تشنج - داليا شمس - بوابة الشروق
الأحد 8 ديسمبر 2019 12:03 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل توافق على سن قانون جديد لمكافحة الشائعات وتشديد عقوبة مروجيها؟

تشنج

نشر فى : السبت 30 أبريل 2016 - 9:40 م | آخر تحديث : السبت 30 أبريل 2016 - 9:40 م
الهواء جاف خانق، وكل ما حولنا فى حالة تشنج: الخطاب، الوضع العام، الفرق المختلفة من معارضة أو موالاة، من لا يعنيهم الأمر برمته، أجهزة الارسال المرئية والمسموعة والملموسة المستنفرة لنقل ما يحدث، سيارات الاسعاف والمرور بأبواقها الزاعقة، من يبيعون الشاى والقهوة على الكورنيش، من يشترون منهم، ومن يحاولون طردهم إلى مكان آخر أو أخذ إتاوة منهم... البعض ينتظر غلطة من البعض الآخر لكى ينقض عليه وينتف ريشه وإذا أمكن يقضى عليه.

***

نجىء ونروح، ويأتى غيرنا ويذهبون. نكنس الأرض، ثم نغرقها بالماء ليضمد التراب، لكن يبقى هناك وجع مقيم، هو نتاج أكثر من ثلاثين عاما من الهدم والبناء المزدحم. لذا تسود هذه الحالة من التشنج الدائم، ويزداد التقلص مع الضغط العصبى، فى ظل المرحلة الحساسة والظروف المصيرية. نجد أنفسنا محاطين بأفراد كهؤلاء الذين يظهرون فى حملة دعاية للتجمعات السكنية خارج القاهرة، هؤلاء الذين يتحولون فجأة إلى مارد أخضر عملاق قادر على تحطيم كل ما حوله من فرط الغيظ، فى غضون لحظات، لأنهم أيضا لم يصبحوا قادرين على تحمل المزيد. ضلوع تتكسر وأصوات تشهق مرة واحدة، تشق السماء. هناك دوما حولنا من يلتفت صوبك بعصبية، قد تجدها أحيانا غير مبررة، لكنها تؤدى حتما لتأجيج الوضع.. وضع البلد والوضع الشخصى، لا فرق. هى وجوه الأزمة، تتجلى ملامحها فى فك شخص يخرج عن مداره المعتاد، ليصير بارزا متشنجا، دون أن ينطق صاحبه بكلمة أو دماغ تشبه نسرا مضروب الرأس أو حركات أصابع رجل مضطرب يزداد سعاله ويرمى سيجارة تلو الأخرى تحت قدميه. نعيش فى «مورستان» كبير، وكأن الناس قد تلبسّهم الجن. ألسنا من نوعية الأمم التى تفسر الأخطاء والمصائب التى تقع عليها بأمور غيبية هربا من الواقع، بدلا من الوصول إلى حل جذرى للمشكلة؟

***

البشر، منهم الأصدقاء، تتبدل أحوالهم.. غالبا إلى الأسوأ، بحكم ما أسميه «عوامل التعرية»، أى كل ما يتعرضون له، سواء من تراكم للخبرات أو جراح وصدمات متكررة. شيء ما غير سوى يعتريهم. يستدعون كل الذنوب، ينقلبون بغتة ويدخلون فى نوبات تشنج. أنظر للوجوه من حولى: تيبس، غضب، حنق، أجساد ترتجف وأياد ترتعش، شعر مبعثر، عرق يتصبب بين أنف شامخ وشفتين، عيون تتسع أو تنقلب إلى أعلى، عضلات تتصلب، وكأن حالة صرع قد ضربت الجميع ويجب أن نصبر عليها حتى تزول. هل نمر باختلال مؤقت فى النشاط الكهربائى الطبيعى للمخ داخل مجتمعاتنا كما يحدث للأشخاص عندما يصيبهم الصرع وينتج عنه اضطراب تشنجي؟ أم هى مجرد تقلصات بسبب نقص الأكسجين والتلوث أو بسبب إصابة شديدة بالرأس بما أننا فى زمن السرعة والارتطام؟ إيقاع الحياة اللاهث لا يجعل البعض يعى حتى أنه صار بهذه الهيئة، لا يسمح لأغلبيتنا بتأمل الوجوه وتعبيراتها وتشنجاتها. لا نكترث بما حل بالأرواح لأننا نجرى يوميا لنلحق بشيء ما، حتى لا يفوتنا شيء ما. نجلس أمام الكمبيوتر فيزيد تشنج الرقبة، نقرأ الأخبار فيزداد تشنج الوجه. نتقوقع على أنفسنا وتتصلب الرؤى. عصبيتنا تعلن عن نوبة جديدة من التشنج، لا يمكن التعامل معها سوى بالصبر والانتظار، كما يحدث فى حالات الصرع: لا تقيد المصاب فى حالة التشنجات، لا تحاول كبح جماح حركاته، ضع وسادة تحت رأسه إذا أمكن، ودع النوبة تمر. لا تبعثر فى الكلام، واترك الأمور تأخذ مجراها.. قد تستعيد الضحكة بعد قليل، ويعود الوجه لطبيعته، وتعود معه القدرة على الفهم والتفهم.
التعليقات