قُبَيل حلول العام الجديد 2026، أجرت الصين مناوراتٍ عسكرية تحاكى للمرة الأولى حصارا كاملا حول تايوان؛ ففى يومى 29 و30 ديسمبر من العام الماضى، نفذت الصين مناورات «مهمة العدالة 2025»، التى شاركت فيها القوات البحرية والجوية وقوات الصواريخ التابعة لجيش التحرير الشعبى الصينى، بالإضافة إلى فروع أخرى، وذلك للتدرب على فرض حصار بحرى كامل على تايوان، وفرض السيطرة الجوية والبحرية، واستهداف الموانئ الرئيسية، وردع القوات الخارجية عن دخول سلسلة الجزر.غطت تدريبات «مهمة العدالة 2025» مساحة أكبر من كافة المناورات الحربية الست الكبرى التى أُجرِيَت حول تايوان منذ عام 2022، فقد شملت أول دخول كبير وواسع النطاق لسفن عسكرية وسفن تابعة لخفر السواحل الصينى إلى المنطقة الحدودية المتاخمة مع تايوان.ووفقا لوزارة الدفاع التايوانية، عَبَرَت 11 سفينة تابعة للبحرية الصينية المنطقة، إلى جانب 8 سفن تابعة لخفر السواحل الصينى وسفن صينية أخرى؛ وهو ما يُظهِر مساعى البحرية الصينية لمزيد من التنسيق العملياتى بين سفنها البحرية المختلفة.كما شهدت التدريبات أيضا مشاركة 89 طائرة حربية، قامت بتنفيذ حوالى 130 طلعة جوية للطائرات الصينية فى منطقة تحديد الدفاع الجوى التايوانية، وأسرابٍ من الطائرات المسيرة، إلى جانب نشر 14 سفينة حربية وما لا يقل عن 15 سفينة تابعة لخفر السواحل وسفن أخرى؛ وهو ما يفسره المحللون العسكريون بأنه محاكاة لحصار بحرى وجوى؛ ولذلك وصفت تايبيه هذه المناورات تحديدا بأنها «تصعيد صينى غير مسبوق تجاه تايوان».• • •على الرغم من الطابع الروتينى لتدريبات «مهمة العدالة 2025»، بالنظر إلى أنها تُعد امتدادا لمناورات مماثلة نفذتها الصين حول تايوان منذ أغسطس 2022، إلا أن هذه المناورات الأحدث تجاوزت خطا أحمر جديدا، لأنها تخطت حاجز الـ 24 ميلا بحريا حول مياه تايوان الإقليمية، بما يعنى أن الصين لم تُخفِ واقعيا أهمية هذه المناورات، والتى تُشكِّل تحديا صريحا للترتيبات القائمة منذ زمن طويل عبر مضيق تايوان، وذلك لتحقيق الأهداف التالية:1 – تقويض الصين أهمية المنطقة المتاخمة لتايوان كحاجز دفاعى: تختبر الصين، مرة أخرى، عنصرا أساسيا من عناصر الوضع الراهن الذى دعم سلاما هشا عبر مضيق تايوان لعقود. هذه المرة، انصب التركيز على المنطقة المتاخمة لتايوان مباشرة، وهى المنطقة العازلة التى تمتد 12 ميلا بحريا حول مياهها الإقليمية.هذا النطاق غير المسبوق لتمارين «مهمة العدالة» يعكس تطورا جديدا أكثر أهمية هو تركيزها المتزايد على المنطقة المتاخمة المحيطة بجزيرة تايوان الرئيسية بهدف تقويضها كمنطقة تشكل حاجزا دفاعيا لتايوان. 2 - تعمُّد الغموض الصينى لإلغاء خط الوسط فى مضيق تايوان: يستتبع الهدف السابق هدف موازٍ هو إرباك القيادة التايوانية بشأن أى أنشطة صينية مستقبلية، حيث يسمح هذا الغموض للصين بإلغاء خط الوسط فى مضيق تايوان فعليا كقيد ذى مغزى على السلوك العسكرى.