x قد يعجبك أيضا

هل نشهد انفراجة فى التوتر بين واشنطن وإيران؟

الإثنين 16 فبراير 2026 - 6:10 م

استبعدت فى مقالى السابق هنا حسم الأمور سريعا، إنما توقعت أن يكون الأسبوع الأول من فبراير ذا أهمية بالغة فى تحديد دفة التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، إما ببدء العمليات العسكرية، وإما بخطوات نحو التراجع عنها، لأن الأوضاع الأمريكية وكذلك الإيرانية لا تسمح بفترة توتر عالية وممتدة.

 


وعرضت أنه يصعب على الولايات المتحدة التراجع كلية عن الأعمال العسكرية دون إنجازات محددة وملموسة، خاصة بعدما نشرت قوات ضخمة وحذرت من نتائج كارثية على إيران، واليمين الأمريكى ومؤيدو إسرائيل يدفعون بالصدام العسكري، علما بأن صميم مؤيدى ترامب الـMAGA لا يرحبون بالانغماس فى عمليات عسكرية دون وجود تهديد مباشر للأمن القومى الأمريكى، مما يؤجل حسم القرار الأمريكى.
انطلق طرحى السابق أيضا من قناعة بأن مصداقية النظام الإيرانى اهتزت كثيرا بعد العمليات الأمريكية والإسرائيلية السابقة والمظاهرات الداخلية الواسعة التى شهدتها البلاد، وأصبح النظام أمام طلبات صعبة وجوهرية من الولايات المتحدة تتعارض مع فلسفة النظام وركائزه، مما شجع بعض المعلقين بالداخل على التشكيك فى قدرة النظام على الاستمرار، وبدأت مناقشة سيناريوهات مختلفة لاستمرار إيران دون المرشد الأعلى، وهى أمور لم يعتد عليها.
وإطالة الانتظار بعد التصعيد العسكرى ليست من سمات الولايات المتحدة وخاصة تحت إدارة ترامب، والصدام يتعارض مع المصالح الإيرانية، لذا تشاورا الأسبوع الماضى، ولعلها وقفة هامة لكل طرف لتقدير مدى إمكانية الخروج من هذه الأزمة دون صدام عسكرى من عدمه.
جاءت الدورة الأولى للمفاوضات غير المباشرة والمباشرة تحت رعاية عمانية رشيدة، بعد تنازلات من الجانبين الإيرانى والأمريكى، حيث تراجعت إيران عن سابق تمسكها برفض استئناف المفاوضات قبل الحصول على ضمانات أمريكية واضحة بعدم الاعتداء عليها على غرار ما تم منذ شهور.
وكانت الولايات المتحدة تتمسك بتغيير كلى فى السياسات الإيرانية الإقليمية والداخلية والعسكرية والنووية، وقبلت بدء المفاوضات بأقل من ذلك بكثير وفى مسقط، وبعدما كانت قد أعلنت انعقادها فى إسطنبول بمشاركة عدد من الدول الإقليمية الأخرى.
إذن كلاهما تراجع جزئيا خشية تحمل مسئولية النتائج الجسيمة لعمليات عسكرية، وردود الفعل والتداعيات قصيرة وطويلة الأجل على مصالحها بالمنطقة، واعتبرت الجولة بداية «بناءة وجيدة».
وجاءت زيارة رئيس وزراء إسرائيل إلى واشنطن، يوم الأربعاء الماضى، فرصة ليثبت نتنياهو مبدأ هامًا تتمسك به إسرائيل فى المنطقة خاصة خلال العامين الماضيين، وهو أن إسرائيل حاضرة ومؤثرة فى أية ترتيبات إقليمية، وانطلق موقفها من أن النظام الإيرانى لا يؤتمن ويجب التمسك بحلول جوهرية وقاطعة، ونقلت إسرائيل إلى ترامب تمسكها بالقضاء الكامل على البرنامج النووى الإيرانى، ورفض التخصيب داخل إيران، وإزالة مخزون اليورانيوم المخصب، وبعدم تجاوز مدى الصواريخ الباليستية ٣٠٠ كيلومتر، فضلا عن القضاء على شبكة العلاقات الإيرانية الشرق أوسطية.
