لبنان... عَرجٌ اقتصادى وكِساح سياسىّ - العالم يفكر - بوابة الشروق
الأربعاء 16 أكتوبر 2019 11:17 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

بالتزامن مع عرض بيانها على البرلمان.. ما تقييمك لأداء حكومة مصطفى مدبولي؟

لبنان... عَرجٌ اقتصادى وكِساح سياسىّ

نشر فى : الجمعة 30 أغسطس 2019 - 11:00 م | آخر تحديث : الجمعة 30 أغسطس 2019 - 11:00 م

نشرت مؤسسة الفكر العربى مقالا للكاتب «حسن شامى» عن الأوضاع الاقتصادية والسياسية المتردية فى لبنان ونعرض منه ما يلى:
حفلت الأشهر القليلة الماضية بالحديث الصاخب عن خطرِ انهيارٍ مالىّ واقتصادىّ يُهدِّد لبنان وطرح المحلّلون الماليّون والسياسيّون سيناريوهات الخطر الدّاهم، بما فى ذلك الكلام على «يونان ثانية» تنتظر المصير اللبنانى. وكان من الطبيعى أن يدور مثل هذا الحديث فى الأوساط الشعبيّة، مشيعا أجواء القلق واليأس.
إن مؤشّر الأداء المالى للدولة والنشاط الاقتصادى، يشى بحجم أزمة تكاد تكون شاملة.. وللعِلم، لبنان يملك من الإمكانات ما يجعل اقتصاده يقف ويمشى بقدمَين ثابتتَين، مُنتجا جاذبا للاستثمارات والكفاءات ومولِّدا لفُرص العمل، لكنّ السياسات المتّبعة هى التى تجعل الاقتصاد «يعرج» وتكاد تحوِّل المالية العامة إلى «مُقعَدة». وبالتالى، أى نقاش للأزمة ينحصر فى لغة الأرقام، يبقى ناقصا، ما لم يتتبع الأسباب الحقيقية لهذه الأزمة، وهى تكمن فى السياسة، وبالأحرى اللّاسياسة فى لبنان.
الصادم فى الأمر هو أنّ المسئولين، تجاهلوا، جميعهم تقريبا، عامدين، الاعتراف بالمُسبّبات وتاريخيّتها، وبالغوا فى تقديم الأزمة على أنّها قَدَر نزل فجأة بالبلد وأهله، هذا والأزمة تكاد تكون مُزمنة، وهى فى الواقع، نِتاج تراكُم سياسات وأسلوب إدارة دأبت على اتّباعها الحكومات المُتعاقبة، التى تكوَّنت، فى أغلبيّتها، من القوى السياسيّة التى ما زالت تتولّى الحُكم وتتمثّل فى المجلس النيابى، منذ ما يزيد على عقدَين من السنين، فى حين أنّ «المُستجد» منهم لا ينهج نهجا مُختلفا إلّا بالكلام.
كيف تكون السياسة المتّبعة «لا سياسة»؟
لعلّ الجواب الأبسط هو أنّ السياسة تكون على هذه الشاكلة عندما لا تقوم على استيعاب دروس الماضى وفهْم متطلّبات الحاضر ورؤية ما يجب فعله للمستقبل. وكان أرسطو اعتبر أنّه إذا كانت السياسة هى الأداة المطلوب امتلاكها بحصافة وحِكمة، فإنّه فى غياب السياسة بهذا المعنى، يصبح الأقلّ ذكاء هُم الذين يتحكّمون فى أمور الناس ومقدّرات البلدان التى يحكمون... فما الذى يحصل فى ظلّ سياسة أهل الحُكم فى لبنان؟
الحكومة التى تضمّ وزراء من كلّ الأطراف المتمثّلة فى المجلس النيابى، هى الموالاة والمُعارَضة فى آن. وهذه بدعة فى النُّظم البرلمانيّة، تجعل من مجلس الوزراء ساحة صراع بين مكوّناته قبل أن يكون مَوقعا لصنع القرارات، التى لا يُتّخذ المهمّ منها إلّا بتوافقٍ يسبقه تناحر يهدر الكثير من الوقت.
