عصر الإرهاب - إكرام لمعي - بوابة الشروق
الأربعاء 19 مايو 2021 4:34 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما رأيك بمستوى الدراما الرمضانية حتى الآن؟


عصر الإرهاب

نشر فى : الجمعة 30 ديسمبر 2016 - 9:30 م | آخر تحديث : الجمعة 30 ديسمبر 2016 - 9:30 م
لقد أبى عام 2016 أن يرحل دون أن يترك جرحا عميقا ارتكبته يد الإرهاب الآثم فى جسد الأمة؛ ذلك الإرهاب الذى من المستحيل أن يكون منتميا إلى الله الذى يعرفه اليهود والمسيحيون والمسلمون، فالإرهاب لادين ولا وطن ولا مبادئ أو أصول له، فهو يقتل الأطفال أحباب وملائكة الله الذين لا يعرفون خيرا أو شرا. أما الإرهاب فيستخدم أطفال الذين ينتمون إليه ويفجرهم بلا رحمة فى أشخاص آخرين، بينهم أطفال لا يعرف إن كانوا يؤيدون قضيته أم لا.

يقتلون أبناء وطنهم بل وأبناء الأوطان التى فتحت ذراعيها لهم كلاجئين من أوطانهم الأصلية والتى طردتهم وعائلاتهم، هذا فضلا عن أن معظم ضحايا الإرهاب أتباع للدين الذى يتشدق الإرهابيون بأنهم يدافعون عنه ضد أعداء الله وهو لا يعلم أنه هو العدو الأول لله والوطن. والإرهاب تموله أيادى آثمة، إنه كالأفعى الذى يطمئن صاحبها إليها لكنها فى النهاية تستدير وتلدغه. فقد وضح أن هناك دولا كانت تبنى دعايتها على أنها تحارب الإرهاب وأقنعت العالم بذلك لكن انكشف المستور ووضح للعالم كله أنهم يمولون الإرهاب. ويشاركون فى صناعة الإرهاب بالسلاح وتعضيد مخابرات دول متقدمة تتشدق بأنها تحارب الإرهاب، وقد انكشف كل ذلك بمنتهى الوضوح وكانت نتيجة ذلك سقوط هيلارى كلينتون فى الانتخابات الأمريكية؛ حيث كانت مهندسة تعضيد الإرهابيين ليحكموا بلادهم وإذا حكموا بلادهم سوف يوقفون العنف. وهذه النظرية وراء اندلاع الربيع العربى بمباركة غربية بحجة أن العسكر الذين حكموا بلادهم منذ منتصف القرن الماضى لم يحققوا الديمقراطية فى بلدانهم ووقفوا ضد إقامة دولة إسرائيل ورفضوا سياسات الغرب. حكموا بديكتاتورية وأفقروا بلدانهم اقتصاديا وأن المعارضة اليسارية قد تفتت وانتهت والمعارضة القوية الآن هم الإخوان المسلمون والإرهابيون، لذلك من الإنصاف أن يصلوا للحكم. وسوف نرى كيف يحكمون خاصة وأن ولائهم للغرب وإسرائيل واضح وضوح الشمس، فالجماعات المتطرفة تعالج مصادرها فى مستشفيات إسرائيل ولم تطلق طلقة واحدة أو قامت بعملية إرهابية واحدة ضد إسرائيل، فكل عملياتهم ضد أوطانهم وشعوبهم. وقد وضح نموذج حكمهم بعد الربيع العربى فى تونس ومصر وقد فشلت التجربتان بامتياز.

***

أما التجربة الثالثة، دولة الخلافة الإسلامية «داعش» بقيادة أبو بكر البغدادى فقد وضح مدى التخلف الحضارى والإنسانى والعنف الشديد فى سبى واغتصاب النساء واستخدام الأطفال فى القتال وذبح من يظنون أنهم أعداؤهم وحرق الكثيرين وأخطر ما فى هذا الأمر أنهم قدموا ذلك للعالم على أنه الإسلام الحقيقى. ولا شك أن هناك تيارا فكريا إسلاميا واضحا يؤيد إرهابهم بل ويَنظر له من أئمة لهم احترامهم عند الشعوب، بل هناك تيار شعبى يؤيدهم ولا شك أن هذا الوضع المذرى يحرج المؤسسات الدينية التى من الواضح أن أيديها مرتعشة فى معالجة الأمر، بل إن تصريحاتهم تصب فى أحيان كثيرة فى صالح الإرهاب.

