هي والكلاب - نيفين مسعد - بوابة الشروق
الثلاثاء 1 ديسمبر 2020 5:20 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد فرض غرامة فورية على عدم ارتداء الكمامات بوسائل النقل العام؟

هي والكلاب

نشر فى : الخميس 29 أكتوبر 2020 - 9:40 م | آخر تحديث : الخميس 29 أكتوبر 2020 - 9:40 م

اعتدلَت نادية في جلستها مستظلة بأوراق شجرة البرتقال الوارفة في حديقتها ومن حولها دائرة كاملة صنعها أحد عشر كلباً وفياً، أشار المصور للكلاب إشارة يفهمونها جيداً وكشف عن أسنانه وهو يقول cheeeeese ممطوطة فانفرجت أسارير الجميع وصارت هذه هي الصورة الرسمية لنادية مع قافلة الكلاب في مدخل البيت. تمددت أجساد الكلاب على العشب الأخضر فكسرت لونه بألوانها التي تتراوح ما بين الأبيض والأسود والبني وفي الزاوية رقد كلب وحيد مرقط، وبدا المشهد ككل كأنه لغابة صغيرة تسكنها حيوانات أليفة من جنس واحد: الكلاب. وبينما ران لثوان الصمت على المكان انبعث نباح متقطع من أركان الحديقة الأربعة وكأنه صوت الألعاب النارية التي تبدد السكون وتكثف الضوء وتشيع البهجة، ويا لها من بهجة.
***
عندما اقتنت نادية كلبها الأول قبل سنين لم تكن تعرف أن بداية الغيث ستتلوها عشر قطرات أخرى بالتمام والكمال. دخل برونو حياتها في إحدى لحظات ضعفها النفسي والجسدي فكانت المهمة الملقاة على عاتقه مهمة ثقيلة، كان عليه أن يقوم بدور المهرج والجليس والصاحب والطبيب إن لزم الأمر فلم يخذلها أبداً، وفي كل مرة اشتدت عليها آلام الظهر كان يتفنن في التسرية عنها على طريقته، يخطف نظارتها الطبية ويطير بها ممازحاً ثم تصعب عليه فسرعان ما يعود أدراجه.. يلعق خدها برفق شديد وكأنه يمتص الطاقة السلبية التي كانت لا تفتأ تغمرها في صباحات كثيرة فتشعر باختلاف.. يضخ كل يوم في وريدها ألف جرام من المضادات ومسكنات الآلام فتسترخي عضلاتها المشدودة.. يفهمها ويحبها.. يحبها جداً. أما نادية التي كانت تتصنع في تلك الفترة أنها لا تبالي بشيء ولا تعبأ بأحد فقد كان من الصعب عليها جداً أن تفلت من براثن هذا الحب، جرها برونو إليه جراً وكان قشتها وخيطها الرفيع مع الحياة، وها هي عشرتهما تدخل عامها الثالث عشر وقد صار برونو هو كبير مملكة الكلاب. أَشفَق عليها المحيطون بها من شدة هذا الارتباط وقرروا التصرف معها علي طريقة "وداوها بالتي كانت هي الداء"، فأتوا لبرونو بمنافسة ذكية من نفس النوع ثم اكتشفوا أن لدى نادية من فائض الرحمة ما يكفي للتوزيع على عشرات الحيوانات الضعيفة دون أن ينقص ذلك من نصيب أيٍ منهم شيئا. ثم وبشكل غير مخطط أخذت القافلة تكبر وتكبر حتى صارت إلى ما صارت إليه.
***
خلف كل واحد من الأحد عشر كلباً توجد حكاية وذكريات، دنجو الذي ألقى به الزوجان الشابان إلى قارعة الطريق فور انفصالهما فتلقفته نادية وعالجته نفسياً حتى اعتاد عليها واستطاعت أن تروّض شراسته. فريسكا الجميلة التي تعَامَل معها أصحابها بلامبالاة مذهلة ولما هاجمها ڤيروس قاتل آوتها نادية وداوتها حتى أصبحت كلبة "كما يقول الكتاب". زارا التي حبستها صاحبتها في الشرفة عاماً كاملاً إلى أن أصيبت بالشلل التام لكن نادية أخذتها وتعهدتها حتى استردت قدرتها على السير ومن بعد فإنها لم تنس هذا الصنيع أبداً. تَحَوَل بيت نادية إلى ملجأ كبير أو بالأحرى إلى مملكة تتسع لكل الكلاب التي يطردها ذوو القلوب الغليظة من حياتهم، ففي بهو منزلها الفسيح تنتشر أسرّة وسلال وأغطية سميكة يتخير منها كل كلب مرقده المناسب، وسيكون على نادية أن تسير على أطراف أصابعها كمثل راقصة الباليه حين تذهب إلى المطبخ أو غرفة المعيشة كي لا تزعجهم وهم نيام. ترفض أن يخدمهم سواها حتى لا تدخل عليهم "أرواح غريبة" كما تقول، وتمنع الولائم في بيتها كي لا تضطر لأن تحبسهم بين جدران أربعة، لا تسافر إلى المصيف وتتركهم وحدهم مهما اشتدت حرارة القاهرة، وتتلقى جائزتها الكبرى عندما يصطفون صباحاً كحرس الشرف في استقبالها وتتلامس ذيولهم المتحركة ذات اليمين وذات الشمال تعبيراً عن امتنان كبير.
***
ومع ذلك فإنها لا تستطيع أن توقف عجلة الزمن، يتقدم العمر بكلابها وتزحف عليهم مظاهر الشيخوخة بينما هي تراقبهم في حسرة. يسير روكي شارداً على غير هدي ويفقد بصره فيرتطم بمقعد تغير مكانه المعتاد وتسمعه يئن، تلقي الكرة إلى برونو كبير المملكة فلا يلهث خلفها وهو الذي كان يلتقطها بمهارة في الأيام الخوالي، تترك الحديقة إلى داخل المنزل فلا تتبعها تاكيلا وقد بدت لها العتبة الصغيرة كمثل سور الصين العظيم. كبر كلابك يا نادية ووهن العظم منهم لكنك أيضاً كبرتِ معهم وصار كل منكم يتعكز على الآخر، تُثّبت عينيها في عيني ديزل وتغترف من ملامحه وكأنها تريد أن تصل إلى مستوى التشبع تحسباً لمُقبل الأيام، ثم تتحول إلى دنجو ومن بعده تويكس وكوكيت وكل الآخرين، تتفرس بحب في وجوه الجميع وتعّب من ملامحهم عبّا. فجأة يتكهرب الموقف عندما يظهر حفيد نادية على مسرح الأحداث محدثاً جلبة ضخمة كعادته، ماذا حفيدها؟ لقد كان كل ما سبق يوحي أن أحد عشر كلباً هم كل من لنادية في هذه الحياة، لكنه ليس هو الواقع.. الواقع هو أنها أم وجدة. هذه المعلومة الجديدة تبدو مدهشة فقط لأولئك الذين يتصورون أن الارتباط بالحيوان يمثل مجرد تعويض عن مشاعر الأمومة وأن الأمهات لا يحتجن إلى الكلاب.
***
تربع الحفيد على العُشب ونادى على الكلاب الأكبر سناً فأتوه تباعاً وراح يلاعبهم على الهادي، لا كرة ولا ركض ولا عتبة ولا يحزنون، بل حنان.. محض حنان، غاصت أصابعه في شعورهم وراح يدلكهم ويربتهم ويحايلهم وهم مستلقون مستسلمون مستمتعون حتى اختفى قرص الشمس.

نيفين مسعد كاتبة بجريدة الشروق
التعليقات