الحكومة بهذا النسيج، هى التى تسعى اليوم لتدارُك الخسائر، وتبشِّر ببوادر الحلول تحت عنوان الإصلاحات الماليّة والاقتصاديّة. لكنّ أهل الحُكم ما كان لهم أن يُجمعوا على الاعتراف بحجم الأزمة، إلّا لأنّه لم يعُد بإمكانهم الاستمرار فى إدارة الشأنَين المالى والاقتصادى على المنوال الذى ساد طوال السنوات الماضية. وورشة الإصلاح ما كان لها أن تبدأ، لو لم يكُن هناك دافع مباشر، هو مؤتمر الدول مانحة المساعدات للبنان (سيدر)، الذى فَرض شروطا@ صارمة لصرف هذه المساعدات، تؤكِّد ضرورة السير بالتوازى بين تطبيق المشروعات والإصلاحات والتمويل الدولى. وقد بات معلوما أنّ الجهات المانِحة ستُراقب عن كثب، ومن دون هوادة، مسار الالتزام بموجبات صرف الأموال المرصودة.
حديث الموازنة
فى الظاهر، تبدو موازنة 2019 وكأنّها الوعاء الذى يجرى داخله تعريب مؤتمر سيدر، وترجمته إلى سياسة ماليّة جديدة للدولة اللبنانية. وهذا ما يجب أن يكون. فالموازنة فى أى دولة هى التى ترسم مَسار الخطوط العريضة للسياسات العامّة بشكلٍ شامل، وليس السياسة الماليّة حصرا، لأنّها تعبّر عن برنامج العمل السياسى والاقتصادى والاجتماعى للحكومة خلال الفترة الماليّة المُقبلة. وهى الأداة الرئيسة لتحقيق الأهداف السياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، التى يُمكن التعرُّف إلى مدى قدرة الدولة على تحقيقها من خلال تحليل أرقام الإيرادات العامّة والنفقات العامّة التى تفصّلها وثيقة الموازنة العامّة.
مثل هذا المفهوم الشامل للموازنة العامّة، لا نراه فى إعداد موازنة الدولة اللبنانيّة اليوم، التى تبدو فى مجملها وكأنّها تنفيذ عملى لأحد دروس التدبير المنزلى، فى عصر النفقات والاقتصاد فى المصاريف العامّة، والاستغناء عن نفقات أقلّ ضرورة... إلخ. والأنكى أنّ هذا المسعى «التقنى» فى سبل «عصر» المُوازنة أَبرز نهجَين مُتصادمَين داخل أهل الحكم، أحدهما يدعو إلى أن يشمل التقشّف فى الإنفاق رواتب الوظائف العامّة ومخصّصاتها، والثانى يحرِّض على البنوك التى يرى أنّ عليها أن تموِّل العجز. ومثل هذا الخلاف كان طبيعيّا أن يطفو على السطح، لأنّ مَن يتولّون أمر السعى لإعداد الموازنة، يهمّهم أن تخرج بالّتى هى أحسن، وبما يلبّى أحد شروط «سيدر» الرئيسة.
بهذا التوجُّه، يبقى الكلام على موازنة تعنى رسم الخطوط العريضة للإصلاح المنشود، لا يتعدّى الظاهر والقشور، وهذا ما يكشف أنّ العقليّة الإصلاحيّة بعيدة عن مفهوم أهل الحكم الذين اضطرّوا إلى خوض معركة الإصلاح، بعد أن أُسقط بأيديهم، حين لم يعُد بالإمكان مراكمة السياسات الخاطئة، فى تسيير أمور الدولة ماليّا واقتصاديّا. وبهذا المعنى، تظهر الإصلاحات، التى يجرى الكلام عليها بصخب مبالغ فيه، تجميليّة أكثر من كونها تطاول الأُسس الواجب اعتمادها لمُعالجة الأخطاء، بل الخطايا المُتراكِمة، ولتحقيق النمو المُرتجى، والتأسيس لاستقرارٍ مكين الدعائم.
