واحة الغروب - إكرام لمعي - بوابة الشروق
الأحد 24 يناير 2021 6:32 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع وصول منتخب مصر لنهائي كأس العالم لكرة اليد؟

واحة الغروب

نشر فى : الجمعة 30 يونيو 2017 - 9:30 م | آخر تحديث : الجمعة 30 يونيو 2017 - 9:30 م

واحة الغروب هى الرواية الأروع ــ بحسب وجهة نظرى ــ التى كتبها بهاء طاهر ذلك لأنه لخص فيها بشكل مميز ذلك الصراع الأبدى بين الشرق والغرب بين الرجل والمرأة بين رجل الشارع والسلطة الحاكمة بين أصحاب الأرض والغزاة، إنها قصة الضابط محمود المصرى الوطنى الذى أيد ثورة عرابى التى فشلت واعتبر عرابى خائنا للوطن وكانت حجة الإنجليز لاستعمار مصر، وعقابا لمحمود أرسل ليكون مأمورا على واحة الغروب (واحة سيوة) تلك الواحة التى كانت مستقلة تحكم نفسها بنفسها وسكانها من الأعراب من تونس وليبيا وكانوا تابعين للملك السنوسى ملك ليبيا، وللواحة تركيبتها الثقافية الفريدة من أجواد (الأغنياء وأصحاب السلطة) والزجالة (العمال أو الخدم أو العبيد) هذه الواحة تعبر عن البعد التاريخى الفرعونى لمصر بمعابدها الأثرية، هذا فضلا عن زيارة الإسكندر الأكبر لها حيث تلقى الوحى فى المعبد الشهير هناك عندما دخل وحيدا تاركا جنوده خلفه إلى حيث تمثال الإله على عرشه الذهبى وإذ بالإله يعلن لكاهنه وحيا فى قدس الأقداس المعتم ووسط غيمة البخور حيث جاء الصوت عميقا هادئا: «إن الآلهة اختارت الإسكندر فرعونا لمصر وإن إلاههم حورس تدخل فى بدنه» وهكذا بدأ الكهنة يهللون ثم الجماهير بعدهم يهتفون باسم الفرعون الجديد وبكى الرجال والنساء من الفرح.
بعد خروج الإسكندر إلى جنوده قال له واحد منهم: إذن أنت الآن إله؟ فأجاب نعم قال «كنا سعداء بأن بطلا فحسب هو الذى يقودنا إلى النصر» وهناك من يقول إنه دفن فى هذه الواحة وصاحبة هذه النظرية باحثة يونانية تدعى «لينا سونالترى» وأخذت إذنا بالتنقيب فعلا ولم تصل لشىء.
***
نرى فى هذه البقعة من العالم التناقض الإنسانى والسياسى العجيب؛ فهذه الواحة استولى عليها الوالى محمد على (1805ــ1844) وأصبحت مستعمرة مصرية منذ ذلك الوقت، ثم قامت إنجلترا باستعمار مصر عام 1881 ومن الواضح هنا أنه كما أن إنجلترا كانت ترفض إعطاء الاستقلال للمصريين كانت مصر ومن قبل استعمار إنجلترا لها بخمسين عاما تستعمر الواحة وترفض إعطاءها الاستقلال مستخدمة العنف الشديد والقمع لثوراتها الشعبية والذى أدى إلى اغتيال آخر مأمورين قبل تعيين محمود عليها، أليس هذا تناقضا تاريخيا وأخلاقيا وسياسيا؟! ثم يبرز لنا ذات التناقض فى شخص بطلنا محمود ذلك الرجل الوطنى حتى النخاع يتزوج من أيرلندية المستعمرة لوطنه حيث كانت فى رحلة نيلية وكان هو من حرس الدهبية وقد أعجبت بملامحه المصرية وهو اشتهاها على حد قولها عن جميع المصريين الذين عرفتهم «تسيل من عيونهم نظرة شهوة مستجدية كدموع الشحاذين» ويوضح بهاء التناقض بين الحضارتين فى الهلع الذى أصاب المأذون الذى يعقد قرانهما وهو يرى رجلا مسلما وضابطا محترما يتزوج امرأة أجنبية من غير دينه. يقول: كان يوجه أسئلة فيطل ارتياح متزايد من عينيه ويكرر الجواب كأنه لا يصدق نفسه ليست بكرا؟! أرملة؟ أكبر منه بسنتين؟ لا ينوب عنها فى عقد الزواج أب أو أخ؟ تزوج نفسها بنفسها؟! وفى المقابل عندما ذهبت للسفارة لتسجل زواجها كانت أسئلتهم تتزوجين مصريا؟! وتتزوجينه بحسب شريعتهم؟ وقبل الرجوع إلينا هنا؟ هل تعرفين حقوقك التى ضاعت؟؟
