ذكرياتى مع الصور المسيئة - إكرام لمعي - بوابة الشروق
الجمعة 4 ديسمبر 2020 10:55 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

مع أم ضد استمرار التعليم عن بُعد إذا انتهت أزمة كورونا؟

ذكرياتى مع الصور المسيئة

نشر فى : الجمعة 30 أكتوبر 2020 - 9:45 م | آخر تحديث : الجمعة 30 أكتوبر 2020 - 9:45 م

فى عام ٢٠٠٦ قام رسام دنماركى بإنتاج الصور التى دُعيت «بالصور المسيئة للرسول»، وبعد ستة أشهر من نشر الصور قامت مظاهرات فى سوريا، وتم إحراق السفارة الدنماركية بدمشق، وكذلك وقعت مظاهرات فى عدة دول عربية، ولقد طرح المسئولون الدنماركيون فى ذلك الوقت تساؤلات على المسئولين فى الدول العربية، إلا أن الإجابات لم تكن مقنعة كفاية، وأنه توجد أبعاد غائبة فى هذا الموضوع، لذلك قامت وزارة الخارجية الدنماركية بدعوة ثلاثة من مثقفى مصر المهتمين بالسياسة وحقوق الإنسان للحوار معهم حول هذه الظاهرة، وكنت أحدهم، ومعى طيب الذكر الأستاذ صلاح عيسى الذى كان رئيس تحرير جريدة الأهالى فى ذلك الوقت، والأستاذ بهى الدين حسن رئيس منظمة القاهرة لحقوق الإنسان، ولقد سافرنا معًا إلى كوبنهاجن، وكان برنامجنا الذى رتبته وزارة الخارجية الدنماركية، اللقاء مع مجلس إدارة المجلة التى نشرت الصور والفنان الذى رسمها، ثم اللقاء مع قيادات الكنيسة الدنماركية، ونختم زيارتنا بلقاء مع المركز الإسلامى، بدأنا بمجلس تحرير المجلة، وبالطبع كان الرسام موجودًا، وعندما سألناهم لماذا قاموا بذلك كانت إجابتهم إنها قصة طويلة بدايتها أن الجريدة فكرت فى إخراج كتاب للأطفال يتحدث عن رسول الإسلام، ونشرت إعلانًا بهذا الشأن فتقدم 42 فنانًا إلا أن الذين وافقوا على هذه المهمة كانوا أربعة فقط، وطلبوا عدم كتابة اسم الفنان الذى يُختار على غلاف الكتاب، وعندما سألناهم لماذا؟! كانت إجابتهم، الخوف من الإرهابيين لأن الإسلام يرفض من الأساس تصوير الأنبياء، حتى لو كانت صورًا إيجابية، ولذلك أجّلنا الأمر إلى أن وقعت ثلاثة أحداث متتالية، الأول: كاتبة مسلمة من أصل صومالى تعيش فى هولندا تُدعى «إيان حرس على» قامت بتأليف كتاب مسىء عن الرسول، إلا أن المترجمين للكتاب رفضوا إعلان أسمائهم خوفًا ورعبًا.
والحدث الثانى قام أحد المثالين الإنجليز بتكوين تمثال عبارة عن قطع ورقية مكتوب عليها آيات من التوراة والإنجيل والقرآن، وهذه القطع ممزقة وغير مكتملة وموضوعة على التمثال فى إطار زجاجى ومكتوب عليها بخط كبير «الله أكبر»، وقام بعرض هذا التمثال فى أحد أكبر المتاحف فى بريطانيا، لكن مدير المتحف قام بإزالة التمثال دون أن يسأل حتى الشرطة خوفًا من غضب المسلمين. والحدث الأخير قام أحد الفنانين برسم جدارية فى أحد ميادين استكهولم بالسويد تحتوى مناظر جنسية وفى أعلى اللوحة كُتبت آية قرآنية، وقد قام المسئول عن الميدان بإزالة الصورة كما أزيل التمثال من لندن خوفًا من انتقام المسلمين.
