حتمية التطرف - إكرام لمعي - بوابة الشروق
الأحد 9 مايو 2021 1:22 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما رأيك بمستوى الدراما الرمضانية حتى الآن؟


حتمية التطرف

نشر فى : السبت 31 يناير 2015 - 8:20 ص | آخر تحديث : السبت 31 يناير 2015 - 8:20 ص

جاء 25 يناير الذكرى الرابعة للثورة، وأتت معه موجات التطرف من قتل وإصابات. وموجات التطرف الدينى فى بلادنا قاربت على القرن من الزمان والذى توالى فيه كل المحاولات الممكنة للقضاء على التطرف من استخدام للأمن، والثقافة والمثقفين بمئات الكتب والمؤتمرات الداخلية والخارجية والندوات والبرامج فى الإعلام ومحاولات تعديل المناهج التعليمية هذا فضلا عن دور المؤسسات الدينية المعتدلة فى تقديم الفكر الوسطى للدين... إلخ، وكان نتيجة كل ذلك أن زاد التطرف وظهرت جماعات أكثر عنفا، فداعش أعنف من القاعدة والقاعدة أعنف من الجهاد... إلخ. ولقد استخدمت كل الدول العربية والإسلامية أقصى ما لديها من إمكانات لتحجيم التطرف بلا جدوى بل ما حدث هو العكس اذ انتشر التطرف كما وكيفا، والسؤال المحورى هنا هو لماذا؟

عندما نضع جانبا الحديث عن الفقر والجهل والاغتراب للمتطرف ونتعمق أكثر فى دراسة الظاهرة سوف نجد أن هناك ثلاثة أسباب أساسية تقف حائلا بيننا وبين القضاء أو حتى إضعاف التطرف.

السبب الأول سياسى استراتيجى والآخر ثقافى تاريخى والأخير دينى فقهى.

السبب الأول: سياسى استراتيجى: احتكار الدولة للدين

إن ما يعوقنا بشكل جذرى عن علاج التطرف والقضاء عليه هو احتكار الدولة للدين على طريقة احتكارها للسلع، فالدولة لها رؤيتها الاستراتيجية فى فهم الدين واستخدامه، لذلك فهى تمنع أية رؤية أخرى من خارجها، أو غير متطابقة مع رؤيتها. فالجريمة هنا لا تختلف كثيرا عن تهريب السلع غير الممنوعة لذاتها مثل السيارات والسجائر والمجوهرات، فهذه السلع ليست محظورة لكن يحظر توريدها إلى البلاد بعيدا عن الجمارك والمنافذ الحكومية المخصصة للاستيراد. من أجل ذلك نجد أن الذين يريدون محاربة التطرف بشكل جاد من متدينين مجتهدين ومثقفين جادين وغير ذلك يجدون أنفسهم مضطرين للتحالف مع الدولة التى من حيث المبدأ لا ترفض الفكر الدينى المتطرف لكنها تحاربه لأنه خارج إطار أو رؤية الدولة شأنه شأن السلع المهربة. لذلك يجد الجادون فى محاربة التطرف أنفسهم فى موقف لا يحسدون عليه لأنهم يجهدون أنفسهم فى اجتهادات دينية تنويرية وأبحاث للتقريب بين الدين والعلم وهم يظنون أنهم بذلك يعمقون السلام والتسامح والتنوير لكن فى النهاية يكتشفون أن المتطرفين أقرب إلى الدولة منهم فالدولة تنظر إلى هؤلاء المثقفين ورجال الدين المستنيرين نظرتها لأناس عملهم الكلام والأبحاث، لذلك تقوم الدولة بتصديرهم للدول الأجنبية فى مؤتمراتهم الدولية ليكونوا واجهة طيبة لها وللسلطة. فهؤلاء المستنيرون لا قاعدة شعبية لهم ولا لهم كذلك قيمة عملية لدى الدولة والسلطة، فهم بمثابة أيقونة توضع بجوار أيقونة المؤسسات الدينية الإسلامية والمسيحية على صدر الدولة مع الدعاية إن هذه المؤسسات تعبر عن الدين المعتدل مع أن الواقع غير ذلك. فعندما تحدث الرئيس السيسى عن الحاجة إلى ثورة دينية امتعضت المؤسسات الدينية بلا استثناء لأنها هى بمثابة المنفذ الرسمى للدولة (لسلعة الدين)، ولم يكرر رموزها المصطلح (ثورة دينية) بل حولوه إلى دعوى قديمة متهالكة بعنوان «تجديد الخطاب الدينى»، هذا فضلا عن تحفظ المؤسسات الدينية من إدانة المجموعات الدينية الإرهابية. وهكذا نجد أن المخلصين من رجال الدين والثقافة والسياسة والمجتمع فى محاربة التطرف يعيشون على الهامش بلا قيمة تذكر لأفكارهم ذلك لأنهم ليسوا من المنافذ الرسمية لفكر الدولة الدينى كالمؤسسات الدينية والثقافية والإعلامية الرسمية، بل أنهم عندما يقيمون الموقف يجدون أن المتطرفين أقرب إلى المؤسسات الرسمية والسلطة منهم.

