الرقص على أرغن الرب - نيفين مسعد - بوابة الشروق
الأحد 28 نوفمبر 2021 1:51 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد قرار الفنان هاني شاكر نقيب المهن الموسيقية بمنع 19 من مطربي المهرجانات من الغناء؟

الرقص على أرغن الرب

نشر فى : الخميس 30 سبتمبر 2021 - 8:30 م | آخر تحديث : الجمعة 1 أكتوبر 2021 - 2:32 م
هذا هو المقال الحادي عشر الذي أكتبه عن الشخصية القبطية في الأدب المصري، ومقال هذا الأسبوع عن رواية "الرقص على أرغن الرب" للأديب الشاب مارك أمجد والصادرة عام ٢٠١٧ عن دار الثقافة الجديدة. والأرغن هو تلك الآلة التي تمزج بين أداء البيانو والأورج وتوجد كثيرًا في الكنائس، بالتالي فإن معنى عنوان الكتاب هو السير على وَقع أنغام الرب أو اتباع طريقه. وكنت منذ مقالي الأول عن الشخصية القبطية قد جعلت معياري في اختيار أي عمل أدبي لكاتب معين، هو أن يكون هذا العمل أحدث أعماله من حيث تاريخ الصدور، بينما أن العمل الذي يتعرض له مقال هذا الأسبوع يتلوه عملان آخران هما "البطريركية" عام ٢٠١٩، و"وديعة لينين" عام٢٠٢٠ لكني لم أخترهما. رواية "البطريركية" هي رواية تتعلق بالممارسات السلطوية أو الأبوية التي قد تكون موجودة في أي مؤسسة من المؤسسات الخاصة أو العامة لاسيما في دول العالم الثالث، وبطل الرواية مسيحي نتعرّف من خلاله على كيفية سير التفاعلات داخل إحدى المؤسسات البطريركية بامتياز حيث تُلغَي الأنا ويتحوّل الجميع إلى نسخ كربونية من بعضهم البعض، أما رواية "وديعة لينين" وبطلها أيضًا مسيحي فإنها تدور حول دخول البطل متاهة عالم الصحافة والمثقفين حيث يصطدم بحقائق كان يجهلها عن مكنون هذا العالم. لم تستهوني حبكة رواية "وديعة لينين" لتفاعلات عالم الصحافة والفن، وكان فيها كّم مكثّف من "السرد الخشن" على حد تعبير الدكتور صلاح فضل عن العلاقات الحميمة بين الرجال والنساء، وقد يفسّر البعض ذلك بأن الكاتب يريد تحطيم تابو الحديث عن الجنس، لكن عمومًا صار التناول الخشن لموضوع الجنس خطًا شائعًا في معظم الأعمال الأدبية للشباب. أما "البطريركية" فإنها رواية مهمة فعلًا وترتاد مناطق غير مطروقة عن تجربة التجنيد العسكري التي مر بها البطل، لكن ما جعلني أفضّل عليها رواية الأرغن أن هذه الأخيرة عالجت قضية الإصلاح داخل الكنيسة بشكل مبتكر، سواء من حيث إطارها الفكري أو من حيث حركتها الزمنية وبالتالي كانت أقرب لما أبحث عنه في سلسلة مقالات الشخصية القبطية، زد على ذلك أن تمرد مارك أمجد على البطريركية فكرًا وممارسةً هو خط ثابت في كل أعماله بما فيها روايته عن الأرغن.