مَكمن العلّة
قد يكون مناسبا تثمين الجهد الحكومى اليوم بالقول «إن تأتى متأخّرا خير من أن لا تأتى أبدا»، لو أنّ الذى يجرى ليس إلّا نتيجة إدراك لدى أهل الحكم لواقع أنّه لم يعُد بالإمكان تحصين الصيغة التوافقيّة التى يحكمون البلاد من خلالها، من دون «هدنة» فرضَها واقعُ شبه استحالة مواصلة نهج الاستدانة لمُمارسة الهدر، الذى هو «الاسم المُعتمد» للفساد والسطو على المال العامّ بالقانون أحيانا... هدنة تكون فرصة لاتّقاء عواقب فلتان الأمور وسيادة الفوضى... هذا، مع العِلم أنّه ما من ضامن يضمن استمرارا طويلا لهدنة تقوم بين أطراف لا يجمعهم غير الاتّفاق على «التوافقيّة» طريقة حُكمٍ يتحاصص أطرافه مفاتيح السلطة، ومقادير المال العامّ، وتدوس أعرافه على أبسط مفاهيم الديمقراطيّة، وتتنافى مع أصول المُمارسات البرلمانيّة، من معارضة وموالاة، فى بلد ينصّ دستوره على أنّ نظامه برلمانى.
ما يعزِّز هذا الأمر هو أنّ الحكومة الحاليّة، كما سابقاتها، لم تبدِ الحرص المطلوب على حماية مُمتلكات الدولة، وتحصيل ما تستحقّ من واردات. ثمّة مَوارد هائلة تضيع على الخزينة، من التهرّب الضريبى والسياسة الضريبيّة العرجاء، إلى التعدّى الصريح على الأملاك العامّة واستغلالها بجشع مُبالغ فيه، إلى التهريب عبر المَنافذ البريّة والبحريّة والجويّة، والتلاعُب بالرسوم الجمركيّة. وكلّ هذه المَوارد لو جرى ضبطها وتحصيلها لما كان ثمّة من عجزٍ فى الموازنة.
لعلّ ما لا يجهله أحد أنّ الهدر الأكبر يتمّ على يد الأطراف المتحكّمة بمَفاصل الحُكم وشئون الدولة، إذ يعزّزون مقدّرات سلطاتهم بما ينهبونه من المال العامّ. وثمّة معطيات كثيرة تعزِّز اتّهام هؤلاء بالحرص على استمرار أزمة الكهرباء التى تستنزف الخزينة بما يقارب المليارَى دولار سنويّا.
هكذا يصبح حديث أهل الحُكم عن الإصلاح مدعاة تساؤل عن مدى جديّته، ما دام الإصلاح والمُحاسَبة لا يشملانهم، بل إنّ أيّا منهم ليس مستعدّا للحدّ الأدنى من التضحية. وسقوط اقتراح تخفيض رواتب الوزراء والنوّاب ومخصّصاتهم أبلغ دليل... وبالتالى، يصبح من «الطبيعى» أن يرفض الإصلاحَ كلُّ متضرّر منه، بهذه النسبة أو تلك، وتتحوَّل المُحاسَبة إلى غير ما يجب أن تستهدفه.
وإذ يغيب عن سياسات الحكومات المُتعاقبة أى نظرة متكاملة إلى المستقبل، تشمل التخطيط لتحفيز النموّ وتشجيع الإنتاج ومُكافحة البطالة، وخصوصا بين الشباب وخرّيجى الجامعات، يصبح الإصلاح «التقنى» عامل تأخيرٍ للمصيبة وليس إصلاحا بنيويّا وتصويبا للمَسار الحالى.