أحد قيادات المؤسسة يتحدث أن الجزية ليس وقتها المناسب الآن وأن استخدام تعبير أهل الذمة يستخدم فى ظروف خاصة وبطريقة معينة!..... إلخ، أى أنهم لا يرفضون الفكرة لكن طريقة تطبيقها، فهم يرفضون قطع يد السارق ــ الذى تمارسه داعش لا لشىء إلا لأن المجتمع غير مؤهل لذلك بسبب الفقر ويفتون أنه لابد وأن يتحقق مجتمع الوفرة، أولا حيث يكون هناك حد أدنى للمعيشة وعندئذ يطبق حد قطع يد السارق. إذن هم لا يعتمدون على تفسير معاصر إنسانى حضارى جديد للقرآن الكريم، لكن على تبريرات مؤقتة لعدم تطبيق الحدود. والفارق ضخم جدا بين تفسير إنسانى معاصر يتماشى مع الحياة الكريمة لإنسان اليوم وحريته ويتماشى مع القوانين العالمية لحقوق الإنسان التى تجرم السرقة بعقوبات لتأهيل المذنب حتى يتحول إلى مواطن صالح وبين أن تطبيق الحدود ما زال ساريا لكن ظروف المجتمع تمنعه؛ فقطع يد السارق يحول المذنب إلى معوق. وهكذا من المستحيل أن يصبح مواطنا صالحا بل يمتلئ بالحقد والغضب ضد وطنه خاصة عندما لا يرى آخرين لا يحدث معهم ذلك لنفوذهم فى الدولة.

ولقد أثبت علم نفس الجريمة أن تشديد العقوبات لمنع الجريمة يشجع عليها ولا يمنعها؛ فإنه بالإحصائيات سواء فى مصر أو العالم أثبتت أن معدل الجريمة التى عقوبتها بولغ فيها ازدادت ولم تنقص، والدليل أنه فى مصر عندما شدد المشرع عقوبة اغتصاب الأنثى إلى الإعدام أصبح ليس أمام المعتدى إلا قتل ضحيته لأنها الشاهد الوحيد على جريمته، وهكذا انتشرت جريمة القتل المصاحبة للاغتصاب. ونفس الأمر حدث مع جريمة الاتجار فى المخدرات حيث ارتفعت أسعارها بعد تقنين عقوبة الإعدام لها فسارع كثيرون لم يكونوا من تجارها إلى احتراف تجارتها لأنه من المعروف علميا أن مرتكبى الجرائم لا يتصورون أنه سيقبض عليهم. هذا فضلا عن أن الإرهاب لا ينمو إلا فى البلدان المتخلفة التى تتمتع بنسبة عالية من الأمية والجهل، أما قيادات الإرهاب فهم الأكثر ذكاء وغنى وهذا واضح من تحركاتهم وإعلامهم وقدراتهم على اختراق الدول والمجتمعات.
إنها دائرة مغلقة تحتاج إلى جهد مضاعف، حيث يعود الداعشيون بعد هزيمتهم فى سوريا والعراق إلى بلدانهم الأصلية وعلى رأسهم مصر ويجب أن يجدوا فى انتظارهم خطة متكاملة لتأهيلهم ومعالجة غسيل المخ الذى غير توجهاتهم ليتحولوا إلى مواطنين صالحين بدلا من أن يكونوا سرطانا فى جسد الأمة يعمل على قتلها.

***

إن مستقبل مصر لا يكتمل بدون خطة متكاملة الأركان ترتقى بها فى جميع المجالات وعلى جميع الأصعدة خاصة وأن المسيحيين العرب على مدى تاريخهم قدموا دعما حقيقيا فى مجالات الترجمة والعلوم والتجارة؛ ففى العصر العباسى قام المسيحيون بحركة ترجمة من اليونانية إلى العربية وقد اشتهر من بينهم حنين بن إسحق وإسحق بن حنين. وكان الخلفاء يقدرون هذا العمل أعظم تقدير حيث يقدمون لمن قام بترجمة كتاب وزنه ذهبا، وقد قاموا أيضا بترجمة كتب الفلسفة والفلك والطب والحساب مما فتح للعرب غير المجيدين للغات الأجنبية بابا متسعا للثقافة. وأيضا على طول التاريخ الإسلامى كان المسيحيون يتخصصون فى مجال المال والصرافة لحرفيتهم فى هذا الأمر فضلا عن أمانتهم وهو ما نراه حتى اليوم فى البنوك والمصارف العربية. وأيضا تخصص المسيحيون فى مهنة الطب ومعظم الأطباء فى مصر كانوا من المسيحيين حتى الستينيات من القرن الماضى وما زالت نسبتهم مرتفعة حتى اليوم. ومن أشهرهم فى الدولة العباسية كانت أسرة بختيشوع، حيث كانوا ضامنين (صحيا) للخلافة العباسية كلها.

وقد لخص هذا الأمر المفكر المصرى غالى شكرى فى سلسلة مقالاته تحت عنوان –حصان طروادة المسيحى فى مصر، ردا على كتاب المسيحية السياسية فى مصر لرفيق حبيب، يقول: منذ دخول الإسلام إلى مصر وفرض التعددية الدينية الكتابية لم يوجد أبدا فى مصر ما يسمى بالوحدة أو بالوطنية، وإنما وجدت ــ دائماــ دولة قوية أو دولة ضعيفة، وفى الحالة الثانية كانت الفتنة هى القاعدة –وهو هنا يقول إن الدولة القوية منذ دخول الإسلام هى التى كانت تعطى الحرية للأقليات أو تسمح لهم بالتعبير عن ذواتهم بطريقتهم فى حماية الدولة (دولة المواطنة). أما الدولة الضعيفة فتستمد بقاءها من إثارة الفتن بين الأغلبية والأقليات وكان هنا يتحدث عن حكام مصر بعد ثورة 23 يوليو خاصة السادات ومبارك.
إكرام لمعي  أستاذ مقارنة الأديان
التعليقات