الجحيم الليبى والسورى.. - سمير العيطة - بوابة الشروق
الجمعة 10 أبريل 2020 11:36 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع احتواء أزمة كورونا في المنطقة والعالم قريبا؟

الجحيم الليبى والسورى..

نشر فى : الأحد 29 ديسمبر 2019 - 9:10 م | آخر تحديث : الأحد 29 ديسمبر 2019 - 9:10 م

ربّما كان لأحداث ليبيا فى 2011 أثرٌ أكبر على تلك التى عرفتها سوريا، من انتفاضات تونس ومصر اللتين أطاحتا فى يناير من ذاك العام برئيسيّ البلدين. انطلقت «ثورة» ليبيا فى 17 فبراير وتشكّل بسرعة لافتة وخلال اثنى عشر يوما فقط «المجلس الوطنيّ الانتقالى» الليبى ــ ما لم يحدث فى تونس ومصر ــ واعترفت به بعض الدول النافذة بعدها بأسبوعٍ فقط «ممثّلا وحيدا وشرعيّا للشعب الليبى». رغم أنّه لم تُعرَف هويّة أعضاء ذلك المجلس إلاّ بعد وقتٍ طويل. وأمام الزخم الإعلامى، لم تصمُد التحفّظات حول شرعيّة وشفافيّة هذا المجلس من أن يأخذ المسار السورى منحىً مماثلا مع تشكيل «المجلس الوطنيّ السورى»، واعتراف الدول ذاتها به «ممثّلا شرعيّا ووحيدا للشعب السورى». لكنّ المنحى السوريّ تعثّر بالمقارنة مع المنحى الليبى، حيث إنّ المجلس السوريّ لم يتأسّس سوى ستة أشهر بعد انطلاق الانتفاضة واستمرّ تواجد معارضة أخرى، سميَت إعلاميّا بـ«الداخليّة»، ذات حضور ملحوظ، ألزمته بتوقيع «وثائق القاهرة» فى يوليو 2012 بعد تسعة أشهر من تشكيله. ثمّ انهار المجلس السوريّ أسابيع قليلة بعد الاعتراف الدولى به كى يتمّ تشكيل «ائتلاف قوى الثورة والمعارضة» بديلا له.
فى 15 مارس 2011، أى بعد أقلّ من شهر على بدء الانتفاضة فى ليبيا، تمّ طرح مشروع قرار فى مجلس الأمن يطلب حظرا جويّا على البلاد، ليُقرّ بعده بيومين، وليأتى بعده بيومين تاليين التدخّل العسكريّ الغربيّ المباشر فى ليبيا، الأشدّ بكثير من الحظر الجويّ المُفترَض. وفى 15 مارس ذاته تمّ تسجيل انطلاق الانتفاضة السوريّة. وقد لعب تحوّل «الثورة» الليبيّة حينها إلى صراعٍ مسلّح مع تدخّلٍ خارجيّ أجنبيّ فى دفع شخصيّات وفئات من المعارضة السوريّة لتأجيج وعسكرة الصراع فى سوريا بحجّة أنّ التدخّل الخارجيّ آتٍ هنا أيضا لا محالة. وبلغ الأمر ذروته فى أغسطس 2011 بعد مقتل معمّر القذافى عبر نداءات فى وسائل الإعلام بأنّ النظام السوريّ سيسقُط قبل عيد الفطر.
لكنّ التدخّل العسكريّ الخارجيّ المباشر فى سوريا لم يأتِ حينها، رغم «الحلّ الأمنى» المجنون الذى انتهجته السلطة وتحوّل الانتفاضة السوريّة إلى السلاح والمناشدة الحثيثة عبر تسمية أيّام الجمعة بتوصيفات مثل «صمتكم يقتلنا» (والمقصود هو صمت المجتمع الدوليّ)، و«الحماية الدولية» و«الحظر الجوى». ولم تتبع سوريا تماما المسار الليبيّ، إلاّ أنّ «حرب تحرير» انطلقت فى يوليو 2012 بعد دخول «لواء التوحيد» ريف حلب، ليزداد مشهد الصراع السوريّ تعقيدا إلى أبعد الحدود مع تكاثر التنظيمات المتطرّفة والميليشيات على جميع الأطراف، وليتطوّر إلى صراعٍ بالوكالة بين الدول على سوريا وفى سوريا لا نهاية له على الأرض السوريّة وبأيديّ السوريّين.
شكّلت ليبيا ما بعد القذّافى لفترة طويلة مرجعا أساسيّا «للمجلس الوطنى» ثمّ لـ«الائتلاف». ومنحتهما غطاءً رسميّا كى يتصرّفا كـ«دولة». كما أرسلت فى مراحل متقدّمة مقاتلين ليبيين ومن المغرب العربيّ بأعدادٍ ملحوظة للتدريب والمشاركة فى «حرب التحرير». لكن سرعان ما تحوّلت هذه الآليّة لأداة بيد التنظيمات المتطرّفة فى البلدين. وبزغت فى سوريا فى 2014 كما العراق «الدولة الإسلاميّة». بالتوازى انطلقت فى ليبيا فى الوقت ذاته «الحرب الأهليّة الثانية» والتى لعبت فيها هذه التنظيمات دورا رئيسا.
