x قد يعجبك أيضا

«عين النمرة».. كتاب عن رحلة ذات مدمَّرة

الثلاثاء 19 مايو 2026 - 7:20 م

 

يعلمنا التاريخ أن الأنواع الأدبية، ومعها الأشكال الفنية، تتغير بفضل المغامرين الذين لا يستسلمون أبدًا للأشكال أو التصنيفات القائمة، ويذهبون بإنتاجهم الفنى إلى مساحة أخرى تتحمل هذا الاختلاف إلى أن يصبح ما أنجزوه مقبولًا، يفتح الطريق لمن يأتى بعدهم ويستكمل مهمة تغيير الذائقة.


وأظن أن كتاب «عين النمرة» للفنانة البصرية هبة خليفة ينتمى إلى نوعية الكتب المغامرة التى ترغب فى تغيير ذائقة القارئ ولفت انتباهه إلى نوعية مختلفة من الكتب لا تخضع لحسابات الترويج.


صدر الكتاب بمنحة إنتاجية من الصندوق العربى للثقافة والفنون، وتم تنفيذه بمنحة من مؤسسة ماجنوم، وتولت دار وزيز توزيعه فى مكتبات القاهرة.


يختلف الكتاب فى أشياء كثيرة، ولعل أولها تصميمه وإخراجه الفنى المختلفان، فهو أقرب إلى ألبوم مصور يتجاور مع نصوص سردية تقارب كتابة اليوميات، وهو أقرب إلى إعادة بناء لمعرض تجهيزى تم تنفيذه بالفعل، من تلك العروض التى تنتمى إلى الفن المعاصر.
يطرح الكتاب سؤالًا معتادًا عن النوعية التى ينتمى إليها وطبيعة المحتوى الذى يتضمنه، لكن القارئ الخبير سرعان ما يتجاوز ذلك، ويستجيب للمغامرة التى تجعله كتابًا يصلح لأداء جميع الأدوار.


لا أعرف عن هبة خليفة سوى أعمالها الفنية كمصورة فوتوغرافية وفنانة بصرية محترفة. تابعت بعض أعمالها، وشاهدت الفيلم الذى أعدته عنها المخرجة الصديقة هالة جلال تحت عنوان «من القاهرة» حول حياتها وعملها وأمومتها التى تشغل حيزًا مهمًا فى نصوص الكتاب.


تنطلق هبة من لحظة العثور على صورة فوتوغرافية تعود لطفولتها، لكنها احتفظت بها ضمن أرشيفها الشخصى، واستعادت معها تواريخ من الألم جعلت من الكتاب أداة لمحو ذاكرة كل ما فيها مثير للخوف والهلع.


تتراوح نصوص الكتاب بين القفز عبر أزمنة مختلفة، وتعمل على مجاورة صور تقفز إلى الذاكرة وتبدو حافلة بتناقضات كثيرة، لكنها تختصر حكاية محكومة بكل أنواع الصراع بين الذات والعالم.


أجمل ما فى كتاب «عين النمرة» أنه مقاوم لكل الوصفات الجاهزة، فالصور والأعمال الفنية التى يتضمنها لا تنتمى إلى الأعمال التقليدية التى اعتاد الناس على رؤيتها وتأويلها، فهى تسعى إلى ما هو أبعد من ذلك، وتراكم صورًا وأخيلة وأشباحًا بقصد بناء ذاكرة مضادة تنطلق من ومضات أو «وخزات» تماثل استجابة الجسد للإبر الصينية التى تدفع كل الحواس إلى الانتباه.


تخيلت، وأنا أقلب صفحات الكتاب مرة تلو الأخرى، أنه أقرب ما يكون إلى عرض مسرحى متكامل ينتمى إلى عروض الميلودراما التى تقوم على أداء ممثل واحد يقف فى مواجهة الجمهور، وخلال زمن مكثف فإن على هذا الممثل تعبئة البحر فى زجاجة، أى التعبير عن تاريخ طويل فى مشاهد قصيرة مكثفة، وهذا ما فعلته هبة خليفة فى تجربة تعيد بناء عالم لم يعد له وجود، كما أن الرحلة التى خاضتها تضمنت الرغبة فى الإفلات والنجاة منه؛ لأنه محاط بأسياج الكراهية وشتى صور العنف الرمزى واللفظى.


قاومت هبة خليفة كل ذلك دون أن تتصالح معه تمامًا، فهى تستعيد عشرات المشاهد الحافلة بنوبات الخوف والهلع والرعب من عار الجسد، وكلها مخاوف حاصرتها تحت ضغط الثقافة المجتمعية السائدة وأنماط التدين الظاهرى وصور التنمر التى اختصرت حضورها ضمن فضاء العائلة والمدرسة فى صفة «أم عين نمرة».


لا حدود للألم فى الكتاب الذى يبدو وكأنه سجل كامل للخيبات، ولا نهاية للخوف فيه، فهو يتمدد ويتخذ أشكالًا كثيرة تتجلى فى مسيرة صاحبته، كأنما لم تطمئن أبدًا، ولم تجد فى الكيان العائلى الذى تنتمى إليه الشعور الطبيعى بالانتماء إلى نسيج، وبالتالى صار تقدمها فى الفن وسيلة للهرب أكثر منها وسيلة للتحقق أو المصالحة مع الذات، وظل هدفها الدائم هو الاختباء، وساعدها الفن على أن تكون غير ميالة للتوافق مع الآخرين، كما جعلتها الصدمات النفسية شديدة الحساسية، لدرجة أنها عاشت حياتها كلها تبتلع مشاهد الغضب والإحساس بالإساءة من الأهل قبل الغرباء العابرين.


ثم جاءت الأمومة، وساعدتها أكثر من أى شىء آخر على ترميم تلك الشروخ وتخطى تجربة اليتم وتجاوز ما تسميه بـ«كره النفس»، ورغم أنها ظلت بعد طلاقها امرأة وحيدة، إلا أنها تهيأت لوحدتها أكثر ووجدت فيها ما يصلح للتدبر.


كتبت هبة خليفة كتابها ربما لاقتلاع الذاكرة الغاضبة أو لتجسيد مقولة جلال الدين الرومى التى تحضر كثيرًا فى الكتاب، وهى أن غايتنا أن نحول السجن إلى حدائق.

مقالات اليوم

قد يعجبك أيضا

بوابة الشروق 2026 - جميع الحقوق محفوظة