قبل ربع قرن، لم يتخيل أحدٌ من أبناء مسلمى أمريكا - المُقدر عددهم بما يقرب من 6 ملايين شخص (1.5% من إجمالى السكان) - أن يُعيد يوم 11 سبتمبر 2001 (حين دمر تنظيم القاعدة برجى التجارة العالمية فى نيويورك وجزءا من مبنى البنتاجون خارج واشنطن) تشكيلَ حياتهم السياسية والاجتماعية والأمنية لعقود قادمة. فبين ليلة وضحاها، تحول مسلمو أمريكا من أفراد عاديين يمارسون حياتهم كأى أمريكيين آخرين، إلى موضع شك واتهام جماعى لم يسبق له مثيل فى التاريخ الأمريكى الحديث. واليوم، بعد خمسة وعشرين عاما، تبدو المفارقة صارخة: فالجالية نفسها التى وُضعت تحت المراقبة وشبكة من الشكوك، تقف الآن أمام أكبر فترة صعود سياسى فى تاريخها، والتى جسدتها مؤخرا انتصارات زهران ممدانى وعبدالرحمن السيد.• • •عقب هجمات 11 سبتمبر، وجد المسلمون الأمريكيون أنفسهم فى موقع الدفاع عن دينهم وهويتهم وولائهم. وتأسيس برامج مراقبة استهدفت المساجد والمنظمات الإسلامية، وسُنت قوانين مثل «قانون الوطنية» (Patriot Act)، وأصبح يُنظر إلى أماكن العبادة وتجمعات المسلمين بريبة أمنية. كما خضع عشرات الآلاف من الرجال المسلمين لتسجيل إجبارى بموجب برامج المراقبة الفيدرالية.فى ظل هذا المناخ، أحجم كثير من الشباب المسلم الذى كان يتطلع لدخول حلبة العمل السياسى عن ذلك، خوفا من أن يُستخدم انتماؤهم الدينى سلاحا ضدهم فى أى معركة انتخابية. كما أصبح مجرد التبرع المالى لحملة سياسية بمثابة مخاطرة لم تكن موجودة من قبل، وآمن الكثيرون بأن أى مرشح يُوصف بأنه «قريب من دوائر إسلامية» سيخسر تأييد شريحة واسعة من الناخبين. ونتج عن ذلك أن جيلا كاملا من المسلمين الأمريكيين نشأ وهو يرى المشاركة السياسية خطرا وصداعا يجب تجنبه.هذا الخوف لم يكن مجرد شعور فردى عابر، بل انعكس فعليا فى ندرة المرشحين المسلمين، وفى غياب شبه تام لأصوات مسلمة مسموعة فى أروقة الكونجرس أو المجالس المحلية فى مختلف الولايات طوال العقد الأول بعد الهجمات، حتى بات وجود مسئول منتخب يحمل اسما عربيا أو إسلاميا حدثا استثنائيا.• • •لكن دورة التاريخ لا تتوقف. وعلى مدى العقدين التاليين، عمل مسلمو أمريكا بصمت وبإصرار على إعادة بناء الثقة مع مجتمعهم الأمريكى الأوسع، لا عبر خطابات كبرى بقدر ما كان عبر تراكم طبيعى من الحضور والإسهام. وبرز دور أطباء مسلمين فى مواجهة جائحة كورونا، وزادت أعداد المعلمات المرتديات للحجاب فى الكثير من المدارس الحكومية والخاصة، وحارب الآلاف منهم ضمن القوات المسلحة الأمريكية حول العالم، ورفعت الأمريكية المسلمة «ابتهاج محمد» ميدالية فى أولمبياد ريو عام 2016 وهى ترتدى الحجاب.هذا الحضور، وغيره، تراكم ليفكك تدريجيا الصورة النمطية التى رسختها أحداث سبتمبر فى الوعى الجمعى الأمريكى. ولعب الجيلان الثانى والثالث من المسلمين الأمريكيين - المولودين والمتعلمين بالكامل فى الولايات المتحدة - دورا رئيسيا فى هذا التحول، إذ نشأ هذا الجيل وهو يرى نفسه أمريكيا بامتياز لا يحتاج إلى إثبات ولائه لأحد، خلافا لجيل آبائه المهاجرين الذين حملوا عبء «الوافد الجديد» لعقود.