•••
استوحى مارك أمجد فكرة "الرقص على أرغن الرب" من قصة جماعة الأمة القبطية، وهي قصة تاريخية حقيقية تعَامَل معها المؤلف بتصرّف وأَدخَلها عالمه الروائي لتخرج لنا كما خرجت. والأمة القبطية هي جماعة شكّلها المحامي إبراهيم فهمي هلال عام ١٩٥٢ لتكون هي المعادل المسيحي لجماعة الإخوان المسلمين ليس فقط في التنظيم بل حتى في الشعار "الله مليكنا ومصر بلادنا والإنجيل شريعتنا والصليب علامتنا والمصرية لغتنا والشهادة في سبيل المسيح غاية الرجاء". تمثّلت أهداف الجماعة في التمسك بحرفية الكتاب المقدّس، وإحياء اللغة القبطية وتدريس التاريخ القبطي واعتماد التقويم القبطي، وأن تكون للأقباط صحفهم وإذاعتهم، وباختصار جعلهم مرئيين من المجتمع. اختطفت الجماعة البابا يوساب الثاني بابا الأقباط في ذلك الوقت إذ اعتبرته غير قادر على حماية مصالح المسيحيين وواقع تحت سطوة خادمه الفاسد مِلِك بكسر الميم واللام، وكان الغرض من اختطافه وعزله عن كرسيه ليخلفه مَن هو أفضل منه. حرّر الأمن البابا المختطف وقبض على مختطفيه، وهاجر ابراهيم هلال لفرنسا حيث تغيّر فكره ومساره ومظهره الخارجي. هذه الصفحة من تاريخ الكنيسة قلّما يفتحها أحد، لكن المعلومات عنها موجودة وهناك حوار طويل أجراه الأديب روبير الفارس مع مؤسِسها الذي يصفه البعض بالطفولة اليسارية والبحث عن المغامرة والأضواء، أما لماذا هذه الجماعة مجهولة فإن هذا ما سنعرفه مع مارك أمجد، ففي روايته "الرقص على أرغن الرب" تخيّل مارك أمجد أنه تم إحياء جماعة الأمة القبطية في عام ٢٠٥٤ بواسطة إيزيس حفيدة مؤسّس الجماعة (الذي غيّر الكاتب اسمه من ابراهيم إلى باسيلي)، وأن هذه الجماعة قامت هي الأخرى باختطاف البابا وخادمه وابنة سكرتير البابا.
•••
وفي أثناء التخطيط لتحرير الرهائن وهو ما يستغرق كل أحداث الرواية، يتّضح لنا أكثر من مستوى من مستويات الصراع، فهناك الصراع داخل الكنيسة القبطية بين الجناح الذي يمثله البابا وأعوانه وحرّاسه المخلصون الذين ينتمون لتنظيم سرّي أنشأته الكنيسة لحماية البابا (يسمّيهم مارك أمجد حرّاس أورشليم) هذا من جهة، وجناح الخاطفين الذين يشككون في التزام البابا بحرفية النص المقدّس وحمايته المسيحيين من جهة أخرى. وهناك صراع آخر أيضًا داخل الكنيسة بين البابا وجماعته من جانب، ودعاة الإصلاح والتجديد الذين تتركّز مطالبهم في إسقاط الكهنوت والتحرر من سطوة النّص المقدّس وتحسين وضع المرأة من جانب آخر. وهناك أخيرًا الصراع في داخل فريق البابا نفسه الذي كان أعضاؤه غير قادرين على المفاضلة بين خيارين كلاهما سيئ: خيار الإبلاغ عن اختطاف البابا وإظهار الخلافات المسيحية للعلن والتأثير على صورة الأقباط لدى الغرب بوصفهم "أقلية مضطهَدة"، وخيار السكوت على واقعة بالغة الخطورة هي واقعة اختطاف البابا وهو أمر مستحيل.
•••
وفي هذه الشبكة المعقدة من الصراعات الداخلية والبينية يلعب الرمز دورًا أساسيًا في الراوية، فعندما يستنسخ الكاتب حكاية الأمة القبطية بعد قرن من وقوعها فهو يريد أن يقول إن التاريخ يعيد نفسه وإنه لا شيء قد تغيّر خلال مائة عام، وبالتالي فإن الصراع داخل الكنيسة لن يتوقف. ولتأكيد معنى أن التاريخ يعيد نفسه فإن الكاتب يتخيل وقوع تفجير داخل كنيسة أسماها كنيسة السمائيين بالإسكندرية عشية عيد الميلاد عام ٢٠٥٠ وذلك على وزن ما حدث داخل كنيسة القديسّين بالإسكندرية التي تم تفجيرها في نفس المناسبة عام ٢٠١٠، وكأنه مثلما لم يتغير شيء في داخل الكنيسة كذلك لم يتغير شيء في علاقة الكنيسة بمحيطها الخارجي فلقد تكرر نفس الكلام عن