«ولا كل مين» صلاح جاهين

الثلاثاء 21 أبريل 2026 - 6:50 م

لم تكن الأمسية التى نظمها قبل يومين بيت الشعر التابع لصندوق التنمية الثقافية إحياءً لذكرى الشاعر الكبير صلاح جاهين حدثًا عابرًا يمكن تجاوزه أو تخطيه، وإنما كانت شهادة أخرى حول قيمة ما لدينا من ثروات إبداعية وفكرية هائلة، فقد احتشد لأجل حضورها جمهور كبير ومتنوع ضم أعمارًا وفئات مختلفة.

لم تُخب الأمسية توقعات من حضر، بل إنها فاقت أى توقع، وذلك بفضل برنامجها المتقن والبسيط، الذى أراد الاحتفال بالشعر وبالشاعر، ولم يشأ إغراق الجمهور فى رطان نقدى يعيد إنتاج ما هو متداول حول صلاح جاهين الذى يمشى شعره بين الناس، الذين انحازوا له وأدركوا ما لديه من كرامات.

أعطى الله صلاح جاهين مواهب من وُسع، وبحساسيته أدرك أن الموهبة هى أوسع أشكال العطاء؛ فأحسن التصرف فى هبة الخالق، واحترقت روحه لأجل إتاحة ما لديه وتركه يجرى أمامنا كنهر عذب. 

فى تاريخنا نكاد لا نعرف أحدًا يماثل جاهين فى تعدد مواهبه، فهو أشبه بمصنع كبير له خطوط إنتاج متنوعة، ولا نجد فى بضاعته شيئًا ناقصًا أو نصًا خائبًا وركيكًا، فالماركة مسجلة و«العينة بينة»، وهذه حكمة أخرى أدركها من تابعوا تلك الأمسية الفريدة، فقد تسابقت سلالة صلاح جاهين ممثلة فى الابن والابنة والحفيد والصهر فى إلقاء القصائد. أبدع الحفيد عمر بهاء جاهين فى تقديم بعض هذه القصائد بأداء تمثيلى وغنائى فريد يتسم بالجدية والطرافة وقوة الحضور، ولاحظ الجمهور كيف تطور أداء سامية وأصبح ساميًا كذلك؛ إذ تحررت كمؤدية من انفعال وحماس البدايات، واكتسبت ثقة أكبر فى التعبير والقدرة على تجسيد المعنى، وساعد اختيارها الموفق للقصائد على إدراك إمكانياتها الجديدة سواء كممثلة أو حكّاءة. أما بهاء جاهين فهو كيان إنسانى يصعب وصفه أو تقدير الدور الذى يؤديه فى حياتنا الثقافية دون صخب أو افتعال، فهو الضمير بألف لام التعريف.

رجل يقف على ضفة النهر مثل راهب ينظر إلى تواضع الطبيعة، وشخصيًا لا أعرف من يلقى الشعر بالطاقة الدرامية التى يحملها صوته القلق المسكون بالعاطفة والاحتراق، وهى مواصفات أعرفها فيه منذ أن استمعت إليه للمرة الأولى عام 1989، وهو يلقى شعره فى أمسية داخل قاعات إيوارات بالجامعة الأمريكية، وإلى جواره أيضًا رفيقاه محمد بهجت وأمين حداد؛ فالأول شاعر ناقد مسرحى يؤدى بما امتلكه وعاشه، والثانى شاعر صار يشبه الشعر. 

 ولكى لا يظن القارئ أن الأمسية كانت سهرة عائلية، فمن الضرورى الإشارة إلى ملمحها الأهم المرتبط بما قُدّم فيها من شهادات، فالشاعر، وأقصد أى شاعر مهما بلغت شهرته وقيمته، فإن جمهوره يحب التعرف على شهادة من عاصروه وارتبطوا به، لذلك جاء حديث الشاعر الكبير أحمد عبدالمعطى حجازى، مؤسس ورئيس بيت الشعر، بمثابة وثيقة ذات قيمة تاريخية رفيعة بالإضافة إلى طابعها الحميم.

