«حزن غير محتمل».. الأم التى هزمت خوفها - محمود عبد الشكور - بوابة الشروق
الخميس 6 أغسطس 2020 12:16 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع احتواء أزمة كورونا في المنطقة والعالم قريبا؟

«حزن غير محتمل».. الأم التى هزمت خوفها

نشر فى : الخميس 30 يناير 2020 - 8:15 م | آخر تحديث : الخميس 30 يناير 2020 - 8:15 م

يؤثر هذا النص البديع فى قارئه عاطفيا، بالدرجة ذاتها التى تدفعه فيها للتأمل والتفكير، يستعصى النص أيضا على التصنيف التقليدى، فلا يمكن أن تقول عنه سوى أن ابنا كاتبا يرسم بورتريها لأمه المنتحرة الراحلة، ولكن لا هو كاتب عادى، ولا هى أم عادية فى حياتها وموتها، وبينما يقر الكاتب بعجز اللغة، وعجز الكتابة، عن ترجمة رؤيته لأمه، يثبت النص عكس ذلك، إذا كانت الكلمات عاجزة رغم هذا التأثير، فماذا لو لم تكن كذلك؟
«حزن غير محتمل» النص الفريد لبيتر هاندكه (نوبل فى الأدب 2019)، عن دار العربى للنشر والتوزيع، بترجمة رصينة رائقة للدكتورة هبة شريف، يكثف حكاية الأم بقلم ابنها بعد ستة أسابيع فحسب من انتحارها، كتبها هاندكه فى يناير وفبراير سنة 1972، وجاءت الكتابة ثمرة لفزع شعر به، وثمرة محاولة لقهر العجز عن ترجمة التجربة، أحسب أنه امتلأ فعبر، واختزن ففاض، ولكنه أيضا كان واعيا بمسافة افتراضية تجعله يتأمل النص والأم معا، العاطفة حاضرة ولكنها موظفة ضمن إطار محكم، أراد هاندكه أن يجرب مرتين: مرة بتسجيل غياب كالحضور؛ أى رحيل الأم، ومرة فى حضور يقاوم الغياب والعجز، وهو حضور النص، وكلما تشكك هاندكه فى فعالية ما يكتب، وعجز كلماته، تأكد لنا أن حضور الأم خارق، وغيابها ساحق؛ إذ يستعصى على اللغة نفسها.
هى، إذا، مشكلة حضور وغياب معا، وأيضا تجربة إنسانية بقدر ما هى تجربة جمالية، فالنص قصير ومكثف إلى درجة مذهلة، ومع ذلك تبدو تفاصيل بورتريه الأم؛ وزمنها، وألمها، ومرضها، وعائلتها، وقريتها، وزوجها، وعشيقها واضحة تماما، وكأنه اختار من حياتها أهم ما فيها، وأشبعها وصفا وتشريحا، وكأنه يراها من الداخل والخارج معا، يريدها أن تحضر كشخصية واقعية تماما، لأن شجاعتها فى أنها حقيقية، ولكنه يريد أيضا، ربما بشكل غير واع، أن يجعل من الكتابة عنها فنا، بأن يتحدى النص، مثلما تحدت هى ظروفها، وقد فعل هانكه ذلك، رغم تسليمه بأن الكثير يمكن أن تضيعه الكلمات.
فى ظاهر النص حكاية فلاحة بسيطة، أصرت أن تتعلم، نضجت مع صعود النازية، وأنجبت أطفالا شرعيين وغير شرعيين، وقاتلت لكى تعيش، وتجعلهم يعيشون، هاجمها مرض قاهر، جعل حياتها عذابا، وحولها إلى بقايا إنسانة، فانتحرت، وفى باطن النص ما هو أعقد وأكثر فنا: شخصية تراجيدية بامتياز، حبيبها الذى أنجبت منه بيتر لم يتزوجها، والرجل الذى تزوجته سكير ومريض، وهى أمام قوى قاهرة فى كل مرحلة من حياتها، حتى يدمرها المرض، ورغم خوفها من الموت، فإنها تنتحر، لذلك يقول هانكه إنه شعر «بالفخر»؛ لأن أمه فعلت ذلك.
يمكن القول إن قانون اختيار مناطق السرد درامى تماما، وهذا سبب قوة النص الإضافية، من السهل أن تصنع موقفا دراميا من سطرين عن هروب الأم، وإصرارها أن تتعلم، وموقفا آخر من سطور صعود هتلر والنازية، وثالثا للقاء بيتر لأول مرة مع أبيه، ورابعا من مظاهر المرض الغريبة، وخامسا من كتابة الأم لخطابات الوداع، وسادسا من لحظة انفراد بيتر بجسد أمه الميت قبل دفنها، بل إن السطور التى اختارها بيتر من خطابات أمه له لا تخلو أيضا من الدراما، ويصدق ذلك أيضا على صراع بيتر مع اللغة لكى ينحت منها تجربته الفنية، وتشككه فى جدوى اللغة المكتوبة فى مقابل بلاغة الموسيقى مثلا.
يثبت هذا النص، بالإضافة إلى شحنته الإنسانية الواضحة، أن التجربة الفنية ليست بعدد الصفحات، ولا هى بعدد الكلمات، ولكنها بالأساس فى اختيار الشكل المناسب للمادة، وفى تطويع الفنان للمادة، فالحكاية بأكملها يمكن أن تروى بطريقة كلاسيكية تماما، وبأضعاف التفاصيل التى كتبها هاندكه، ولكن النص ليس عن الأم وحدها، إنه عن الابن الذى يكتبها، وهو كاتب يصارع مادته، مثلما صارعت الأم ظروفها، ماتت هى، ولكنه لا يريد لنصه أن يموت، فى حياة النص حضورها من جديد، وحضوره كفنان وكاتب فى نفس الوقت.
أما حصاد التجربة فعظيم حقا: واقع صار فنا، وأم صارت نموذجا أدبيا، وحزن خلق متعة جمالية كتابة وقراءة، وموت صنع بقاء وخلودا، أما أسئلة ترويض اللغة والكلمات فستبقى أبدا، ما بقى كاتب، وما بقيت كتابة.

التعليقات