وبناء على كل ذلك اجتمع أئمة السويد مع رئيس الوزراء وطلبوا منه أن يستخدم نفوذه لتقديم صورة إيجابية عن الإسلام وأن يضع رقابة على الصحافة. هنا شعر رئيس تحرير الجريدة أن هناك خطورة شديدة على حرية التعبير، واجتمع بمجلس الإدارة وقرروا معًا أنه لابد من كسر حاجز الخوف، لأن تراث حرية التعبير فى أوروبا فى خطر داهم إذ أحسوا أن الفنانين والأدباء يتراجعون أمام العنف الذى يمكن أن يقع، وبهذا يخسرون علمانيتهم التى بذل فيها آباؤهم وأجدادهم دماءهم ليتحرروا من سلطان الدين الممثل فى الكنيسة، وبالتالى يخسرون حريتهم واختياراتهم وإنهم إن لم يفعلوا ذلك سوف تدينهم الأجيال القادمة، وهكذا نشروا الصور على أساس أن المجتمع العلمانى عليه أن يقبل أى نقد للرموز الدينية كما يفعلون مع الرموز المسيحية فى تصويرهم الكوميدى للسيد المسيح والعذراء مريم والقديسين والأنبياء ويفتخرون بذلك معتبرين أن تلك إحدى جوائز العلمانية، وقناعتهم إذا كان المسلمون يريدون العيش معنا كمواطنين أوروبيين عليهم أن يخضعوا لحضارتنا الغربية العلمانية، وأنهى كلامه بالقول «إن الشعب الدنماركى قَبل المسلمين بتواضع، ثم بحب، والذى تحول الآن إلى خوف، ولقد حاولنا كفريق مصرى أن نشرح لهم أن حضارتنا كشرقيين مسيحيين ومسلمين تمنعنا من الإساءة للرموز الدينية وأن ما حدث منهم خطأ تاريخى سوف يؤثر فى العلاقات بيننا وبينهم بل والأجيال القادمة، سواء الصور المسيئة أو تحطيم السفارات وحرق الأعلام والرموز... إلخ.
***
بعد لقائنا بالمجلة ذهبنا إلى قيادات الكنيسة هناك وعلمنا أن الذين يتعبدون هم كبار السن أما الشباب فغير منتظمين فى العبادة، والكنائس تتلقى اللاجئين وتساعدهم بتدبير أماكن لمعيشتهم أما العبادة فتقام الأحد صباحًا فقط، وفى المساء يكون حفل موسيقى فى قاعة الكنيسة. أخيرًا كانت خطوتنا الثالثة والأخيرة فى المركز الإسلامى حيث استقبلنا الشيخ أحمد أبو لبن وهو رجل دين فلسطينى، سأله صلاح عيسى ما رأيك فى الدنمارك، قال بلاد عظيمة جئت لاجئًا من فلسطين مع زوجتى وأولادى بلا مال أو جاه أو لغة... إلخ ضمونا إليهم وعلموا أولادنا ثم أعطونى هذا المركز الإسلامى لأباشر نشاطى فيه.
سأله ما هى مشكلتك؟ قال دَعى بعض الشباب المسلم هنا الداعية الجديد عمرو خالد – كان جديدًا فى ذلك الوقت – ليسألوه عن أمور دينهم، وقد تجاهلوا وجودى ولم يستشيرونى فى ذلك. سأله صلاح عيسى ما هو هدفك فى الحياة؟ قال أسلمة الدنمارك.
بعد عودتنا لأرض الوطن كتبنا عن تجربتنا فى معظم الصحف وقمنا بعقد ندوات نحكى فيها تجربتنا ونقلها التليفزيون المصرى.
عزيزى القارئ ما حدث فى فرنسا حاليًا هو نفس سيناريو الدنمارك مع اختلاف الزمان والمكان والأشخاص، وكأن تجربة الدنمارك لم يستفد منها أحد من الطرفين، فلم تستفد فرنسا من موقف الدنمارك الذى تعلموا فيه من الأزمة، ووضعوا كل أمر فى نصابه، فهناك حرية كاملة لاتباع جميع الأديان بدون استثناء بشرط عدم إزعاج المتدينين المختلفين أو العلمانيين، ومن الناحية الأخرى على العلمانيين ممارسة حرية التعبير اللائق بدولة وشعب متحضر يحترم جيع الأديان وأتباعهم، فهناك لغة مشتركة تجمعهم والكل يستظل بقانون مدنى واحد يُطبق على الجميع بعدالة شديدة. أما فى باريس فقد قام المدرس بإعادة الصور المسيئة للرسول للوجود وقام الشاب المتطرف بذبحه وجاء رد فعل ماكرون حادًا جدًا.