وتزامنا مع ذلك صعدت إيران والولايات المتحدة رسائلها حينما شدد وزير الخارجية الإيرانى أنها تتمسك بحقها فى التخصيب ولن تتنازل عن هذا الحق، حتى إذا كان الثمن التعرض للأعمال العسكرية، وزار المبعوثون الأمريكيون حاملة الطائرات أبراهام لينكولن المتواجدة بالخليج عقب المحادثات مباشرة كرسالة أن الخيار العسكرى لا يزال قائما.
أخذنا خطوة نحو التهدئة، إنما من السابق لأوانه التسرع فى التفاؤل بأننا على مشارف انفراجة وتهدئة، والخروج من الأزمة الحالية، لأن الحلول التى ترضى المواقف المعلنة للولايات المتحدة تتطلب مواقف وتنازلات إيرانية بالغة الصعوبة والحساسية سياسيا وأمنيا، منها التنازل عن الصواريخ الباليستية، وإقليميا بالانكماش فى ساحات الشرق الأوسط بما يتعارض مع المفهوم الإيرانى بتوسيع مساحات النفوذ، وهو ما تراه مخططا إسرائيليا يستهدف كبح جماح وتهديد إيران، وخشية أن التجاوب مع بعض هذه المطالب سيفتح الباب لطلبات عديدة ومتنوعة إلى حين يسقط النظام كلية.
ويلاحظ أن إيران صعدت من نبرة المواجهة الإعلامية والتوتر على أمل تجنب القذف الأمريكى، بالتهديد بأن رد الفعل سيكون واسعا ومتنوعا، على عكس ما قامت به سابقا عندما أعلن الانضباط وبلغ الجانب الأمريكى مسبقا ببعض عملياتها، منها الاستهداف المحدود للقاعدة الأمريكية بقطر.
وبقدر اهتمام الإدارة الأمريكية بالتوصل إلى اتفاق، تجد نفسها مطالبة الآن بتحقيق تنازلات إيرانية واسعة وضخمة وسريعة تجنبا للمراوغات الإيرانية، وبما يتماشى مع حجم التصعيد العسكرى الأمريكى، ولكى يستطيع الرئيس ترامب التفاخر بأنه أنجز أكثر مما سبق أن شمله الاتفاق النووى بين (٥+١) إيران أثناء ولاية الرئيس أوباما، ويعلم جيدا أن تراجعه دون تنازلات إيرانية أو بخطوات أقل مما سبق سيضعف من مصداقيته هو الشخصية والولايات المتحدة عامة، وقد يشجع ذلك دولًا مثل روسيا والصين التصعيد مع الجانب الأمريكى فى قضايا أخرى.
لكل طرف حدوده التفاوضية غير المعلنة، إنما لا أعتقد أن أى من إيران أو الولايات المتحدة قادر الآن على الجزم بسير الأحداث خلال الأيام القادمة -وإن كان من المصلحة أن يقدر كلاهما أن التوتر الحالى سيصعد إلى عمليات عسكرية إذا لم تزرع بذرة الانفراجة سريعا- وهو أمر مشجع ويرجح استمرار المفاوضات بعض الشىء، خاصة ويلاحظ أن لقاء نتنياهو وترامب انتهى دون مؤتمر صحفى مشتر، وهو مؤشر لوجود اختلافات وتفضيل الجانبين عدم تناولها علانية، وسربت أخبار بعد ذلك أن الولايات المتحدة تود استئناف المفاوضات مع إيران فى هذه المرحلة.
وأعتقد أن هذا هو التوجه الحالى، خاصة فى ظل استضافة ترامب لمجلس السلام المعنى أصلا بغزة خلال الـ١٨ أو الـ١٩ من فبراير الحالى، مما سيضع الشرق الأوسط على رأس الأجندة السياسية الأمريكية، وإذا حصل الضرب قبله من الصعب تصور أن يعود الهدوء قبل الاجتماع، وإذا تأجل لما بعده مباشرة سيفسّر ذلك أن الأطراف بلغت بما هو قادم، أو فشلت فى إقناع ترامب بالتراجع، فى حين أن التأخر فى العمل العسكرى يدخل الإعداد للانتخابات الجزئية فى الكونجرس فى الحسابات الأمريكية.
حسابات دقيقة وبعض البوادر الإيجابية لقرارات لم تحسم بعد.

 

 

نقلا عن إندبندنت عربية

مقالات اليوم

قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك

بوابة الشروق 2026 - جميع الحقوق محفوظة