حلم العمود - داليا شمس - بوابة الشروق
الأحد 17 نوفمبر 2019 7:34 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما توقعك لنتائج منتخب مصر في كأس الأمم الأفريقية تحت 23 سنة؟

حلم العمود

نشر فى : الأحد 29 ديسمبر 2013 - 9:15 ص | آخر تحديث : الأحد 29 ديسمبر 2013 - 9:15 ص

فى ليلة 21 يوليو سنة 356 قبل الميلاد، أراد رجل يدعى هيروستراتوس تخليد ذكراه فى التاريخ بأن قام بحرق معبد الإلهة آرتميس، إلهة الصيد والحيوانات فى اليونان، والمعروفة باسم ديانا فى الميثولوجيا الرومانية. كان المعبد يعتبر من عجائب الدنيا السبع لضخامته، إذ شُيد على 127 عمودا فخما جاءت كلها هبات من الملوك.

وما كان من أهل مدينة إفسوس (فى آسيا الصغرى، وتقع حاليا فى تركيا) إلا أن قتلوا «خالد الذكر» هيروستراتوس، وعاقبوا بالموت كل من نطق باسمه لاحقا. رغب الرجل فى بناء أسطورته الشخصية على أنقاض أعمدة المعبد الذى لم يتبق منه شىء، ولا أظن أنه كان الوحيد، فعلى مر الزمن سمعنا وعرفنا العديد من البشر الذين ارتبطت أسطورتهم بعمود ما، يصعد بهم إلى مرتبة أسمى، كلٌ حسب عصره.

<<< 

 أحيانا يتعلق الأمر بعمود فى الجامع الأزهر وترجع شهرة الشخص فى هذه الحالة إلى كونه «شيخ عمود» أى شيخ ومعلم واسع المعرفة، يُدرس علوم الدين بمعناها الأشمل، مستندا على عمود من أعمدة الأزهر، ومن حوله الطلاب والمريدون.. وهكذا ذاع صيت شيوخ عمود مثل الشيخ المشد، والشيخ الشرقاوى، والشيخ عبد ربه سليمان.. ولم تخفت شهرة هؤلاء وغيرهم، إلا مع إنشاء الكليات بالأزهر وبلورة فكرة الجامعة، فحينها اختلف التدريس وطرقه وهيكلته التنظيمية. ولم يعد أقصى طموح لأب قروى أن يصبح ولده «شيخ عمود» بالأزهر يلتف حوله التلاميذ فى حلقات العلم، كما بدأت فى عهد المعز لدين الله الفاطمى، فيمنحه هذا الوضع قوة وهالة من القداسة، بما فى ذلك من إخفاء تام لكل صور الضعف والوهن والعجز.. والإنسان بطبعه مولع بالبطل المصنوع من قوى خيالية أو دينية أو وطنية أو خرافية.

<<< 

هناك أشخاص يتصرفون وكأنهم يمتلكون الحقيقة.. وفى أوقات بعينها يزداد عدد هؤلاء، يعلقون على الأحداث ويفسرونها للآخرين من وجهة نظرهم، ويتحولون فى غمضة عين إلى قادة رأى، وينتشر كتاب الأعمدة الصحفية على سبيل المثال ضمن نماذج أخرى. مجددا يصبح الحلم هو العمود، تلك المساحة الطولية القصيرة التى تقرب المسافات بينه وبين القراء... يتحدث إليهم كما يفعل مع الأصدقاء والمعارف، ويصبح له مريدون... والأمر مغرٍ، خاصة عندما يتم تبادل مقالاته بالمئات والآلاف.. ويبنى أسطورته على العمود... تلك المساحة الطولية التى أصبحت تستهوى الكثيرين بشدة، وذلك على حساب مهنة الصحفى فى كثير من الأحيان... وبدلا من البحث عن المتاعب والتحقيق فى موضوعات بعينها، يفضل العديد من الشباب المثقف والموهوب الاكتفاء بمشاركة رأيه وتحليلاته مع آخرين، على صفحات الجرائد أو من خلال كبسة زر على هذا الموقع أو ذاك. شهرة الصحفى مؤخرا ارتبطت بالعمود (وربما من قبلها بمدونته الإلكترونية)، وليس بالانفرادات المهنية. نسبح فى الآراء والتحليلات.. ولا حقائق.. لا معايير مهنية، بل فى معظم الأحيان « طق حنك» جيد الصياغة... وأيقونات جديدة تتشكل كل يوم.

<<< 

ربما تعكس بعض الأسماء صراع الأجيال الذى نعيشه والذى ظهر على السطح بصورة أوضح منذ ثورة يناير، جيل يحاول فرض رأيه من خلال وسائله التكنولوجية الخاصة، ليقول أنا هنا ولى جمهورى، فاستمعوا لى.. أنا هنا ولن أترك لكم الساحة لكى تفرضوا على رأيكم كما كنتم تفعلون لسنوات... أنا هنا، بل وأحيانا أعرف أكثر... أنا هنا ولى عمود وحواريون.

وتظل صورة الكاتب الذى يستيقظ من النوم، يحرق سيجارة تلو الأخرى ويشرب قهوة سادة، وحين يستغرق فى كتابة مقاله على الكمبيوتر يُقلب فنجان القهوة بظهر القلم.. تدغدغ الحس العام وتمنح البعض الرغبة فى المزيد، فى تكريس الأسطورة.

التعليقات