***
تُرى ما هى النتائج والدروس التى يمكن أن نخرج بها من هذه المأساة:
أولًا: اختلاف الرؤية إلى الدين بين شعوب (أوروبا) من ناحية وبين العرب مسلمين ومسيحيين من الناحية الأخرى: فالدين لدى العرب والشرق الأوسط هو موجه رئيسى لحياتهم وأفكارهم فى حياتهم اليومية بتفاصيلها أفرادا وجماعات، وكل تصرف مهما كان حجمه يبحثون عن رأى الدين فيه، بينما الدين فى أوروبا مجرد قرار فردى بحت، وليس للدين توجهات سياسية، ونشاط المساجد والكنائس والمنظمات الدينية يغلب عليها العمل الاجتماعى، لكن فى تفكيرهم وسلوكهم هم أكثر طاعة للنظام والقوانين وتطبيقها عن شعوب الشرق الأوسط، لذلك لابد عند تقييم المواقف يجب أن يكون اختلاف مفهوم الدين بين الشرق والغرب واضحًا فى الرؤيا والممارسات المختلفة.
الثانى: اختلاف النظرة إلى العلمانية: فالعلمانية عند المسلمين والعرب تُعتبر كُفرًا بينما فى أوروبا أسلوب حياة، فكل إنسان حر أن يختار الدين الذى يستريح له ويتركه فى أى وقت بلا ضغط جماعى سواء فى دخول الدين أو رفضه، لذلك ينتشر الإلحاد بين الشعوب الأوروبية.
الثالث: اختلاف النظرة إلى الوطن: فالوطن بالنسبة للعرب يرتبط بالعقيدة الدينية تمامًا فالأرض استقبلت معظم الأنبياء والارتباط بالدين يتعلمه الأطفال منذ نعومة أظافرهم ولا يوجد وطن بلا دين ولا دين بلا وطن. لذلك نحتاج أن نتعلم قبول الآخر كما هو، فنحن نحتاج أن ننفتح على الآخرين ونتعلم منهم كيف لا يتدخل الدين فى كل مناحى الحياة حتى دخول الحمام أو زواج القصر.. إلخ.
الرابع: سؤال هام: إذا كان الأمر كذلك لماذا يقبل الأوروبيون أعدادًا هائلة من المهاجرين من جميع دول العالم؟ والإجابة الواضحة لأنهم لا يراهنون على الجيل الأول، لكنهم يراهنون على الثانى 50% أما الجيل الثالث الذى يولد عندهم ويتعلم لغتهم وحضارتهم فى مدارسهم. يصبح أوروبيًا 100%. فى معظم الأحيان تُفضل معظم الأسر الأوروبية عدم الإنجاب، ولذلك أعدادهم تقل باستمرار لذلك هم يقبلون أعدادًا هائلة من المهاجرين كما فعلت مستشارة ألمانيا، مركزين بقوة على الأجيال القادمة التى تنسى لغتها وتاريخها، وتتعلم وتتثقف باللغات والتاريخ والأدبيات والأخلاقيات الأوروبية، وهذا لا يتم إلا بتطبيق العلمانية حيث المساواة بين جميع البشر بكل خلفياتهم وأديانهم فهو أمر شخصى بحت، من هنا يأتى الفهم والتفهم، فالفهم هو أن أفهم نفسى وخلفيتى وثقافتى جيدًا وأتمسك بهم والتفهم هو أن أتفهم الآخر المختلف فى ديانته وثقافته وخلفيته وأحترمه، وهكذا نقف على أرضية واحدة هى أرضية الوطن ودستوره وأدبياته دون التنازل عن الهوية، وهذه المعادلة تطبقها الولايات المتحدة بحرفية شديدة وكذلك الدنمارك وسويسرا وباقى الدول الإسكندنافية، ونحن فى حاجة أن نفهم أنفسنا جيدًا ونتفهم موقف الآخر.
فى النهاية أقول: ما حدث فى فرنسا بعد مرور ستة عشر عامًا من أحداث الدنمارك يعلن ويوضح أننا وهم لم نتعلم بعد من أخطائنا.

إكرام لمعي  أستاذ مقارنة الأديان
التعليقات