200 متر.. عندما تكون السينما المتنفس الأخير للبقاء - خالد محمود - بوابة الشروق
الأربعاء 2 ديسمبر 2020 6:49 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد فرض غرامة فورية على عدم ارتداء الكمامات بوسائل النقل العام؟

200 متر.. عندما تكون السينما المتنفس الأخير للبقاء

نشر فى : السبت 31 أكتوبر 2020 - 9:05 م | آخر تحديث : السبت 31 أكتوبر 2020 - 9:05 م

يبدو أن السينما الفلسطينية أصبحت المتنفس الأخير، والصوت الوحيد والأبرز في معركة الدفاع عن قضية وطن يئس شعبه من محاولات السياسيين البائسة في تقرير مصيره، لكن صناع الأفلام لم ييأسوا، متمسكين بسلاحهم في المقاومة من أجل البقاء كبشر، ولهذا نرى من حين لآخر فيلمًا يشكل صفعة على وجه الإنسانية الصامتة تجاه تمزيق العائلة الكبيرة، وتفكيكها من جذورها، وقد شاهدت فيلم «200 متر» للمخرج الشاب أمين نايفة، على شاشة مهرجان الجونة، والذي فاز بجائزتي سينما من أجل الإنسانية، ولعب بطولته علي سليمان الذي حصل أيضا على جائزة أفضل ممثل.

يتناول الفيلم عبر سيناريو محكم وسلس قضية معقدة، وذلك عبر قصة عائلة فلسطينية فرقها جدار الفصل العنصري الإسرائيلي، حيث صار الأب مصطفى ــ الذي يجسده على سليمان ــ عامل البناء يعيش مع والدته في الجانب الفلسطيني بالضفة الغربية، وخلف الجدار الذي بنته إسرائيل في عام 1994، تعيش زوجته «سلوى» ــ التي تجسد دورتها لانا زريق ــ وأطفاله في الأراضي المحتلة والخاضعة للسلطة الإسرائيلية.

يرفض «مصطفى» الحصول على التصريح الذي يسمح له بالعيش في إسرائيل مع زوجته وأطفاله، معتقدًا أن ذلك يضفي الشرعية على الخط الأخضر، لذلك يفضل استخدام تصريح عمله للعبور، ولكن تتصاعد الأحداث لنرى كيف أن عنصرية الاحتلال تحول دون لم شمل هذه العائلة، وفي أحد الأيام يدخل أحد أبنائه المستشفى، ويحاول الأب الوصول إليه للاطمئنان عليه، ومن ثم يكون عليه أن يجد طريقة لعبور الجدار، لكنه يحتاج للسفر هاربًا في رحلة تمتد لمائتي كيلو متر، بينما هو لا يبعد سوى 200 متر عن ولده.

قيمة الفيلم تكمن في واقعية صورته المميزة خلال رحلة البحث عن حلول، والأداء المبهر لبطله الممثل على سليمان الذي أصر على الذهاب لأسرته والوقوف بجانب ابنه، رغم منعه من عبور الحاجز والوصول إلى الطرف الآخر من الجدار، وكانت انفعالاته مؤثرة للغاية، كما أن مخرجه وكاتبه أمين نايفة استطاع أن يفرض نفسه في أول تجربة له مع الأفلام الطويلة، بعد أن تحمست له المنتجة مي عودة، مبشرًا بميلاد مخرج واعد في المستقبل، له فلسفته منذ تعامله مع الفكرة، ورؤيته في طرحها، واختياره لشخصياته، وكيف رسم كل مشهد بسيناريو واعٍ، ليفرض حالة الارتباك التي أصابت المشاهد طوال رحلة الطريق الصعبة، وهي الواقع الذي يعيشه الفلسطينيون كل يوم ولا يمكن تجاوزه بحسب شهادة المخرج، وهذه هي رسالة الفيلم حيث نقل معاناة الأسر بكل ما تشهده من تقلبات وانفعالات وشخصيات، وظل يعمل على الفيلم لمدة سبع سنوات واعتمد على قصص حقيقية لأسر فلسطينية تعاني من وجود الجدار بما فيها قصة عائلته نفسها.

من الاشياء الملفتة في «200 متر» هو أن هناك فلسطينيون من جميع الأطياف، البطل والمهزوم، الجاني والضحية، الجيد والسيء، حيث قدم نمازج لأولئك الذين يحاولون الاستفادة من بؤس الآخرين وجني الأموال.

كالذين ظهروا في الكادر المجنون يطلبون أموالًا مقابل السماح بعبور الجدار، وربما لا يتعلق الأمر فقط بالمهربين، بل رمزية تتعلق بالصورة الأكبر لما يحدث اليوم.

ترى أيضًا الشخصية اليهودية الصالحة التي قدمها العمل والتي تذوب ضمن مجموعة من يحاولون عبور الجدار وتساعدهم وهي شخصية مخرجة الأفلام الوثائقية الألمانية «آنا أونتربيرجر»، أعتقد أنها ليست لمسة أو نهاية هوليوودية، ولكنها محاولة ذكية ورسالة إلى الإسرائيلين أنفسهم بأن يفعلوا الصواب ويتصرفون كبشر يؤمنون بحق الآخر فى الحياة.

كشف الفيلم الذي رسخ لمبدأ أن الحياة تعكس الفن، وكيف يمكن للواقعية المؤلمة والمستمرة أن تشكل بذرة لصناعة سينما حقيقية كما حدث في «200 متر» الذي يعد من أفضل الأفلام الفلسطينية التي تتحدث عن القضية على مستوى الفكرة وتطوير السيناريو وصورته الاحترافية الجيدة، وكيف أظهر بدون أي افتعال أن الوضع معقد، وأن فلسطين التي شاهدناها دولة أسيرة، فنقاط التفتيش في كل مكان لا يمكنك السفر أو القيام بأى شيء دون موافقة السلطات الإسرائيلية.

خالد محمود كاتب صحفي وناقد سينمائي
التعليقات