• • •جاءت الحرب على قطاع غزة لتدشن بداية جديدة أعادت تشكيل خريطة المشاركة السياسية للمسلمين وحلفائهم بشكل جذرى وسريع. ودفعت صور الدمار والقتل اليومية، وارتفاع أعداد الضحايا، شريحة واسعة من الشباب الأمريكى - مسلمين وغير مسلمين - إلى الشارع للاحتجاج، ولصناديق الاقتراع للتصويت. وتظهر استطلاعات الرأى تحولا لافتا فى المزاج الأمريكى العام تجاه القضية الفلسطينية، إذ باتت نسبة متزايدة من الأمريكيين، خصوصا من الشباب، أكثر تعاطفا مع معاناة الفلسطينيين مقارنة بالسنوات السابقة.هذا الغضب الأخلاقى الجماعى، الذى تجاوز الحدود الدينية والعرقية، خلق تحالفا انتخابيا غير مسبوق بين الناخبين المسلمين والتقدميين من مختلف الخلفيات. وفى هذا السياق، برزت حالتان لافتتان اختصرتا مسيرة مسلمى أمريكا السياسية خلال ربع قرن:فوز زهران ممدانى بمنصب عمدة مدينة نيويورك، ليصبح أول مسلم يتولى هذا المنصب فى تاريخ المدينة، ونجاح الدكتور عبد الرحمن السيد (عبدول) فى حسم بطاقة الترشح للحزب الديمقراطى لمقعد مجلس الشيوخ عن ولاية ميشيجان، فى مسار قد يجعله أول سيناتور مسلم أمريكى حال فوزه فى الانتخابات العامة فى 3 نوفمبر المقبل. وجدير بالذكر أن الرجلين لم يخفيا انتماءهما الدينى أو مواقفهما من الحرب، بل جعلاهما جزءا رئيسيا من خطابهما السياسى العلنى، فى قطيعة واضحة مع جيل سابق من السياسيين المسلمين ممن فضلوا التزام الحذر الشديد وتجنب الحديث عن الهوية الدينية أو قضايا الشرق الأوسط خوفا من كلفة انتخابية محتملة.• • •لكن هذا الصعود لا يعنى أن المعركة قد حُسمت بأى حال. فبالتوازى مع تصاعد الحضور السياسى للمسلمين، تسجل المنظمات الحقوقية أرقاما قياسية جديدة فى حوادث الإسلاموفوبيا، إذ تجاوزت الشكاوى الموثقة فى العام الماضى وحده نحو 8700 حالة، وهو الرقم الأعلى منذ بدء التوثيق قبل ثلاثة عقود. كما لم يتردد الرئيس دونالد ترامب ونائبه جى دى فانس فى توجيه اتهامات مباشرة للمرشحين المسلمين.هذا النمط من الهجوم السياسى المباشر على الهوية الدينية يكشف أن المسلمين الأمريكيين، رغم كل ما أنجزوه، لا يزالون يُعاملون فى أحيان كثيرة كجالية مطالبة بإثبات براءتها بشكل دائم ومتكرر، لا كمواطنين يمارسون حقا سياسيا طبيعيا مكفولا للجميع.والسؤال الذى يواجه مسلمى أمريكا اليوم ليس ما إذا كانوا سيستمرون فى مسيرتهم السياسية، فهذا أمر قد حُسم بالفعل، بل كيف يوازنون بين الاستفادة من الزخم الانتخابى الراهن من ناحية، وكيف يتعاملون من ناحية أخرى مع موجات الهجوم المرتقبة التى يبدو أنها لن تتوقف قريبا. فالتاريخ يُعلّم أن كل صعود سياسى لأقلية يقابله عادة رد فعل معاكس من قوى ترى فى هذا الصعود تهديدا لمكانتها التقليدية قبل أن تصبح جزءا معترفا به من النسيج الأمريكى. والنجاح الحقيقى لن يُقاس فقط بعدد المقاعد التى يفوز بها المرشحون المسلمون فى هذه الدورة الانتخابية أو تلك، بل بمدى قدرتهم على ترسيخ حضورهم كجزء أصيل لا يتجزأ من النسيج الأمريكى.
مقالات اليوم محمد بصل كلِّنا نِحِب الشجَر إبراهيم العريس المعركة ضد الدولة.. خمسون عامًا من حروب الشرق الأوسط (3 من 3) شروق الحريري العيش بالدَّين.. تأملات فى تزامن التمويل الاستهلاكى واقتراض الحكومات رشا الفوال مقاربة نقدية من منظور سيكولوجي في رواية «اسمها حياة» للكاتب أحمد صبري أبو الفتوح.. من قلق الموت إلى مصالحة الذات من الصحافة الإسرائيلية أين كانت الخيانة؟ الحقيقة كُشِفت ويجب أن تحسم الانتخابات
قد يعجبك أيضا
شارك بتعليقك