نظرة على المكاتب الحكومية
الثلاثاء 15 سبتمبر 2026 - 6:19 م
فى حوار مع أحد المتابعين لأحوال الإدارة العامة فى مصر، ذكر لى أن المواطن لا يزال يعانى من مكاتب الخدمات الحكومية، من حيث طول مدة الإجراءات، وتعقيداتها، فضلا عن سوء التعامل معه. بالطبع يصعب التعميم، لأن هناك مكاتب حكومية تطورت، وبات المواطن يحصل على الخدمة التى يطلبها فى يُسر وسلاسة، فضلٍا عن أن المنشآت التى تحوى تلك المكاتب تطورت على صعيد التجهيزات، وتوفير سبل الراحة للمواطنين. ولكن ذلك لا يمنع وجود مكاتب حكومية يعانى المواطن فى أروقتها، ويجد صعوبات فى الحصول على الخدمة، وذلك لأسباب مختلفة، لا يصح اختصارها تحت لافتات مكررة معتادة مثل البيروقراطية، والروتين، والفساد… إلخ.
أولًا: هناك جهات تعانى من قلة عدد الموظفين، مما يضع عبئًا على العدد المحدود منهم، مما يجعل هناك أعدادًا مكدسة من المواطنين تطلب الخدمة، ويزداد الأمر صعوبة فى الجهات الحكومية التى يتطلب الحصول على الخدمات بها استيفاء مستندات عديدة، ومراجعتها، مثل مكاتب الشهر العقارى، وفى هذا الأمر تحديدًا، رغم أن الدولة توسعت فى إنشاء مكاتب للشهر العقارى فى النقابات والأندية، وغيرها، إلا أن العبء يظل متزايدًا على المكاتب الأساسية.
ثانيًا: التوسع فى تقديم الخدمات على الصعيد الرقمى يحقق هدفين: الأول تقديم خدمة سهلة ميسورة، من خلال التعامل مع الآلة، مما يقلل الاحتكاك بالموظفين. والثانى يمتص جانبًا من المتعاملين مع الجهاز الإدارى، مما يجعل الضغط على المكاتب الحكومية أقل، ويوفر فرصة للمترددين على تلك المكاتب فى الحصول على الخدمة بصورة أفضل.
ثالثًا: محدودية، إن لم يكن غياب التقييم والمتابعة بصورة جادة، وليست روتينية لأداء الموظفين فى المكاتب الحكومية. وأقصد بذلك أن يكون هناك قياس رضاء للمستفيدين من تلك الخدمات، والتعرف على الجوانب الإيجابية والسلبية فى أداء المكاتب المنوط بها تقديم الخدمات. فى هذا السياق، فإننى لا أتحدث فى موضوع جديد، أو مبدأ مستحدث، لأن «قياس رضاء المستفيدين» مستقر منذ عقود فى أدبيات الإدارة العامة، ولا يقاس فقط بصندوق الشكاوى، ولكن وفق أساليب وأدوات متعارف عليه، وليس الغرض منه المساءلة والعقاب، بقدر ما هو تطوير العمل، بناء على معرفة واقعية مباشرة.
رابعًا: الموظف فى المكاتب الحكومية لا يحصل على برامج تدريبية حديثة، نظرًا لمحدودية الموارد المتاحة للتدريب والتى عادة تذهب ضحية ترشيد الإنفاق أو إجراءات التقشف، أو وجود بنود أكثر إلحاحًا لإنفاق الموارد فيها. ويؤدى ضعف التدريب إلى استمرار الثقافة الإدارية التقليدية التى لا تتجدد، وتعتمد فى الأساس على ما نطلق عليه التنشئة التنظيمية؛ حيث يأتى الموظف الجديد إلى الماكينة البيروقراطية دون خبرات سابقة فى أغلب الأحوال، وتصبح الثقافة التى تسود جهات العمل فى الغالب هى مورد التعلم الأساسى بالنسبة له، وهى إشكالية حقيقية، لأنه فى أحيان كثيرة يتعلم الشخص ممارسات إدارية سيئة من المحيطين به، وفى أحيان أخرى قد يكتسب قيم إيجابية خاصة إذا كان رؤساؤه فى العمل من الشخصيات التى لها مبادئ وخبرات متميزة فى العمل.
خامسًا: من المهم أن ندرك أن التعامل بين الموظف والمواطن لا يتحمل تبعاته طرف دون آخر؛ حيث إنه فى كثير من الأحيان، وبناء على مشاهدات مباشرة، أن المواطنين يسيئون التعامل مع الموظفين، نظرًا لرغبتهم فى تجاوز القواعد الموضوعة، أو العجلة فى إنهاء الخدمة، أو القفز على الدور المخصص لهم، فضلا عن شيوع أشكال من الوساطات والمجاملات والمحسوبيات التى صارت بمثابة أعراف متبعة، يسعى إليها المواطن، وتمارسها جهات الإدارة العامة بكل أريحية.
إجمالا فتح ملف تعامل الإدارة الحكومية مع الجمهور مسألة مهمة، لأنها أساس تقييم المواطن لأداء الحكومة، ونظرتها لها، رغم أنها ليست جديدة، والمشكلات ليست حديثة، ويكفى أن نعود إلى كتاب «الأداة الحكومية» لمؤلفيه إبراهيم مدكور وميريت غالى فى منتصف القرن العشرين حتى نكتشف كيف أن إشكاليات الإدارة العامة عتيقة، رغم إننى أظن أن تطورًا حقيقيا طرأ عليها فى الفترة الأخيرة.
مقالات اليوم
قد يعجبك أيضا