عندما تكون الدولة فى خدمة المواطن - علاء الحديدي - بوابة الشروق
السبت 8 أغسطس 2020 11:10 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع احتواء أزمة كورونا في المنطقة والعالم قريبا؟

عندما تكون الدولة فى خدمة المواطن

نشر فى : الإثنين 30 أكتوبر 2017 - 9:00 م | آخر تحديث : الإثنين 30 أكتوبر 2017 - 9:00 م
تناولت فى مقال الأسبوع الماضى بعنوان «عندما يكون الشعب فى خدمة الدولة»، تطور العلاقة بين الدولة والشعب فى روسيا بمناسبة الذكرى المائة لثورة ١٩١٧. واستعرضت بإيجاز شديد للتجربة الروسية مع النظامين القيصرى والسوفيتى وما كان من مصيرهما. وأود فى هذا المقال استكمال ما حدث مع روسيا بعد انهيار الاتحاد السوفيتى وكيف أصبحت العلاقة بين الدولة والشعب فى ظل النظام الحالى للرئيس بوتين، وإلى أى مدى يختلف عن النظامين السابقين؟ وهل يمكن له البقاء والاستمرار فى ظل ما رسمه لنفسه من خطط وسياسات فى معادلة الشعب والدولة؟ 

بداية، وجب علينا فهم الظروف التى ولد فيها نظام الرئيس الروسى الحالى فلاديمير بوتين، والذى تسلم الحكم من الرئيس بوريس يلتسين فى شتاء عام ٢٠٠٠. وكانت البلاد تعيش فى ظل سلسلة من الأزمات الاقتصادية والاجتماعية نتيجة ما أصاب الدولة ومؤسساتها من تدهور جراء ما تميز به عهد يلتسين من فساد وسوء إدارة وتخبط فى القرارات، ما أدى إلى تدنى الخدمات والمرافق العامة، ناهيك عن انفلات الأسعار وارتفاع التضخم وتفشى البطالة وتفاقم أزمات مالية حادة نتيجة العجز عن سداد الديون وتعاظم خطر إعلان الإفلاس. وكانت الصورة الأكثر تداولا عن روسيا هى صورة المواطن الروسى الذى يقف فى الشارع ليبيع الأوسمة التى حصل عليها أثناء خدمته الحكومية السابقة. كانت هذه الصورة تعبر عما وصل إليه حال المواطن الروسى الذى أفنى عمره فى خدمة الدولة السوفيتية السابقة، وبدليل حصوله على كل هذه الأوسمة والنياشين، ولكنه فى ظل الأزمة الاقتصادية الخانقة وانهيار العملة وانفلات الأسعار والغلاء، لم يجد ما يعول به نفسه وأسرته سوى بيع هذه الأوسمة فى الطريق العام، وهو نوع من أنواع التسول مع حفظ ماء الوجه والذى انتشر فى شوارع موسكو فى ذلك الوقت. كان ذلك حال المواطن الروسى الذى لم يكن عليه فقط مواجهة شظف العيش نتيجة الظروف الاقتصادية الصعبة التى كانت تمر بها البلاد، ولكن كان عليه أيضا مواجهة افتقاد الأمن والأمان بعد انتشار العصابات المختلفة وعجز الدولة عن مواجهة هذه الظاهرة المتفشية. ومع ازدياد نسب البطالة والفقر أصبحت الجريمة المنظمة مهنة وحرفة يلجأ لها من عجز عن تدبير لقمة عيشه أو عن مواجهة أعباء الحياة له ولأسرته. وأصبح الشعب الروسى موضع شفقة الشعوب الغربية وعطفها، بعد أن كان مثارا للإعجاب والغيرة جراء إنجازاته العلمية ونبوغه الثقافى والأدبى والفنى.

