حروب البنك المركزى - مدحت نافع - بوابة الشروق
الأحد 11 أبريل 2021 3:00 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد قرار تدريس اللغة الهيروغليفية بالمدارس؟

حروب البنك المركزى

نشر فى : الخميس 31 مارس 2016 - 8:05 ص | آخر تحديث : الخميس 31 مارس 2016 - 8:05 ص

أجد لزاما علىّ أن أضع بعض المقدمات لهذا المقال أزيل بها ما قد يلتبس من رسائل على القارئ الكريم، خاصة هذا المتابع لمداخلاتى الإعلامية فى أعقاب تولى السيد طارق عامر منصب محافظ البنك المركزى. ما زلت أرى قرار استبعاد المحافظ السابق واحدا من أفضل القرارات المتخذة خلال السنوات الخمس الماضية، وما زلت أرى فى المحافظ الحالى جميع المقومات، التى تؤهله أن يحقق الكثير من طموحات الشعب والحكومة معا، وفى هذا المدار رصدت عددا من الملاحظات على أداء محافظ البنك المركزى خلال الأشهر الثلاثة الماضية ــ هى عمر شغله للمنصب ــ أريد أن أستعرضها فى هذه المساحة.

أولاً: تعدد المعارك
تعددت المعارك التى يخوضها محافظ البنك المركزى فى آن واحد، فهو فى معركة مستعرة ضد السوق السوداء للدولار الأمريكى، انتقل منها إلى معركة ضد شركات الصرافة غير الملتزمة، ثم أعلن تقييد مدد شغل منصب رئاسة البنوك بتسع سنوات، ثم أصدر تصريحات متلفزة ضد فئات بعينها اتهمها بالعمل لمصالحها أو لحب الظهور.. ولكى أكون منصفا تعالوا بنا نحلل كل معركة على حده.

السوق السوداء للعملة الصعبة ليست كائنا خرافيا نحاربه باستمرار باعتباره تجسيدا لقوى الشر والطمع المدمرة للاقتصاد! بل هى نبت كريه غرس فى أرض فائض الطلب وندرة المعروض، بعبارة أبسط؛ الحاجة المستمرة للدولار تأتى بسبب تراجع الإنتاج من السلع والخدمات، هذا التراجع يعنى تراجع قدرتنا على إشباع حاجة السوق المحلية، وبالتالى نحتاج إلى العملة الصعبة لشراء احتياجاتنا من الخارج، ناهيك عن عجزنا دون تصدير فائض السلع والخدمات المنتجة محليا إلى الخارج وبالتالى عدم دخول العملة الصعبة إلى مصر فى صورة مشتريات. البنوك لا تستطيع أن توفر الدولار بالسعر الرسمى لأن أحدا لا يريد أن يودع أمواله بالبنك أو بشركات الصرافة وفقا لهذا السعر الذى لا يعكس قوى العرض والطلب، وعليه تنشأ السوق السوداء لتوفير احتياجات المستوردين وغيرهم من متعاملين بالدولار، ومن ثم فالقضاء على السوق السوداء تكمن فى القضاء على أسباب وجود تلك السوق لا بإشعال حرب معها، كانت هذه أولى خطايا محافظ البنك المركزى السابق، والتى أنجر فيها إلى معارك غير متكافئة نتيجة لعدم توافر معلومات كافية عن تلك السوق بينما جميع أوراق البنك المركزى مكشوفة وحجم الاحتياطى الأجنبى مفصح عنه والمعلومات هى أهم أسلحة الحرب الاقتصادية، تورط المحافظ السابق فى إصدار قرارات تقييدية لحركة العملة أضرت بالسوق أكثر مما نفعته، وكان إلغاؤها واحدا من أفضل القرارات، التى اتخذها السيد طارق عامر. الحرب إذن لا تستقيم مع أشباح يتداولون الدولار بعيدا عن رقابة الدولة ولكن مع أسباب وجود تلك الأشباح.

هنا نشأت فكرة متداولة مفادها أن شركات الصرافة هى التى تحض على نشاط السوق السوداء، وتمتنع عن التعامل بالسعر الرسمى مضافا إليه هامشا معقولاً، وعلى الرغم من كون المكاتب الخلفية لبعض شركات الصرافة لاعبا رئيسيا فى السوق السوداء بالفعل، فإن التلويح بغلق مكاتب الصرافة لن يحل الأزمة بل ربما ساهم فى إشعالها نتيجة اختفاء سوق تقع فى منتصف الطريق بين السعر الرسمى وسعر السوق السوداء، بما يعنيه ذلك من تضييق الفجوة بين السعرين ولو بحجم تعاملات قليل. هذا الاختفاء للسوق الوسيط يعنى تحول حصته بصورة آلية إلى السوق السوداء، لأن السعر الرسمى جامد لا يتحرك إلا فى صورة موجات قد تأتى على فترات متباعدة مثلما كانت الموجة الأخيرة لتحريك سعر الصرف تالية لموجة تحريكه عام 2003.