مسؤولية جهة رسمية عما حدث. كذلك فإن مفتاح الحياة يشبه قبة الكنيسة وكلاهما يشبه رحم الأم، في إشارة إلى أن المرأة هي الكون وهي الحياة. وسوف تتأكد قيمة المرأة في البناء الفكري لمارك أمجد باعتبارها نقيض البطريركية والسلطة الأبوية، عندما يختار اسم إيزيس للشخصية التي سوف تقوم بإحياء رسالة جماعة الأمة القبطية، وهنا يضرب الكاتب عصفورين بحجر واحد: يؤكّد على اقتدار المرأة، ويقيم خطًا متصلًا بين الحضارة الفرعونية التي تمثّل فيها إيزيس ضلعًا من أضلاع الثالوث (إيزيس، أوزوريس، حورس) والعقيدية المسيحية التي تتمحور بدورها حول ثالوث (الآب، الابن، الروح القُدُس). من جهة أخرى، لقد وصلت لي كقارئة رسالة لست متأكدة منها هي أن الكاتب يتكلم بلسان ماركوس ابن إيزيس والذي هو عكسها على طول الخط، هي تقدّس الكهنوت وتريد تأبيده وماركوس متمرد على هذا الكهنوت كليًا وناقد شديد للنص المقدّس في مواضع مختلفة، كما في قوله "يعتبر الإنجيل واحدًا من أهم الكتب الذكورية التي عرفتها البشرية". أكثر من ذلك لعل الكاتب يثير فضوله نموذج آريوس الكاهن المتمرد الذي يرفض ألوهية المسيح ويعتبر أن له طبيعة واحدة هي الطبيعة الإنسانية. اسم آريوس ورد في الرواية دون شرح، وعندما اتصلتُ بدكتور نبيل مرقص مستفسرة عن خلفية هذه الشخصية المذكورة في رواية الأرغن، أخبرني أن آريوس جادل رأس الكنيسة في حينه حول طبيعة المسيح، وأنه كان المؤسّس لخط فكري لاهوتي يُعرَف بالأريوسية، وأضاف أن الكاتب الكبير أحمد الجمال يرى أن شخصية آريوس تقرب بين المسيحية والإسلام.. أحببت جدًا هذا الأخذ والعطاء بين ثلاثتنا: من الجمّال لمرقص ومن مرقص لي. أما رمزية قيام إيزيس بقتل ابنها المهرطق ماركوس لتطهّره من إلحاده في رواية الأرغن، فلعل الكاتب أراد بها القول إن خط التشدد داخل الكنيسة سيعيش ويستمر حتى لو اقتضى أن تقتل الأم ابنها.. وهذا تفسير مخيف.
•••
إن مارك أمجد ذو الستة وعشرين عامًا كاتب لديه ما يقوله، قراءته ليست سهلة لأنه يمزج الماضي بالحاضر، والوهم بالخيال، وهو يرفع الستار عن أبطاله بالتدريج ويعطي المعلومات عنها قطرة قطرة ويستخدم أسلوبًا يمكن وصفه بأسلوب الغموض البنّاء. يلعب مع قارئه كل الألعاب فتارة يعطي فصله عنوانًا وتارة أخرى يعطيه رقمًا، ولا يفلت من سحر الإسكندرية ككل أبنائها. عندما اتصلت بمارك أمجد تليفونيًا لأقترب منه إنسانيًا بعدما اقتربت منه على الورق سألته: كيف تقيّم آثار يناير ٢٠١١ ويونيو ٢٠١٣؟ السؤال السابق ربما بدا له مفاجئًا لكني طرحته عليه لأنه كاتب شديد الاهتمام بظاهرة البطريركية كما سبق القول، وما حدث في عام ٢٠١١ كانت له دلالات كثيرة من بينها سقوط السلطة الأبوية لحسني مبارك، وهذا معناه إحداث رجّة حقيقية في العقيدة المسيحية التي تقوم على فكرة الثالوث المقدّس وترتكّز على دور الآب. قال "واحنا صغيرين البابا شنودة كان زي الشيخ الشعراوي ما ينفعش تكتب عنه". لكن بطبيعة الحال فإن هذا الخوف من الكتابة عن رأس الكنيسة الأرثوذوكسية اختلف كثيرًا، والأعمال الأدبية لشباب الأقباط تشهد بذلك. وأضاف مارك أمجد "السياسة ما كانش لها تأثير، والمسيحيين كانوا يعرفوا اسم وزير الداخلية.. اسم وزير الداخلية وبس". وهذا أيضًا من الأمور التي اختلَفَت سواء في الأعمال الأدبية أو في الحياة نفسها باندماج الأقباط في السياسة. إن مارك أمجد هو رمز لجيل شباب الأدباء الأقباط ممن كسروا القوقعة التي عاشت داخلها الأجيال السابقة فسمح لنا بأن نرى ما فيها ونتحاور مع خباياها.

نيفين مسعد كاتبة بجريدة الشروق
التعليقات