تقارب تركي إماراتي - رخا أحمد حسن - بوابة الشروق
السبت 22 يناير 2022 1:33 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما هي توقعاتك لمشوار المنتخب المصري ببطولة إفريقيا؟


تقارب تركي إماراتي

نشر فى : الثلاثاء 30 نوفمبر 2021 - 9:30 م | آخر تحديث : الثلاثاء 30 نوفمبر 2021 - 9:30 م
لقد شهد النصف الثاني من العام الحالي 2021 سلسلة من الزيارات والاتصالات بين تركيا ودولة الإمارات المتحدة على عدة مستويات، وأعطت مؤشرات على أن مرحلة الاحتقان والتوتر السياسي التي غلبت على العلاقات السياسية بين البلدين في سبيلها إلى تغيير كبير. وكانت الصورة الإعلامية العدائية بين البلدين خاصة منذ محاولة الانقلاب الفاشلة ضد نظام الرئيس أردوغان في 15 يوليو 2016 واتهام الإمارات العربية بتأييد ودعم محاولة الانقلاب، رغم كل ما أحاط هذه المحاولة من غموض، لم تتضح أبعاده حتى الآن، ونفي الإمارات هذه الاتهامات. هذا بالإضافة إلى احتضان تركيا لقيادات من جماعة الإخوان المسلمين وهو ما يغضب الإمارات العربية التي اتخذت موقفا مماثلا لمصر والسعودية بتصنيف جماعة الإخوان المسلمين جماعة إرهابية.
وأخدت تطورات التقارب التركي-الإماراتي مسارا متدرجا، ومما أعلن منها قيام وفد إماراتي برئاسة الشيخ طحنون بن زايد، مستشار الأمن الوطني الإماراتي بزيارة لأنقرة في 18 أغسطس 2021، وألتقى مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وعدد من الوزراء وكبار المسئولين ورجال الأعمال، وتناولت الزيارة التعاون الاقتصادي والتجاري والفرص الاستثمارية في عدة مجالات منها النقل والموانئ، والطاقة، والصحة، وذلك في إطار المصالح المشتركة بين البلدين.
وأعقب هذه الزيارة المهمة إجراء اتصال هاتفي في 30 أغسطس 2021 بين ولي عهد الإمارات العربية ونائب القائد الأعلى للقوات المسلحة الشيخ محمد بن زايد والرئيس التركي أردوغان، ناقشا خلاله العلاقات الثنائية بين البلدين في عدة مجالات، وتبادلا وجهات النظر بشأن عدد من القضايا والملفات الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك بين تركيا والإمارات العربية. كما زار وفد تجاري تركي على مستوى رفيع أبوظبي في 17 أكتوبر 2021 والتقى مع نظرائه الإماراتيين، كما التقى مع وزير الدولة الإماراتي للتجارة الخارجية ثاني بن حمد الزيودي، وبحث الجانبان سبل تنمية التبادل التجاري بين البلدين.
وقد كانت كل الاتصالات والزيارات المتبادلة السابقة بمثابة تمهيد لقيام ولي عهد الإمارات الشيخ محمد بن زايد بزيارة إلى تركيا في 24 نوفمبر 2021 بدعوة من الرئيس أردوغان. واعتبرت هذه الزيارة نقلة كبيرة في التقارب بين تركيا والإمارات العربية. وقد وصف وزير الصناعة والتكنولوجيا المتقدمة الإماراتي الزيارة بأنها ذات أهمية خاصة من جميع النواحي في توقيت يعمل فيه البلدان معا على وضع رؤية لمستقبل سلمي ومستقر ومزدهر للمنطقة، استنادا إلى الانفتاح، والتسامح، والفوائد المتبادلة، والمصالح المشتركة، ومد الجسور للتعاون والتواصل. وأن الهدف الأساسي للزيارة هو المساعدة في خلق قيمة اقتصادية عبر تعزيز التجارة والمشاركة في مجال الأعمال وضمان تنفيذ استثمارات مستدامة ناجحة. وأضاف بأن الإمارات العربية وتركيا من أنشط الاقتصادات والمجتمعات في المنطقة، ويؤمنان بأن النمو والتقدم الاقتصادي هو السبيل لتحقيق مستقبل مستدام، خاصة وأنهما تربطهما منذ سنوات علاقات تعاون اقتصادي واجتماعي وثقافي.
•••
وكان ترحيب الرئيس أردوغان بالشيخ محمد بن زايد، سواء في مراسم الاستقبال العالية، أو في كلمات الإشادة بالعلاقات بين البلدين متميزا، واستعرضا كافة أوجه العلاقات بين البلدين والقضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك. وتم توقيع عدة مذكرات تفاهم للتعاون المشترك بين البلدين شملت تبادل المعلومات المالية في سياق مكافحة غسيل الأموال والإرهاب، والتعاون بين الصندوق السيادي التركي وكل من شركة ميناء أبوظبي، وشركة أبوظبي التنموية القابضة. والتعاون بين نفس الشركة الإماراتية السابقة وهيئة الاستثمار الرئاسي التركي. والتعاون بين بورصة أبوظبي وبورصة إسطنبول، والتعاون في مجال الخدمات المصرفية المركزية بين البنك المركزي التركي ونظيره الإماراتي، والتعاون في مجال الطاقة، وفي مجال البيئة، والتعاون في الشئون الجمركية. ولعل أهم اتفاق هو إنشاء صندوق استثمار إماراتي في تركيا يبلغ رأسماله 10 مليار دولار أمريكي، ومن المنتظر أن يغطي هذا الصندوق عدة مجالات منها التجارة الاليكترونية، والطاقة، وسلاسل الإمداد، وقيام شركات إماراتية بشراء شركات تركية مناظرة لها أو إنشاء شركات معها. وقال مسئول إماراتي كبير "إن المشاكل أصبحت وراء ظهورنا، ونحن ندخل فترة قائمة بالكامل على التعاون والاستفادة المتبادلة".
