوامر بوقف العمل وأوامر هدم للسبب ذاته: وقوعها فى المنطقة «ج»، وعدم حصولها على تراخيص بناء من السلطات الإسرائيلية، على الرغم من أن الحى ملاصق لأحياء منظّمة فى نابلس وبعيد عن أى مستوطنة أو طريق يؤدى إليها.يتقاطع ارتفاع وتيرة الهدم الإدارى للبناء الفلسطينى مع مسارين بارزين فى الضفة خلال السنوات الأخيرة: تهجير نحو 80 تجمعًا فلسطينيًا بسبب التوسع المتسارع فى إقامة المزارع والبؤر الاستيطانية وما يرافقها من عنف منظم، والتغييرات التى أدخلتها الحكومة على ترتيبات الأراضى فى الضفة. ومن هذه التغييرات: إلغاء الحظر على شراء اليهود بصورة خاصة أراضى فى الضفة، ورفع السرية عن سجل الأراضى وإلغاء إشراف الإدارة المدنية على صفقات الأراضى، واستئناف تسوية الأراضى وتسجيلها حسب الملكية، وتسريع إعلان مزيد من الأراضى الفلسطينية العامة أو تلك التى لا تتضح صلتها الملكية كـ «أراضى دولة». وتؤدى هذه العناصر مجتمعة إلى توفير مزيد من الأراضى «الخالية» من الفلسطينيين.كان يُفترَض بالتقسيم المصطنع الذى أقرّه اتفاق أوسلو، والذى أعاد إلى الفلسطينيين صلاحيات التخطيط والبناء فى 39% فقط من مساحة الضفة الغربية (المناطق «أ» و«ب»)، أن ينتهى سنة 1999، ومنذ تلك السنة، كان من المفترَض أن تمتد صلاحيات السلطة الفلسطينية إلى معظم الضفة الغربية (باستثناء المساحات المبنية فى المستوطنات القائمة ــ وفق تفسير المفاوضين الفلسطينيين ــ والمعسكرات العسكرية).لكن إسرائيل جمّدت منذ ذلك الحين بصورة أحادية الجانب عملية «نقل الصلاحيات» والمساحة التى تستطيع السلطة الفلسطينية تطويرها لمصلحة شعبها. ولذلك، فإن كل مبنى فلسطينى جديد، أو عمود كهرباء، أو أنبوب مياه يقع ضمن 61% من الضفة المصنَّفة منطقة «ج» يحتاج إلى ترخيص من الإدارة المدنية، وهو ترخيص لا يُمنح. • • •إن التغييرات البنيوية فى الإجراءات المتبَعة وموجة هدم المنازل ستسهّل على الدولة وعلى أفراد الاستيلاء على مزيد من الأراضى، بالإضافة إلى أساليب أثبتت نجاعتها سابقًا: العنف والطرد المباشر، وإعلان مناطق إطلاق نار، ومصادرات لأغراض أمنية، ومحميات طبيعية، ومنع الوصول إلى منطقة التماس، وإقامة مناطق أمنية حول المستوطنات وغيرها. ومع القرار الصادر الأسبوع الماضى بتسريع إعلان أراضى دولة، يُتوقع أن تكثّف إسرائيل استخدام تفسيرها للقانون العثمانى، الذى يتيح لها إعلان أراضٍ غير مزروعة كأراضٍ مخصصة لليهود، على الرغم من أن سبب عدم زراعتها هو منع أصحابها من الوصول إليها.كما أن الضائقة الاقتصادية فى الضفة قد تدفع فلسطينيين إلى بيع أراضٍ إلى يهود، وهذه الضائقة ناجمة مباشرة عن قرارات حكومية: وقف العمل داخل إسرائيل ومصادرة نحو 70% من إيرادات السلطة من الجمارك والضرائب. وحتى لو أقدم بضع عشرات فقط على ذلك، ولو كانت القطع صغيرة جدًا، فإن كل قطعة ستتيح توسيع السيطرة الإسرائيلية.على مدى أعوام، طالبت جمعيات استيطانية، وفى مقدمتها «رغافيم»، للحفاظ على «أرض الوطن»، بتنفيذ التغييرات التى أقرتها الحكومة، وبموازاة ذلك تعزيز «الإنفاذ والسيادة» وهدم المبانى الفلسطينية فى المنطقة «ج». ويزعم تقرير صادر عن «رغافيم» الشهر الماضى أن تشديد الإنفاذ ساهم فعلاً فى تراجع البناء الفلسطينى من دون ترخيص. وتدّعى هذه الجمعيات أن الأمر يتعلق بمؤامرة فلسطينية للاستيلاء المنظم على أراضٍ، على الرغم من أنها أرض فلسطينية أصلاً ووفق القانون الدولى. غير أن ما يُعرض كمخطط خبيث هو فى الغالب نتيجة انعدام البدائل.وهذا حالة مرسال خطّاب، البالغ نحو 65 عاما؛ إذ عاش طوال حياته مع عائلته فى شقة مستأجرة فى نابلس. ومدخراته من عمله كفنى أسنان، ثم صاحب محل زهور، لم تكفِ لشراء شقق له ولأبنائه. وفى مطلع العقد الماضى، اشترى خطاب قطعة أرض من أحد سكان قرية عراق بورين، على الأطراف الجنوبية لمنطقة جنوب غربى المدينة، تُعرف باسم «نابلس الجديدة».