لا جديد فى يوليو

الإثنين 20 يوليه 2026 - 6:10 م

مع النسمات النادرة فى شهر يوليو الحار، تتداخل قصص العصور والأجيال.


قصة الكومباوند السكنى الفاخر، وتكاليف سهراته. صورة الفيلا الجديدة الباحثة عن مشترٍ قادر على سداد ثمن لا يعكس قيمتها ولا موقعها، بقدر ما يمثل انتماءً فوريًا للفئة النادرة المحظوظة.


صورة نجمة شابة مع خلفية البحر الذى لا يظهر فى عينيها موجه الأزرق كما غنى العظيم عبد الحليم حافظ. نظارتها الشمسية تعكس شاشة التليفون الذى التقط صورتها على عجل، حتى تتوافر على حسابات التواصل، فلا تفقد هى مساحات الحضور الافتراضية الجديدة، ولا يفتقد الجالسون فى حلقات الثرثرة موضوعًا جديدًا للاستهلاك الموسمى المعتاد.


شهر تمتزج فيه المتناقضات. تنساب ذكريات عصر مضى، وصروح الخيال التى هوت، مع حكايات موسمية عن صيف الساحل الشمالى، ومشاهده، وقصصه، ولقطاته السريعة التى تنقلها منصات التواصل الاجتماعى.
نفس القصص تتكرر كل عام بوجوه مختلفة.


فى جلسة واحدة، يلعن البعض يوليو، وثورته، وما فعلته بالبلاد والعباد، ويمجد البعض الآخر الحدث الكبير الذى حرك القشرة الأرضية فى هذا الجانب من العالم، بحياة من عليه، ثم يتحول الحديث إلى من شوهد مع فلان فى عشاء الأمس، أو ثمن المظهر المناسب على الشاطئ الخاص.


مزيج يوليو كما هو لم يتغير. زعيم لا ينصرف، ولا نسمح نحن له بالانصراف. هو حاضر فى كل حلقات الثرثرة بالتقديس أو اللعنات. فى نفس الجلسة، يتسامر الحاضرون وينتقلون من سيرته إلى سيرة كل ما تلقيه أمامهم شاشة هاتف من حكايات الصيف.
من مكان إلى آخر، يبقى يوليو حارًا بصوره الجديدة، ونقاشاته القديمة. كنت أندهش كثيرًا من هذا المزيج الذى يشبه الزيت والماء. ثورة وبحر. حقيقة ونميمة.


مع بعض التأمل، تلمح مشتركًا بين الاثنين. كلاهما شهد المد والجزر. ارتفع مد الثورة حتى انحسر أمام مد عهود مستجدة، وارتفعت أسهم هذا الشاطئ، ثم تراجعت لحساب شاطئ جديد. الثورة لم تحقق الحرية المنشودة كما يرى منتقدوها، لكنها حققت صعودًا وتمكينًا اجتماعيًا لصالح الأغلب الأعم من الناس كما يؤكد محبوها. وكما تنقل كثيرون بين هذا الجانب ومقابله، تنقل نفس الرواد، وما زاد عليهم قليلًا، من موقع لآخر على خط الساحل الصاخب.


انتقلت الحكايات من شاطئ عايدة الشهير فى المنتزه، إلى سنوات العجمى، قبل الوصول إلى مراقيا، ثم مارينا، ثم مراسى، وستنتقل حتمًا إلى نقاط أخرى على الساحل الطويل، حتى تكاد أن تبلغ خط الحدود الفاصل بين الساحل المصرى والليبى على نفس البحر.


هذا هو عامى الرابع بعيدًا عن كل هذه المواقع والصور. يتسرب لى بعضها عبر الشاشة، أو من زميل صحفى شاب حديث العهد بقصص الصيف. أو أن يقرر صديق لى أن يسألنى، مفترضًا امتلاكى النسخة الأدق من قصة تذمر سكان هذا الشاطئ من القيود المبالغ فيها، أو شكوى الآخرين من فقدان شاطئهم مكانته التى تعودوها.


فصول ومواسم، وقصة واحدة متشابهة، رغم اختلاف الوجوه والأماكن.


اخترت الابتعاد عن كل ذلك. أصبحت أكثر قدرة على تمييز المتحدثين وانتماءاتهم الفكرية أو الاجتماعية، وأكثر بخلًا بالطاقة عن هدرها فيما لا طائل منه.


• • •
لم يبدأ تاريخ أسرتى مع الساحل الشمالى إلا بخروج الأستاذ منير إلى المعاش، فنقل مكافأة نهاية الخدمة مباشرة من حساب المعاش إلى حساب بنك التعمير والإسكان، مقدمًا لثمن شاليه صغير فى آخر الصفوف. قال عند استلامه:


«سأسدد دفعات الأقساط من مقالات المستقبل التى سأكتبها أمام نافذة لا ترى البحر مباشرة، لكنها تحمل لى روحه ورائحته لأيام أحددها أنا، وليس الإيجار».


منعت تقاليد عائلته ميراث الأرض عن والدته، فكان أن فقدت هى وأبناؤها مميزات حياة ملاك الأرض. وعاش الأستاذ منير حياته صحفيًا محصنًا ضد الأطماع التى رآها صغيرة، مهما كبرت، فبقى قلمه له، غير قابل للصرف أو الاستئجار.


أما عائلة أمى، فهى خلاصة الطبقة المتوسطة المصرية التى لا تملك إلا تأهيلًا جامعيًا لحقت به مجانًا، ثم وظيفة تكفى للحياة اللائقة والمصيف السنوى فى مكان مستأجر.


ورغم أن الله رزقنى إمكانية امتلاك أمتار قليلة على هذا الساحل، إلا أننى التزمت دائمًا عادات المصطاف الكلاسيكى القديم. أتجه إلى البحر مبكرًا، وأعود مبكرًا. أشاهد الشاشة التليفزيونية التقليدية التى أنتمى إليها عمرًا ومهنة، أبدأ كتابًا مطبوعًا أو إلكترونيًا، ثم أنام على حديث ما عن التاريخ عبر الإنترنت.


أعلنت لكل الأسرة والأصدقاء أن إجازتى تعنى رفضى القاطع لأى ممارسات تعكس حالة الصراخ الجماعى الموسمى بإعلان القدرة المادية، المستجد منها والقديم.


ثم حدث أن توقف كل ذلك، واخترت بقعة أخرى على ضفاف البحر الأحمر، الذى يمكن احتمال سخونة أجوائه مقابل هدوء مشاهده وصفائها.


• • •
كل ما يجرى فى يوليو قديم، تعودته. أمر واحد حدث منذ أربع سنوات ولم أتعوده بعد. إنه افتقادك فى نفس هذه الأيام التى كنت تحبها، وانصرفت خلالها.


قبلاتى لك ولها مؤجلة حتى إشعار آخر، يا أستاذ منير، يا صاحب البحر والثورة.

مقالات اليوم

قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك

بوابة الشروق 2026 - جميع الحقوق محفوظة