غياب النهج الإصلاحى عن إدراك الحكومات المُتعاقِبة، سببه انتهاجها سياسة «اللّا سياسة» والسبب أنّ الدولة فى لبنان غير مكتملة الأركان التى تتّصف بها الدول الحديثة. وفى غياب مثل هذه الدولة، كانت الحكومات المُتعاقِبة تسيِّر الأمور بشكل أو بآخر وسط اطمئنان، لا سند له، بأن ليس من خطر كبير يلوح فى الأفق، وهو اطمئنان مصدره ثقة كاذبة بجدوى الاستدانة، وغير ذلك من سياسات ماليّة واقتصاديّة واجتماعيّة، لا ينظِّمها برنامج صريح أو تسلك منهجا عقلانيّا فى إدارة متطلّبات تحقيق النموّ وتحسين فُرص العمل.
المَخرج... سياسىّ بامتياز
عندما تكون السياسات المتّبعة أبعد ما تكون عن السياسة بمفهومها المذكور، تصبح الحاجة ملحّة إلى تغيير النهج المولِّد للأزمات، بنهجٍ سياسى آخر، إذ إنّه لا يستقيم إصلاحٌ مع بقاء الحكم بعيدا عن أن يكون تجسيدا لدولة القانون والمؤسّسات، واستمرار سيادة التحاصُص الطائفى، والولاء للزعيم، قاعدة لتقاسم الوظيفة العامّة والمناصب ونهْب مَوارد الدولة، حتّى فى المشروعات التى تُتّخذ فيها قرارات «بالإجماع»!
سيكون على الحكومة أن تعمل لترسيخ عوامل الاستقرار فى البلد. وهذا يتطلّب انتهاج سياسة حكيمة، متوازنة فى العلاقات مع الخارج، مع تغليب التوجّه العربى، على ما عداه. ذلك أنّه قد ثبت وفى محطّات كثيرة أنّ الاحتضان العربى للبنان، الذى تُرجم غالبا بمساعدات سخيّة وضخّ أموال وفيرة فى اقتصاد البلد، هو الضمانة العمليّة التى تجعل من الضمانات الدوليّة ذات فعاليّة إيجابيّة.
لا يُمكن التهرّب، بأى حال، من الاعتراف بأنّ لبنان يعيش فى قلب الأزمة التى تعصف بمحيطه العربى. ولا يُمكن التوهُّم بأنّ لبنان لن يتأثّر بالعقوبات الأمريكيّة على إيران وحزب الله، هذا واقع يفرض على أهل الحكم اعتماد سياسة ترى إلى مصلحة البلد كأولويّة بعيدا عن سياسة المحاور، ولا تقوم إلّا باستعادة الدولة كامل صلاحيّاتها، التى نصّ عليها الدستور ونظَّمتها القوانين.
سيكون على الحكومة اعتماد سياسة واضحة فى التعامل بإيجابيّة مع الدول العربيّة التى تسلك نهج الواقعيّة فى سياساتها الخارجيّة، وتُواصل منذ سنوات مشروعات متكاملة للتنمية والتطوير داخليّا، كالسعوديّة والإمارات والكويت. فهذه الدول كانت ولا تزال تشكِّل حاضنة لا غنى عنها للبنان. فلطالما كان الموقف العربى الذى تقوده السعوديّة يمثِّل تعزيزا لحضورٍ هدفه بقاء لبنان فى حاضنته العربيّة، التى تجد سندا لها فى حرص دول كبرى على استمرار الحاضنة الدوليّة لاستقرار لبنان... وفى المقابل، يحتاجُ لبنان إلى موقفٍ عربى دولى يجعل من احتضانِ لبنان قرارا استراتيجيّا.

النص الأصلى:من هنا

التعليقات