السبب الآخر: ثقافى تاريخى

عندما أصدرت المجلة الدنماركية الصور المسيئة للرسول فى بداية التسعينيات وحدثت ردود فعل عنيفة على مستوى العالم العربى والإسلامى، قام بهى الدين حسن الناشط الحقوقى بناء على دعوة من الخارجية الدنماركية بدعوة كاتب هذه السطور وصلاح عيسى بالسفر إلى الدنمارك وعقد بعض اللقاءات من أهمها الإطلاع على وجهة نظر المجلة فيما قامت به من إساءة، وعندما ألتقينا رئيس التحرير والمحررين قالوا لنا إنهم فكروا فى إصدار كتيب للأطفال عن رسول الإسلام وطلبوا رسامى كاريكاتير وقد تقدم كثيرون فى البداية ثم اعتذروا الواحد تلو الآخر، والقليل الذى استمر طلبوا عدم وضع أسمائهم على الكتب خوفا من انتقام المسلمين فألغوا المشروع. إلا أنه حدث أن فنان سويدى رسم جدارية فى استكهولم لامرأة عارية مرسوما على جسدها آيات من القرآن فقام المسئولون بإزالة الجدارية دون حتى استئذان الفنان خوفا من غضبة المسلمين أيضا، ثم قام فنان فى أحد متاحف لندن الصغيرة فى الضواحى بصنع تمثال امرأة من أوراق التوراة والإنجيل والقرآن وقام بعرضه إلا أن مدير المتحف رفع التمثال دون العودة للفنان. وهنا قال رئيس التحرير لقد أحسسنا أن حرية التعبير والعلمانية الأوروبية التى دفع آباؤنا وأجدادنا دماءهم ثمنا للحصول عليها من براثن رجال الدين والكنيسة فى أوروبا تكاد تضيع من بين أيدينا، نحن لسنا ضد الإسلام أو المسيحية أو أى دين، نحن العلمانيين الذين حققوا علمانيتهم وحرية فكرهم بدمائهم، نحن لسنا ضد الإسلام نحن ضد قمع الفكر وحرية الرأى.

هذا التاريخ والصراع ضد الطغيان الدينى فى أوروبا لم يحدث فى بلادنا وبالتالى فمواطنونا لم يختبروا مثل هذه الحرية لا هم ولا آباؤهم أو أجدادهم، إنهم لم يختبروا إصلاحا دينيا أو تحديثا تفسيريا لنصوص مقدسة فالغلبة دائما وأبدا للقديم والسلف إنهم لم يمارسوا مقاومة السلطة الدينية المقدسة التابعة للدولة المحتكر الوحيد للدين، وبالتالى لا يوجد لديهم أى تصور حضارى لهذا الأمر، لأنهم ببساطة لم يعيشوه تاريخيا وحضاريا. فكيف يحاربون لأجله تلقائيا هل يلقون بأنفسهم للمجهول أم يعيشون فى جنة المضمون هنا وهناك خصوصا أن أى محاولة للإصلاح تقابل بالاستهجان والتكفير.

السبب الأخير: دينى فقهى

وهو أن المتطرفين والأكثر تطرفا والمعتدلين والأكثر اعتدالا لهم إطار دينى فقهى واحد، فلا فارق فقهى بين فكر داعش والإخوان والجهاد والمؤسسات الدينية الرسمية على العموم إلا فى التوقيتات. فداعش تحقق ما يؤمن به الجميع هنا والآن، والإخوان يؤمنون بنفس الفكر مع الاختلاف فى التوقيت والمؤسسات الرسمية تختلف فى التوقيت وبعض شروط التطبيق وأسلوبه هذا كل ما فى الأمر. لأجل هذه الأسباب وغيرها لم ولن يهزم التطرف الدينى فى بلادنا العزيزة العامرة.

إكرام لمعي  أستاذ مقارنة الأديان
التعليقات