***
إنّ قراءة للتحوّلات فى كلٍّ من ليبيا وسوريا، تُبيّن أنّ الانتفاضة على الاستبداد لم تستطع درء تحوّل الصراع إلى صراعٍ أهليّ. فى الحالة الليبيّة، سرعان ما أخذت الانقسامات العشائريّة والمناطقيّة دورا رئيسا مع تنافر النُخَب بين بنغازى ومصراتة، بعد تحجيم مثيلاتها فى طرابلس العاصمة. هذا التنافر له بالتأكيد أسس تاريخيّة وعقائديّة واقتصاديّة. كما لعب التنافر دورا بين بعض عشائر غرب ليبيا العربيّة وبين عشائر القبائل والطوارق والتوبو فى الغرب والجنوب. كذلك لم تستطع نخب مدينة حمص السوريّة، رغم عراقة انخراطها السياسى، منذ عهد الرئيس هاشم الأتاسى، إلى بعض شخصيّات معارضة «المجلس» و«الائتلاف»، فى درء تحوّل الانتفاضة فى هذه المدينة مُبكِرا إلى صراعٍ أهليّ طائفيّ بين المسلمين السنّة والعلويين.
بالطبع لعبت سلطة الاستبداد على هذه الانقسامات والهويّات الطائفيّة والعشائريّة والقوميّة وأجّجتها. وكذلك لعبت عليها القوى الخارجيّة كى تتصارع على النفوذ عبر أبناء البلد الواحد. لكنّ ذلك لا ينفى مسئوليّة نُخَب البلدين عن هذا التحوّل، خاصّة أنّ هدف «الثورة» كان الحرية والكرامة والمساواة فى المواطنة، لجميع الليبيين والسوريين بمعزل عن انتماءاتهم ما قبل الوطنيّة.
***
اللافت أيضا فى الحالتين واقع تقلّبات الدول المتصارعة بالوكالة، عبر تحالف مجموعة منها فى مرحلةٍ ما لدفع تطوّرٍ معيّن، ثم انقلاب هذه التحالفات كى تتنافس بل تتصارع بلدان المجموعة ذاتها، كلّ فى طرف. أو تتدخّل بالوكالة عبر طرف محلّى لتنتقل أحيانا إلى تدخّل مباشر لخدمة مصالحها الخاصّة. هذا يذكّر بأيّام التحالف والتنافس بين القوى الاستعماريّة فى القرن التاسع عشر، تحت غطاء «نشر الحضارة» سابقا كما «نشر الديمقراطيّة» حاليا، التى ظنّ الجميع أنّ الحرب العالميّة الثانية وتأسيس الأمم المتحدة قد أنهى زمانها. هكذا يبدو أنّ عصر تعدّد القطبيّة الدوليّة ليس أقلّ قسوة من الثنائيّة القطبيّة الأمريكيّة السوفيتيّة السابقة التى سادت فى ظلّ الحرب الباردة، بل ربمّا هو أكثر دمارا للبلدان والشعوب التى تتصارع على مصيرها القوى القديمة والصاعدة على السواء.
واليوم عاد التفاعل من جديد بين المسارين الليبى والسوريّ. فها هو الصراع الدوليّ فى ليبيا ينتقل كما فى سوريا من صراعٍ بالوكالة إلى صراعٍ مباشر. وها هم مقاتلو «معارضة» سورية يذهبون للقتال فى ليبيا إلى جانب مصراتة. وها هى دول «الأستانة» التى تدير الملفّ السورى تنقسم بين روسيا التى تساند بنغازى وتركيا وإيران اللتين تدعمان مصراتة. وها هما السعودية والإمارات إلى جانب الأولى وقطر إلى جانب الثانية. وها هى الدول الأوروبية تتشرذم داعمةً تارةً هذه وتارةً تلك. فى حين تفرض التنظيمات المتطرّفة هيمنة واسعة على صحراء جنوب المغرب العربيّ وتهدّد بإغراق الجميع، بما فيها دول «عُظمى». هذا كلّه سيكون له بالتأكيد تداعياته على دول جوار ليبيا، ولكن أيضا على الملفّ السوريّ الذى بدا أنّه على مسارٍ لحلٍّ عسكريّ ــ سياسيّ يضع حدّا نهائيّا له.
وربّ ضارّة نافعة كما يقال. فهذا التفاعل فى الكارثة يؤدّى إلى نشوء الوعى أنّ «الطائفيّة» المقيتة لا تحتاج إلى انقسامات مذهبيّة وقوميّة كى يلعب عليها الاستبداد والدول الخارجيّة. تكفى الاختلافات ضمن المذهب الواحد وكذلك المناطقيّة لتنشيط دورهما. وأنّ تخطّى «الطائفيّة» شرطٌ أساسيّ لبلوغ الحريّة والكرامة والمواطنة، واستبدال الدولة بشرعيّة خارجيّة لا جدوى منه، وأنّ حمل السلاح بهدف القمع أو لمواجهته كبير الثمن.. إنّه التبعيّة.. وفقدان الأوطان.

سمير العيطة رئيس التحرير السابق للوموند ديبلوماتيك النشرة العربية ــ ورئيس منتدى الاقتصاديين العرب
التعليقات