وتجدر الإشارة إلى أنه بالرغم من حالة الاحتقان السياسي التي كانت بادية بين الإمارات العربية وتركيا، وتبادل الاتهامات عبر وسائل الإعلام في البلدين إلا أن العلاقات التجارية والاقتصادية بينهما استمرت بمعدلات تبادل تجاري على مدى نحو تسعة أعوام تبلغ قيمته السنوية في المتوسط نحو 8 مليار دولار أمريكي. ويرجع ذلك إلى السياسة العملية القائمة على المصالح الفعلية التي تتبناها كل من الإمارات العربية وتركيا، وحرصهما على الفصل بين ما قد يثور بينهما من خلافات سياسية وإعلامية، وبين المصالح التجارية والاقتصادية والاستثمارية المشتركة للبلدين وشعبيهما.
وبناء على هذه السياسة العملية فإن الإمارات العربية تعد أبرز شريك تجاري عربي مع تركيا فقد بلغت قيمة التبادل التجاري بينهما خلال عام 2019 ما قيمته 8 مليار دولار أمريكي؛ وكانت صادرات الإمارات منها 4.4 مليار دولار، وقيمة وارداتها من تركيا 3.6 مليار دولار أي أن الميزان التجاري كان في صالح الإمارات. بينما بلغت قيمه التبادل التجاري بينهما عام 2020 ما قيمته 8.42 مليار دولار أمريكي، منها ما قيمته 5.6 مليار دولار صادرات إماراتية، و2.8 مليار دولار واردات من تركيا، ويلاحظ زيادة العجز في الميزان التجاري التركي بينهما عن العام السابق. كما أنه يشير إلى حدوث نمو في إجمالي التبادل التجاري بينهما حيث ترتبط تركيا مع الإمارات باتفاقيات لاستيراد البترول، وأخرى لتبادل السلع. وقد بلغ التبادل التجاري بين البلدين أعلى معدلاته في عام 2017 حيث بلغت قيمته 14.8 مليار دولار أمريكي لكلا الطرفين معا وتستورد الإمارات من تركيا الأحجار الكريمة، والمعادن، والآلات إلى جانب إقبال الإماراتيين على السياحة في تركيا. بينما تصدر الإمارات لتركيا الذهب، والألومنيوم، والمجوهرات، والبترول، والزيوت المعدنية، والمواد الكيماوية، والحديد، وتحتل الإمارات المرتبة 12 عالميا في الاستيراد من تركيا، والثانية بعد العراق، والمرتبة التاسعة عالميا في التصدير لتركيا، والأولى عربيا وخليجيا.
وتحتل الإمارات العربية المركز الأول خليجيا وعربيا من حيث الاستثمارات في تركيا وتنوعها، وتبلغ قيمة استثماراتها في تركيا نحو 4.3 مليار دولار أمريكي، وتليها قطر في المرتبة الثانية ثم السعودية في المرتبة الثالثة. وتشمل الاستثمارات الإماراتية عدة مجالات منها التمويل، والبنوك، والطاقة المتجددة، والمشروعات العقارية، والصناعات الغذائية، والدوائية والطبية، والسلع الاستهلاكية والخدمات اللوجستية، وتجارة التجزئة، والموانئ. بينما تتركز أغلب الاستثمارات التركية في الإمارات في قطاع البناء والانشاءات.
•••
وقد حرص ولي العهد الشيخ محمد بن زايد، عقب عودته من تركيا إلى أبوظبي على إجراء اتصال هاتفى مع الرئيس عبد الفتاح السيسي، للتشاور بشأن نتائج الزيارة والتي من المتوقع أن يكون قد تم خلالها التباحث مع الجانب التركي بشأن علاقات تركيا مع جماعة الإخوان المسلمين واستضافتها عددا من قياداتهم لديها وما تنتويه أنقرة بالنسبة لمتطلبات استعادة العلاقات السياسية العادية مع مصر سواء فيما يتصل بجماعة الإخوان المسلمين والدعم التركي لها، أو الموقف التركي من الأزمة الليبية ووجود القوات التركية والمرتزقة الذين جلبتهم تركيا إلى ليبيا.
كما أجرى الشيخ محمد بن زايد اتصالا هاتفيا بالملك عبدالله الثاني ملك الأردن لإطلاعه على نتائج الزيارة فيما يتعلق بالتدخلات التركية في الأزمات العربية سواء في سوريا أو العراق أو ليبيا، خاصة وأن الشيخ محمد بن زايد كان قد التقى مع الملك عبدالله الثانى قبل قيامه بزيارته إلى تركيا.
إن الإمارات العربية المتحدة قطعت خطوات كبيرة على طريق التقارب مع تركيا التي في حاجة ماسة إلى هذا التقارب وما يحققه لها من مزايا اقتصادية وتجارية واستثمارية تساعدها في الخروج من الأزمة الاقتصادية والمالية التي تعيشها مع اقتراب الانتخابات الرئاسية في تركيا عام 2023 ورغبة الرئيس أردوغان في العمل على تحسين علاقاته مع شركاء تركيا التجاريين والاقتصاديين فى المنطقة من أجل تحسين الأوضاع الداخلية في تركيا من الناحيتين الاقتصادية والاجتماعية، والحد من الانتقادات الموجهة إليه سواء من المعارضة التركية أو من المنشقين عن حزب العدالة والتنمية الحاكم.
رخا أحمد حسن عضو المجلس المصري للشئون الخارجية وعضو الجمعية المصرية للأمم المتحدة.
التعليقات