ارتبط الشاعران الكبيران بصداقة وطيدة منذ أن تزاملا معًا فى مجلة «صباح الخير» نهاية خمسينيات القرن الماضى، ثم جمعت بينهما جريدة الأهرام وبعد أن رحل جاهين كتب حجازى أكثر من مقال لتجديد ذكراه فى مناسبات مختلفة، لكن أهم ما فى الشهادة التى قدمها خلال الأمسية أنها أعطت أكثر من دليل على حيوية حجازى وحضوره العذب والنادر؛ فقد بدا متسامحًا بل مؤمنًا بشعر العامية وقيمة ما أنجزه رواده الأوائل من عبدالله النديم مرورًا ببيرم التونسى وصولًا إلى فؤاد حداد وصلاح جاهين، وأحسب أن ما بين صلاح عبدالصبور وحجازى يماثل ما بين فؤاد حداد وصلاح جاهين؛ فقد بدأت الريادة بعطاء الاسم الأول، لكنها تحركت واستقرت مع مواصلة عطاء الثانى.

جسدت شهادة الأستاذ حجازى الكثير الذى كنا بحاجة إلى الاستماع إليه وإدراكه، فقد تخلص صاحبها من العنف الذى رافق معركته القديمة حول قصيدة النثر، وبدا حديثه ناصعًا رائقًا وجليًا، كما لم يخلُ أبدًا من لمحات ملهمة حول طريقة جاهين فى ابتكار المعانى واختيار المفردات أو التأمل العميق فى أسئلة الذات والوجود، وهو الأمر الذى انتبه إليه الشاعر الرائد فؤاد حداد فى الوثيقة الأخرى التى وجدها الشاعر الكبير أمين حداد بين أوراق والده، وكانت مقالًا نُشر فى مجلة «صباح الخير» عام 1977 بعد صدور الطبعة الأولى من الدواوين الشعرية الكاملة لصلاح جاهين عن هيئة الكتاب.

تكتسب هذه الشهادة قيمة كبرى لأن المهتمين بتاريخ شعر العامية يعرفون جيدًا أن جاهين تخلى عن كتابة شعر الفصحى فى شبابه بعد أن قرأ أول ديوان نشره فؤاد حداد وكان بعنوان «أحرار وراء القضبان»، بعد هذا الديوان بحث جاهين عن حداد وصار صديقًا له، وتفرغا معًا للتبشير بقصيدة العامية الجديدة، كما بشر صلاح عبدالصبور ومعه حجازى بقصيدة التفعيلة.

حجبت ظروف الاعتقال السياسى شعر فؤاد حداد وغيبته لعدة سنوات، إلى أن خرج وأصر جاهين على تقديمه والاعتراف بريادته، قدمه كأستاذ له، فعندما خرج حداد من المعتقل عام 1964، تنازل جاهين عن مساحته التى ينشر فيها أشعاره ورسومه لفؤاد حداد، قائلًا: «أتنازل عن تلك المساحة اليوم إلى أستاذى رابع شعراء العامية فى مصر، بعد ابن عروس والنديم وبيرم».

استمرت الصداقة ثم توجت بمصاهرة بين الشاعرين، تزوجت أمينة جاهين من أمين حداد الذى أتمنى أن يفكر جديًا فى نشر كتاب يتضمن الكتابات النثرية لفؤاد حداد ومقالاته النادرة، والتى من شأنها أن تضىء الكثير حول شعره وحول شعر جاهين، الذى كتب فى مقدمة «أنغام سبتمبرية» موجّهًا القراء إلى الفارق بينه وبين أستاذه، فكتب: «هو الأشعر وأنا الأشهر».

أما فؤاد حداد فقد كتب فى إحدى مقطوعات المسحراتى: «لا كل مين/كسّر سنونه/وعمل لى نونو/يصدّق جنونه/ويرجع جنين/ولا كل مين/له كلمة صابحة/ فى ربع صفحة/وآراؤه صالحة/صلاح جاهين».

 

مقالات اليوم

قد يعجبك أيضا

بوابة الشروق 2026 - جميع الحقوق محفوظة