ومن باب الحوكمة وتدوير المناصب بدأت المعركة الثالثة حينما أصدر البنك المركزى قرارا بألا تزيد مدة عمل الرؤساء التنفيذيين للبنوك فى مصر عن تسع سنوات سواء متصلة أو منفصلة، وعلى الرغم من الضجة التى أثيرت حول القرار إلا إنه يظل صحيحا على الأقل من جهة المقصد، فليس مقبولاً أن يحتكر الجهاز المصرفى عدد محدود من القيادات خاصة فى ظل ما اعترف به محافظ البنك المركزى من تراجع نسب الإقراض إلى الودائع بكثير من البنوك وصل أحيانا إلى 15%! وتكاسل البنوك عن الاضطلاع بدورها الأصيل كوسيط بين الوحدات، التى لديها فائض وتلك التى لديها عجز نظرا لتفرغها لإقراض الحكومة بأسعار فائدة مغرية وبدون مخاطر تذكر!

ربما توقيت اتخاذ القرار ليس الأفضل، إذ يفتح جبهة جديدة على المحافظ فى وقت التماس جميع الجهود المصرفية للسيطرة على انفلات الأسعار والدولرة، وكذلك قدرة القيادات المصرفية ستكون عالية للتحايل على القرار، إذ أعتقد أنهم سيتبادلون المقاعد فيما بينهم، والأفضل أن تطبق قواعد الحوكمة بفصل رئاسة البنك عن إدارته التنفيذية، وهو الفصل القائم بين منصبى الرئيس والعضو المنتدب فى القواعد العالمية لحوكمة المؤسسات، مع زيادة عدد الأعضاء المستقلين وغير التنفيذيين فى مجالس إدارات البنوك.

كثرة المعارك العنيفة التى يخوضها المحافظ جعلته يرتاب من وسائل الإعلام، ونوايا الخبراء الناقدين لبعض قراراته، وأهداف المستثمر الأجنبى، ومهارة المستوردين فى جمع الدولار، وحرص العاملين فى الخارج على تحويل أموالهم إلى أسرهم فى مصر.. هذا بعض ما أحصيته من احتقان ملحوظ تجاه عدد من الفئات خلال حديثه الأخير مع الإعلامية لميس الحديدى، وهذا ينقلنا إلى الملاحظة الثانية:

ثانيا: الإفراط فى الظهور الإعلامى
محافظ البنك المركزى يجب أن يُحصَى كَلِمه وأن يكتفى باستعراض أهداف وسياسات وقرارات السياسة النقدية عبر بيانات «مكتوبة» صادرة عن لجنة السياسة النقدية أو مجلس إدارة البنك أو حتى عن المحافظ ذاته، لكن كتابة البيان ومراجعته بواسطة عدد من المعاونين المختصين، يحول دون تحميل تصريحات المحافظ بأكثر مما تحتمل، ويعفيه ويعفى البنك المركزى من الحرج ومن مخاطر تأويل العبارات والإشارات التى تعرض الأسواق لهزات عنيفة، خاصة إذا اختلف الفعل عن القول وهو ما حدث بعد لقاء المحافظ مع الإعلامى إبراهيم عيسى ونفيه القاطع للتعويم قبل صعود الاحتياطى الأجنبى إلى رقم معين ثم اتخاذ قرار يخالف ذلك بعدها بأيام! السيد عامر يؤكد أن ذلك من قبيل المناورة! لكن مخالفة القول العمل لها تعريف واحد وعواقبها سلبية، إذ ما يدرينى أنك فى سائر بياناتك وتصريحاتك لا تناور بهذا الأسلوب؟! الصمت كان أفضل والاقتصاد فى الظهور أحق أن يتبع، وفى هذه النصيحة تنزيه لصاحب المقال من تهمة التصيد بهدف الشهرة التى رمى بها المحافظ الخبراء، إذ لو أردت تصيد أخطائه لناشدته كثرة الكلام، فمن كثر لغطه كثر غلطه. كذلك يؤدى الإفراط فى الظهور إلى فقدان المحافظ خصيصة هامة فى صاحب هذا المنصب وهى شىء من الغموض الذى يلقى فى قلوب المتلاعبين بالأسواق الرعب من اتخاذ المحافظ لتدابير لا قبل لهم بها، أما أحاديث الساعات المتلفزة حتى وإن تخللها عبارة «لن أفصح عن هذا الشىء أو ذاك» تظل كاشفة لأدق تفاصيل شخصية المتحدث.

ثالثا: اهتزاز موقف الحياد
كثرة المعارك وكثرة الظهور الإعلامى يعرضان صاحبهما للتصنيف ويضعانه فى جبهات لا تليق بمنصب محافظ البنك المركزى الذى يفترض فيه الحياد التام، لذا تقبل البعض مقالاً لأحد كبار رجال الأعمال يعاتب فيه المحافظ على تصفية الحسابات وسوء استغلال النفوذ وهو أمر لا أعتقد فى صحته، لكننى لا أملك دفعه بسهولة فى ظل ما سبق شرحه من ملابسات.

ختاما، ما أردت بهذا المقال إلا إطلاق جرس تنبيه لمحافظ البنك المركزى الذى أثق فى استقلالية قراره، وأثق فى حرصه على الاستفادة من مختلف الآراء وأرجو له التوفيق مخلصا.

مدحت نافع خبير الاقتصاد وأستاذ التمويل
التعليقات