• • •إن ترسيخ المنطقة «ج» كمنطقة محظورة على التطوير الفلسطينى رفع أسعار الأراضى داخل المدن التى تُصنَّف معظمها منطقة «أ»، وفى القرى التى تنقسم أراضيها بين «ب» و«ج». وكثيرون، كعائلة خطاب، قرروا المجازفة والبناء فى المنطقة «ج»، على أمل ألاَّ تصل يد الإدارة المدنية إلى أماكن بعيدة عن أى مستوطنة إسرائيلية أو طريق يستخدمه المستوطنون، وتقع على بعد دقائق من أحياء معروفة. يقول خطاب قرب ركام منزله: «بنينا بيتنا شيئا فشيئا. شقة لى ولزوجتى، وأُخرى لابنى الأكبر وأحفادنا، وثالثة قيد الإنشاء لابنه الذى خُطب». ولم ينتقلوا إلى السكن فيه إلاَّ قبل عامين.وهذا ما ظنّه بعض سكان كَفّين شمالى طولكرم؛ فعند تقاطع طريقين بين قريتين، وعلى مساحة نحو خمسة دونمات، بنوا محطة وقود ومصنع خرسانة وكشكًا. نُقلت المحطة سنة 2018 من داخل القرية، وبنى شاب الكشك بعد اندلاع الحرب، وفى مطلع الشهر، علّق جنود أوامر بوقف العمل بسبب عدم الترخيص. ويقول صاحب الكشك: «إلى أين نذهب؟ ومن أين نعتاش؟ فقدتُ عملى فى مطعم داخل إسرائيل مع اندلاع الحرب، وهناك أقارب آخرون كانوا يعملون هناك أصبحوا عاطلين، وأراضينا الزراعية تقع وراء الجدار، ولا يُسمح لنا بالوصول إليها وزراعتها. الأرض هنا لنا. ما الذى يزعج فى أن نكسب رزقنا من الكشك المقام عليها؟».أصحاب المبانى فى الموقع يدرسون ما إذا كانوا سيخوضون مسارًا بيروقراطيًا وقضائيًا لتقديم اعتراضات على أوامر وقف العمل التى ستعقبها أوامر الهدم، وقد فعلت عائلة خطاب، وفشلت. ولم يأخذ المجلس الأعلى للتخطيط فى الإدارة المدنية، ولا قاضى المحكمة المركزية فى القدس، أبراهام روبين، فى الاعتبار العبث المتمثل فى عدم السماح لبلدية نابلس بتوسيع نطاق صلاحياتها التخطيطية منذ 30 عامًا.لقد مُنحت عائلة خطاب مهلة شهر لإخراج محتويات المنزل، ويقول خطاب بعد أقل من شهر على الهدم: «استأجرنا شقة صغيرة، لا تتسع لكل ما أخرجناه من البيت الجديد. هناك أشياء كثيرة ما زالت داخل الصناديق». وقد ترك وراءه أحواض مياه وخزان ماء مكسور وألواح خشب، وبقيت متناثرة فى المكان، وحتى القطط الـ 14 التى كان يطعمها تركها خلفه، واقترب بعضها يحتك بساقيه حين صعد إلى كومة الخرسانة المحطمة التى كانت يومًا منزله. كانت تلك المرة الأولى التى ينكسر فيها صوته وهو يستعيد يوم الهدم وما سبقه.يصعب على خطاب فهم لماذا لم توقف السلطات بناء منزله فور بدايته سنة 2014، ويقول: «لماذا انتظروا حتى نستثمر كل مدخراتنا وأكثر؟ لماذا انتظروا حتى سنة 2021، حين تلقينا أول أمر بوقف العمل؟» ويرجَّح أن الأمر صدر حين بدأ بناء مبانٍ فى مستوطنة «هار براخا»، الموجودة أيضا فى المنطقة «ج». وتقع المستوطنة على السفح الجنوبى لجبل جرزيم، وعلى مسافة جوية تَبْعُدُ نحو كيلومترين من منزل خطاب المهدوم، بينما يزيد الوادى الفسيح بينهما المسافة الفعلية.وفى تقديره، يشير خطاب إلى سلوك الإدارة المدنية الخاضعة لوزير المالية بتسلئيل سموتريتش، أحد مؤسسى «رغافيم»: فهى مستعدة لإرسال جرافاتها عميقا داخل منطقة حضرية لتنفيذ خطته القائمة على التوسع المتواصل للتجمعات اليهودية، بينما يُترك للفلسطينيين الاكتفاء بستة جيوب مكتظة إلى أقصى حد، على نحو 18% فقط من مساحة الضفة الغربية.
مقالات اليوم حسن المستكاوي الدورى المصرى رقم 15 عالميا.. كيف؟ عماد الدين حسين دلالات الاعتداء على فرد الأمن بالتجمع خالد أبو بكر العام الخامس لغزو أوكرانيا وبوتين بلا نصر! سيد محمود باحثة مصرية لا أحد يعرفها فى مصر! سامح فوزي التعميمات الفارغة يحيى عبد الله عفوك يا هرتسوج زينب طه هل فعلًا نقصد ما نقول؟
قد يعجبك أيضا
شارك بتعليقك