يعنى ذلك أنه إذا تلاشت هذه المنطقة العازلة تدريجيا، فقد تُفسَّر المناورات العسكرية الصينية التى تُجرَى بالقرب من المياه السيادية لتايوان على أنها هجمات فعلية، مما يزيد من فرص سوء التقدير والتصعيد غير المقصود؛ أو قد تُفسَّر الهجمات الفعلية فى البداية على أنها مناورات، مما يُقلِّل من وقت استجابة تايوان ويُضعفها. 3 - محاكاة سيناريو الحصار وقطع خطوط الملاحة البحرية عن تايوان: يرى المحللون العسكريون أن تدريبات «مهمة العدالة 2025» هدفت إلى محاكاة قَطْع خطوط الملاحة البحرية، وهو ما تستخدمه الصين فى فرض الحصار. والهدف من ذلك قَطْع إمدادات الطاقة عن تايوان، نظرا لاعتمادها الكبير على واردات الغاز الطبيعى المسال ومصادر الطاقة الأخرى، فضلا عن منعها من تلقى المساعدات من القوى الإقليمية الأخرى.ويُلاحَظ أن البيانات الرسمية الصادرة عن الجيش الصينى وحملة الدعاية الصينية المصاحبة لهذه التدريبات، أكدت بوضوح رسالة الصين بأنها تقوم بمحاكاة لسيناريو الحصار؛ حيث أظهرت ملصقات نشرها الجيش سفنا تقطع المياه شمال وجنوب تايوان، بالإضافة إلى موانئها الرئيسية الأربعة، لمنع وصول أى مساعدات خارجية. وفى مقاطع فيديو، ركز الجيش الصينى على نظام إطلاق صواريخ هيمارس وأنظمة الإنذار المبكر التايوانية كأهداف، ونشر الجيش لقطات أيضا يُقال إنها التُقِطَت بطائرات مسيرة تُظهِر ناطحة سحاب تايبيه 101، مشيرا إلى أن عملياته تتم على بُعْد 9 كيلومترات فقط من تايوان، وأن موانئ تايوان الرئيسية الأربعة مُحاصَرَة فعليا.وقد انتقدت الحكومة التايوانية وردَّت على هذه الدعاية والمنشورات الصينية، بأنها تضليل إعلامى وحرب نفسية، بهدف إثناء تايوان عن المقاومة، وأشارت إلى استمرار وصول شحنات الغاز الطبيعى المسال إلى تايوان رغم هذه التدريبات الصينية.• • •السؤال الذى تثيره هذه المناورات الصينية الأخيرة باعتبارها كانت الأقرب لفرض حصار بحرى وجوى على جزيرة تايوان هو: هل تقوم الصين بتلك التدريبات كمقدمة لغزو مسلح للجزيرة أو ضمها بالقوة العسكرية؟هذا السؤال يجد صداه داخل تايوان بقوة بَعْد الإجراءات الأمريكية العسكرية ضد فنزويلا واعتقال رئيسها نيكولاس مادورو، والتى تمَّت عَقِبَ 4 أيام فقط من انتهاء تدريبات «مهمة العدالة 2025».. فهل تشهد تايوان سيناريو مشابها، إذا ما امتلكت الصين مزيدا من الجرأة لشن عمل عسكرى ضد تايوان بسبب هذه السابقة التى أرستها الولايات المتحدة، خاصة فيما يتعلق بسيناريوهات الضربات العسكرية.بالطبع، يميل مخططو الدفاع فى تايبيه وواشنطن والعواصم الحليفة للولايات المتحدة خاصةً طوكيو، إلى تفسير التدريبات الصينية ولغة الخطاب الصادرة من بكين، على أنها تأتى فى سياق صينى متدرج لتصعيد العدوان ضد تايوان، وأن الوظيفة الحقيقية لتدريبات «مهمة العدالة 2025» تبدو وكأنها «بروفات» لغزو مُحتَمَل؛ أى إنها بمثابة عد تنازلى لسيناريو الإنزال والهجوم البرمائى.هذا التفسير يبدو صحيحا ظاهريا بالنظر لإجراءات الصين فى السنوات الثلاثة الأخيرة تحديدا، ولكنه تفسير يشير كذلك إلى أن ثمة حالة استعجال صينى لضم تايوان، بما يُدخِل الغرب وحلفاء واشنطن – بل والعالم - فى حسابات الاستعداد لحرب قد تنشأ وقد لا تنشأ.