الشرق الأوسط ــ لندن: على هامش الانتخابات الأوروبية - صحافة عربية - بوابة الشروق
السبت 7 ديسمبر 2019 11:31 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل توافق على سن قانون جديد لمكافحة الشائعات وتشديد عقوبة مروجيها؟

الشرق الأوسط ــ لندن: على هامش الانتخابات الأوروبية

نشر فى : الخميس 30 مايو 2019 - 9:50 م | آخر تحديث : الخميس 30 مايو 2019 - 9:50 م

نشرت جريدة الشرق الأوسط اللندنية مقالا للكاتب «حازم صاغية» وجاء فيه:
من السهل تعداد الرسائل والصفعات التى وجهتها الانتخابات الأوروبية: اليمين الشعبوى، خصوصا فى إيطاليا وفرنسا وبريطانيا، حقق تقدما ملحوظا، لكنه لم يحرز ما أراد. جرس الإنذار بات أعلى صوتا، لكنَ الشروط اللازمة لتجنب المأساة لا تزال متوافرة، وإن كانت بحاجة إلى التفعيل وإلى قيادات تنجز ذلك. تأكد كم أن الأحزاب الوسطية والتقليدية لليمين واليسار سائرة إلى انحسار، فيما بات حاسما أن الاتحاد الأوروبى مطالَبٌ بأن يعيد اختراع نفسه على نحو أقل بيروقراطية وأكثر جاذبية. وبدوره أصبح التعاون بين مؤيِدى أوروبا فى البرلمان الجديد مسألة قاهرة. إنَ صد التأثير الشعبوى يحتل أولوية الأولويات، لكن الاستجابة للهم الاجتماعى يبقى الشرط الشارط لصد ذاك التأثير. الأولوية هذه تسخف الخلاف الفرنسى ــ الألمانى حول رئيس المفوضية.

الإقبال المرتفع على التصويت، حتى لو كان الصعود الشعبوى أحد أسبابه، قدم شهادة على أن الديمقراطية ما زالت تعمل، وشهادة أخرى على أن أوروبا لا تزال موضوعا أساسيا فى حياة الأوروبيين إيجابا وسلبا. كذلك قال التصويت للبيئويين الخضر إن القضايا العابرة للحدود، والتى لا تُعالَج على نطاق وطنى، تحتل موقعا بارزا فى الوعى والسلوك. وحين تكون الشبيبة أبرز مؤيدى الخضر فهذا يشير إلى وجهة مستقبلية واعدة. هنا يكمن أحد الأساسات التى يُبنى عليها فى مواجهة القوميين.

لكنْ لا بأس بالرجوع قليلا إلى ما يمكن أن نسميَه استراتيجية الخداع الشعبوى. فقبل ثلاث سنوات بدا «بريكزيت» خصبا وولادا كالقطط فى فصل الشتاء: إنه البديل الأوحد عن أوروبا. لفرنسا سيكون هناك «فريكزيت»، ولإيطاليا «إيتاليكزيت»، ولدويتشلاند، أى ألمانيا «ديكزيت»، ولنيذرلندز، أى هولندا «نيكزيت»...

هذه ليست أسماء ألعاب للصغار. إنها طرق فى كسر أوروبا واقتراحاتٌ خفقت لها قلوب ملايين: أوروبيون يريدون ألا يكونوا أوروبيين، طحنتهم العولمة وحاصرتهم النيوليبرالية وأرعبتهم الهجرة. أما أنانية النُخب السياسية فنفرتهم من النُخب ومن السياسة. معاناتهم كانت فى جزء كبير منها حقيقية وصادقة، إلا أنها نطقت بلسان كاذب.

لقد قال لهم قادتهم الشعبويون إنهم ضد فساد النخب. هذا كذب. آخر الحوادث وأشدها فداحة كان بطلها واحدا من هؤلاء الشعبويين: هاينز كريستيان ستراشه من «حزب الحرية» النمساوى شبه الفاشى.

القادة الشعبويون قالوا لهم أيضا إنهم قوميون وسياديون. وهذا كذب. روائح بوتين وترامب تفح من معاطفهم. ففضلا عن ستراشه المتورط مع الروس، تلقت مارين لوبن قرضين من المصارف الروسية بقيمة 11 مليون يورو دعما لحملتها الانتخابية. التحقيقات مستمرة فى احتمال تورط البريطانى نايجل فاراج، مؤسس «حزب بريكزيت» الجديد، بدعم روسى لحملته إبان الاستفتاء. فى المقابل، بات الزعيم الهنغارى فيكتور أوربان يوصَف بـ«رجل دونالد ترمب» فى أوروبا.

لكن كذبة الأكاذيب عاشت أقصر الأعمار: «بريكزيت» نفسه، تلك القطة الولادة، راح يتخبط بدمائه. استقالة تيريزا ماى، بعد محاولات الإنقاذ الفاشلة، ظهرت المعضلة. مَن سيرثها فى رئاسة الحكومة سوف يرث معضلتها حكما. أما إذا حل محلها بهى الطلعة بوريس جونسون، راكبا رأسه بالخروج من الاتحاد دون اتفاق، فأغلب الظن أن رئاسته سترتب نتائجَ مُرة هذه بعضها: سيتضرر البيزنس الذى يعتمد بريطانيا طريقا للوصول إلى الأسواق الأوروبية تصديرا واستيرادا. ستضمحل فرص عمل كثيرة. ستتوجه استثمارات إلى بلدان أخرى. سيضعف الإسترلينى ويرتفع التضخم بما يخفض مستوى المعيشة..

محنة «بريكزيت» هذه مثلت اصطدام الأيديولوجيا بالواقع: الذين توهموا أنهم يعرفون الحقيقة كلها بعيدا من التجريب والمقارنة، بل على الضد منهما، هاجمهم الواقع على نحو مُخجل لأفكارهم. لقد ظنوا أن آيديولوجيا «بريكزيت» تفتح لهم، باسم ماضٍ إنجليزى خرافى، أبواب المستقبل، فإذا بالحاضر والمستقبل يَنسدان معا.

الجمهور الشعبوى فى بريطانيا آثر المداواة بالداء نفسه. هكذا صوت لـ«حزب بريكزيت». لكن الراغبين فى استيراد «العلاج» من لندن أُصيبوا بالجفلة. استراتيجيتهم تغيرت: استضافهم فى ميلانو «القبطان» ووزير داخلية إيطاليا ماتيو سالفينى حيث احتفلوا بخطتهم لتغيير أوروبا من داخل مؤسساتها، وبجعل القارة «أصيلة» و«جديدة» معا. وسيلتهم هى انتخابات البرلمان الأوروبى التى أرادوا لها أن تجعلهم الكتلة الثالثة الوازنة، علما بأنهم يختلفون حول أمور كثيرة تمنعهم من التحول إلى كتلة: حول روسيا، وحول حصص المهاجرين واللاجئين، وحول سياسات اقتصادية من طبيعة رعائية... مع هذا فأوروبا وقيمها، التى ينبغى أن تقوى، هى ما يريدون إضعافه، والأخطر أن يترافق إضعافها، عبر انتزاع الصلاحيات من مؤسساتها الاتحادية، مع الميول الإمبراطورية لتعظيم قوة أمريكا ترمب وروسيا بوتين وصين جين بينج. فضائح ستراشه ولوبن وفاراج والآخرين لم تضعف عزائمهم ولم تحرك عقولهم.

لمثل هؤلاء لا يُعطى مجد أوروبا.

التعليقات