طبعا كان استعادة الأمن والأمان للمواطن الروسى هو الشغل الشاغل والأولوية الأولى للقيادة الروسية الجديدة تحت قيادة الرئيس فلاديمير بوتين. ويعد أكبر إنجاز للرئيس بوتين والذى يحسب له حتى الآن هو نجاحه فى إعادة هيبة الدولة إلى الشارع بعد أن نجح فى القضاء على ظاهرة الجريمة المنظمة والعصابات التى كانت السمة الرئيسية للحياة فى جميع المدن والشوارع الروسية. هذا ناهيك عن التغلب على تحدى الإرهاب القادم من منطقة شمال القوقاز فيما عرف بحرب الشيشان الثانية، وهو ما أكسب الرئيس بوتين شعبية وأضفى على حكمه شرعية ما زالت تصاحبه حتى الآن. وهذا الأمر بالتحديد، أى الحساسية الشديدة التى يتعامل بها الرئيس بوتين مع أى عمل يمس أمن المواطن الروسى سواء فى الداخل أو الخارج، يفسر الموقف الروسى من حادثة سقوط الطائرة الروسية فى سيناء (مقالى بعنوان «لماذا تراجعت العلاقات المصرية الروسية؟» المنشور بجريدة الشروق بتاريخ ٢٥يوليو٢٠١٧).

هذا، ولم يقتصر النظام الحالى على تحقيق تقدم فى الملف الأمنى فقط، بل كان أيضا أكثر حرصا على توفير سبل المعيشة المناسبة للمواطن الروسى العادى من جميع المواد الغذائية اللازمة والضرورية بأسعار فى متناول الجميع. حقيقة أن موسكو يتم تصنيفها باعتبارها من أكثر مدن العالم غلاء، ولكن هذا ينطبق على المطاعم الفاخرة والأحياء الراقية والمحلات التى يرتادها الأغنياء لشراء أغلى الماركات العالمية وآخر صيحات الموضة. ولكن بجانب هذه الأماكن التى لا يرتادها سوى القلة المترفة من الشعب، ظلت أسعار المواد الأساسية من خبز وخضروات وفواكه ولحوم فى متناول الشعب من جميع طوائفه وشرائحه الأخرى، وقد حافظت الدولة على أسعار السلع الأساسية وخاصة من المواد الغذائية كهدف لا يقل أهمية عن حفظ الأمن، وساعدها فى ذلك ارتفاع أسعار البترول وحسن إدارة العوائد والفوائض التى تولدت عنها مقارنة بدول أخرى لم تحسن استغلال ثروتها البترولية الضخمة كنيجيريا أو فنزويلا على سبيل المثال لا الحصر. وهو أمر يضرب به المثل حتى من قبل المنتقدين لسياسات بوتين فى مجال حقوق الإنسان والحريات الشخصية، وهو ما يمكن القول معه إن الدولة قد أبرمت عقدا اجتماعيا جديدا مع المواطن الروسى وذلك بأن يتغاضى ذلك المواطن عن حقوقه السياسية مقابل حصوله على حقوقه الاجتماعية والاقتصادية. ولا شك أيضا أن نجاح بوتين فى استعادة مكانة روسيا الدولية وإجبار الغرب على الاعتراف بدورها كقوة عظمى كان مثار فخر وافتخار للشعب الروسى زاد من شعبية وشرعية الرئيس بوتين، وفشلت معه جميع محاولات الغرب للنيل من شعبيته سواء عن طريق فرض العقوبات والعديد من الإجراءات العقابية الأخرى أو عن طريق الحملات الإعلامية الموجهة ضده وضد نظامه.

لا شك أن أكبر نجاح لبوتين يتمثل فى تحقيق نوع من المعادلة بين الشعب والدولة، بين تلبية احتياجات المواطن من أمن وغذاء وكساء، وهو ما تمثل فى اختفاء ظاهرة المواطن الروسى الذى كان يفترش الأرض فى الشوارع والميادين لبيع الأوسمة والنياشين، وبين احتياجات الدولة وخاصة فى مجال التسليح والصناعات العسكرية. ويرى أنصار الرئيس بوتين أنه يقدم نموذجا قابلا للاستمرار والتكرار، وأنه قد أثبت صموده فى مواجهة مؤامرات الغرب وألاعيبه. فى حين يذهب المعارضون له إلى أن هذا النظام ما كان له أن يصمد أو يتعافى دون الطفرة التى حدثت فى أسعار النفط مع بدايات حكم الرئيس بوتين، وهو الأمر الذى مكنه من توفير شبكة ضخمة من نظام الأمان الاجتماعى ساعدت حكمه على الاستقرار والترسخ. ويضيف هؤلاء أن الاقتصاد الروسى ما زال يعتمد على عائدات النفط والغاز الطبيعى، وأن تجاهل النظام للحريات الشخصية والمدنية يحول دون تحقيق الاقتصاد الروسى لمعدلات نمو مرتفعة وبما يقوض التجربة الروسية الحالية على المدى الطويل.

 

التعليقات