أما شخصية محمود فهى مليئة بالتناقضات كمعظم المصريين «لا أفهم كيف كنت أفعل كل هذه الأشياء دون تردد، كان كل شىء يسلم إلى الآخر بسلاسة دون أى قلق أو تأنيب ضمير ــ كما لو كان طبيعيا جدا أن أسكر وأن أتردد على المحفل الماسونى وأضاجع النساء وأذهب إلى حلقة الأفغانى وأدور مع أبى والمريدين فى حلقة الذكر» هناك تناقض آخر فى الواحة بين الشيخ صابر شيخ الشرقيين والشيخ يحيى شيخ الغربيين قبيلتان تتحاربان دائما ولا يوحدهما سوى مقاومة المحتل المصرى الذى يمثله المأمور الذى يجمع الضرائب المكونة من التمر والزيتون، يسيطر على الواحة والقبيلتين الخرافة والسحر والجهل، فالشيخ صابر معه كتاب نبوءات عن خراب العالم، وهم يعتقدون أن هناك كنزا فرعونيا سوف يفتح فى يوم من الأيام لهم وهم حريصون عليه، المرأة بالنسبة لهم شيطانا أو هى كما مهملا يتحكم فيه عادات وتقاليد بالية، الجهل والفقر والمرض يسيطرون على الواحة لا يوجد بها مدرسة أو مستشفى إنها نموذج واضح للعالم الثالث المتخلف بكل تناقضاته، وهى فى نفس الوقت نموذجا للعالم كله فى صراع الحضارات فالفرعونية لها تأثيرها مع الإسلام والبدو مع السلطة التى تتمثل فى المصريين المسيطرين والحكام للواحة مع الباحثة التى جيوشها تحكم مصر.
***
فى وسط هذا العالم الذى يبدو معتما بلا مستقبل فى قلب هذه الصحراء ينبت الفن والجمال والحب والمستقبل، هذه العناصر التى تقاوم الجهل والتخلف كانوا ثلاثة رجل وفتاة وامرأة أجنبية، كان الرجل هو الشيخ يحيى المثقف الفاهم المنفتح على العلوم والطب ويعالج الآخرين بالأعشاب يرى أن هناك مسافة شاسعة بينه وبين أهل عشيرته؛ إنهم لا يفهمونه يتركونه ويجرون خلف خرافات الشيخ صابر الذى يؤمن بالكنز وبنبوءات خراب الكون ونهاية العالم البائسة، يرفضون الشيخ يحيى الذى يقدم لهم النور والحب ورقى الذات وقبول الآخر، لقد عاش يقدم رسالته وهو مغلوب على أمره لم يستطع المقاومة ولم يغير شيئا فى الواحة بل إن الشيخ يحيى لم يستطع أن ينقذ شعلة النور التى نبتت فى بيته تلك الفتاة الصغيرة التى رفضت بسليقتها كل الخرافات من لبس الجان لجسد الإنسان وقد قاومت بشدة هذه الشعوذة، إنها الفنانة التى كانت تصنع من طين الصلصال تماثيلا يطلق عليها الجهلاء مساخيط والتى رفضت أن تتزوج الرجل العجوز الذى اختاروه لها لكنهم زوجوها بالقوة فلجأت إلى الشيخ يحيى خالها الذى اكتشفها منذ صغرها وشجعها على الطريق الذى تسلك فيه وقام بحمايتها فى البداية، لكن لم يستطع منع زواجها وعندما هربت من بيت زوجها لم يحمها، وعندما مات زوجها أصبحت «غولة» أى عليها أن تلبس جلبابا أبيض ولا تستحم ولا تغسل شعرها لمدة أربعة أشهر وعشرة أيام، لأن معنى أن زوجها مات فهى شيطانة أوغولة كل من يقابلها أو يتحدث معها يصاب باللعنة، لكنها قاومت، ولجأت إلى كاترين نموذج المرأة الغربية العالمة المثقفة لكنها خذلتها ولجأت إلى السلطة ممثلة فى المأمور الذى طردها من بيته، وكانت النهاية قتلها إنه نفس موقف الحضارة الغربية التى ترى أنه لا فائدة ترجى من استنارة الحضارة الشرقية ونفس موقف السلطة فى بلاد العروبة التى تقف وتؤيد الخرافة وتغازل التشدد الدينى ضد الاستنارة، أما النموذج الثالث فقد كانت فيونا أخت كاترين التى تحب وتخدم الجميع. تحترم جميع الأديان، إنها الروح الإلهية التى تقبل الكل.
من الواضح هنا أننا نرى الاستنارة ورفض الخرافة والجهل لا يتوقف عند حضارة معينة أو عرق أو جنس بذاته لكنها فى قلب الحضارة الإنسانية، حيث اتفق يحيى وهو رجل بدوى مع مليكة وهى فتاة صغيرة مستنيرة بطبيعتها مع فيونا المرأة الغربية التى تتسم بالشفافية.
لقد حاولت كاملة أبو ذكرى أن تبرز بعض هذه الأفكار لكن الهدف ضاع منها فى بطء الإيقاع وفى أحاديث الذات الطويلة وفى عدم وجود حركة درامية يلهث خلفها المشاهد حتى النهاية.

إكرام لمعي  أستاذ مقارنة الأديان
التعليقات