فلسفة القبح - داليا شمس - بوابة الشروق
السبت 5 ديسمبر 2020 1:35 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

مع أم ضد استمرار التعليم عن بُعد إذا انتهت أزمة كورونا؟

فلسفة القبح

نشر فى : الأحد 30 أغسطس 2015 - 6:10 ص | آخر تحديث : الأحد 30 أغسطس 2015 - 6:10 ص

تصالح عجيب مع القبح، هو ما يحرك المصريين الآن. تلال القمامة والغبار لا تزعج أغلبهم، يمرون إلى جانبها فى سلام، وكأنهم لا يرون العمال وهم يقلبون محتواها على الأرصفة بغرض الفرز. بنايات الأحياء العريقة التى كانت يوما جميلة واشتهرت بمعمارها صارت خربة ومتهالكة، رغم محاولات الحكومة لكى تبدو أفضل حالا بطلاء البيوت خارجيا، لكنه يظل مجرد طلاء خارجى لا يمكن أن يصلح كل ما أفسده الزمن والإهمال وسوء الاستخدام. مداخل المدن ولافتات المحال والمراكز التجارية والمشروعات العقارية تلاحقنا، مصيبة بصرية تلو الأخرى. جزر النيل زحفت عليها العشوائيات، بما لا يدع مجالا للبراح. أسطح المنازل بما عليها من نفايات وكراكيب تمتد على مرمى البصر، تنمو وسطها أطباق الدش وقد تراكمت عليها طبقات الأتربة. غابة من الإسمنت والطوب دون أى تناغم فى النسب والمقاسات، ما يجعل المدينة والبلد ككل فى أقبح حالاتها. أما سكانها فهم متعايشون مع كل هذا القبح، اعتادوه على مر السنين حتى لم يعد يصدمهم، بل تغيرت مقاييس الجمال لديهم لتشمل الكثير من خصائص القبح.

***

تغير الذوق العام وتربع القبح على العرش فى ثبات، وهو ما يجعلنا نشاهد من حولنا طرازا مختلفا من العمارة لا نعرف أصلها من فصلها، عمارات وقصور وفيلات تباع بالملايين على بشاعتها وفساد ذوقها، لكنها على ما يبدو ممثلة لذوق الأغلبية التى تجد فيها نوعا من الجمال.

هذا القبح انتقل من الشارع إلى البشر، فأصبح هؤلاء على شاكلة بيوتهم، بلا روح، وقد تسلل فساد الأمكنة وابتذالها إلى داخلهم. ارتبط القبح الخارجى الملموس أو المرئى بالبشاعة المعنوية والأخلاقية، كما لو أننا بصدد شخصيات أدبية مثل «ترسيت» أحد أبطال «إلياذة» هوميروس الشهيرة، الذى جمع بين دمامة الشكل وسوء الخلق، بصفتهما وجهين لعملة واحدة أو امتدادا طبيعيا لبعضهما البعض، قصده المؤلف لما له من رمزية.

***
لا يمكن لمن تربى وسط كل هذا القبح أن يثور يوما بسبب أزمة النفايات كما حدث فى بيروت أخيرا (مع العلم بالطبع أن الأزمة اللبنانية الأخيرة لها أبعاد طائفية وتقترن بملف الفساد). لا يمكن أن يغضب لقذارة المدينة وقد امتلأ هو نفسه بالوسخ، دون أن يعى ذلك أو يوقنه. بناياته تشبهه، قبيحة مثله، مسخ فى مسخ. يشعر أمامها من لم تختل معايير الجمال لديه ولم يصبه داء التلوث البصرى، لسبب أو لآخر، بالمعاناة والاختناق من هول وبشاعة المشهد العمرانى. يشعر أيضا بالاغتراب الشديد لأن كل ما حوله لا يشبهه ولا يعجبه ولا يستطيع التعامل معه. يتساءل هل أنا من اختل ذوقه، بما أننى لا أتبع المعايير الجمالية نفسها؟ لماذا لا يفتح لى ما تعتبره الأغلبية جميلا بابا نحو السماء؟ لماذا لا تثير بناياتهم خيالى وتسمح لى بالتنفس؟ لماذا تعج التفاصيل المحيطة بالتلوث البصرى؟ لماذا أفقد الاتزان كلما وقفت خلف النافذة لأراقب الكتل والعلب والصناديق المتراصة، فتصيبنى حالة من الغثيان المبرر؟ رغبة عارمة فى التقيؤ والصراخ: لا تصالح.. لا تصالح القبح، العديد من ملامحه وتداعياته لم يتم دراستها اجتماعيا ونفسيا بعد. راجع مقاييس المحبب والكريه، الجيد والردىء، وإلا فالمدينة بمن عليها لن تعد تحتمل. لا تصالح.

التعليقات