ولكن قراءة المسألة من وجهة نظر قادة الصين ومن واقع الداخل الصينى، ربما تشير إلى تفسير أو منظور آخر (من دون إغفال الاحتمال السابق أيضا، وإن كانت فرصه أضعف فى المدى القريب جدا)، وهو أن خطاب (لا يمكن إيقاف التوحيد) لا يعنى بالضرورة خوض الصين سباق سرعة قصيرا، بل هو استعداد لماراثون طويل، يقوم على مفهوم صينى كلاسيكى ممزوج بالحتمية التاريخية الماركسية، هو شيشى (Shishi)، ويعنى «اتجاه العصر»، حيث يفصل الرئيس «شى جين بينج» قضية تايوان وفق هذا المفهوم عن الجداول الزمنية العسكرية الصارمة، رغم تصريحاته السابقة بأن عام 2027 سيكون عام توحيد تايوان مع البر الرئيسى.وفق هذا المفهوم من منظور الحكومة الصينية، تعمل الحتمية التاريخية مثل قوة الجاذبية، بما يعنى أنه إذا كانت النتيجة مضمونة بقوانين التاريخ، فلا حاجة لفرضها بالقوة اليوم؛ وأنه يكفى فقط أن ينمو المرء بما يكفى ليترك قوة الجاذبية تقوم بعملها.إن ذلك قد يعنى أن الصين تعتمد منظور الصبر الاستراتيجى، وأنها تَستخدِم التدريبات العسكرية وسياسات الإكراه ضد تايوان كى تعمل قوة الجاذبية وفق أهداف استراتيجية؛ أولا كدرع لمنع الوصول والتدخل الأجنبى، وتحديدا من الولايات المتحدة واليابان، وثانيا لتجميد وضع تايوان الراهن دوليا من خلال الضغط العسكرى واستكمال إحكام الصين سيطرتها على محيطها المباشر.ويبقى فى كل الأحوال، وبغض النظر عن أى من الاحتمالين تفضلهما الصين وفق السياقات الداخلية والدولية، أن تجاوُز التدريبات العسكرية لجيش التحرير الشعبى الصينى الخطوط الحمراء حول تايوان من خلال مساعى إلغاء خط الوسط وتقويض أهمية المنطقة العازلة حول مياه تايوان (ما بين 12 – 24 ميلا بحريا)، يُمثِّل تحولا صينيا دقيقا، ولكنه يبدو ذا عواقب وخيمة، إذ يُقرِّب مسافات الاحتكاك المباشر، ويلغى أهمية المنطقة البحرية المتاخمة لتايوان كحاجز لإدارة المخاطر ومنع التصعيد، ويزيد من مخاطر سوء التقدير والحسابات الخاطئة للأطراف الأخرى، فى ضوء إمكانية تفسيرها لأى مناورات صينية جديدة بأنها قد تُعد غزوا فعليا لتايوان، التى صرَّح قادتها العسكريون أنهم يحتفظون بحق الرد فى حال التوغل الصينى فى المجالين الجوى والبحرى لتايوان، وأنهم يمتلكون بالفعل تدابير مضادة جاهزة لمواجهة الضربات الصينية الاستباقية، وأنهم يراقبون بكل دقة الحرب الروسية فى أوكرانيا، وكذلك العملية العسكرية الأمريكية الأخيرة فى فنزويلا.
مقالات اليوم عماد الدين حسين لم نكن نستحق الفوز على السنغال خالد سيد أحمد ترامب.. و«قميص عثمان»! ليلى إبراهيم شلبي سلامة قلبك عمرو حمزاوي فوضى ما بين الحربين العالميتين وفوضى اليوم محمد زهران بعض المشروعات البحثية.. تبدو كأنها كلام فارغ أسامة غريب كله سلف ودين محمود قاسم شىء فى حياتى بسمة عبد العزيز فى الاختِلاف صحافة عربية فلسفة الحظ
قد يعجبك أيضا
شارك بتعليقك