تطبيع العلاقات السودانية الإسرائيلية الآن لعبة خطرة - العالم يفكر - بوابة الشروق
السبت 24 أكتوبر 2020 11:26 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تساهم تعديلات قانون العقوبات الجديدة لتجريم التنمر في وقف وقائع الإساءة والإهانة في الشارع المصري؟

تطبيع العلاقات السودانية الإسرائيلية الآن لعبة خطرة

نشر فى : الثلاثاء 29 سبتمبر 2020 - 9:40 م | آخر تحديث : الثلاثاء 29 سبتمبر 2020 - 9:40 م

نشر مركز بروكينجز مقالا للكاتبين Payton Knopf and Jeffrey Feltman تناولا فيه خطورة إبرام اتفاق سلام سودانى إسرائيلى فى ظل الأوضاع الراهنة فى السودان، فمثل هذه الخطوة من شأنها أن تزيد من الاضطرابات الداخلية فى السودان وتعرقل عملية الانتقال السلمى للسلطة وقيام حكومة ديمقراطية... نعرض منه ما يلى:

مع توقيع الإمارات والبحرين اتفاقية سلام مع إسرائيل، تتجه أنظار المتسائلين حول من التالى بحماسة نحو الغرب، نحو الخرطوم. بلا شك إضافة فصول جديدة إلى «اتفاقية إبراهيم» من مصلحة الولايات المتحدة، ولكن أيضا من مصلحتها حدوث انتقال ناجح للسلطة فى السودان. وتسلسل الأحداث هنا جوهرى. فحكومة سودانية موحدة مفوضة من الشعب ستكون أكثر قدرة على تحقيق سلام دافئ مستدام مع إسرائيل، فى حين أن التسرع فى إبرام اتفاق سلام بين إسرائيل والسودان سيهدد المرحلة الانتقالية ويدعم الإسلاميين ومن يدعموهم بالخارج.
السودان لديها الرغبة فى الظهور كدولة داعية للسلام، بعدما كانت تحت قبضة الإسلاميين المتشددين والتى ماتزال الولايات المتحدة تضعها على قائمة الدول الراعية للإرهاب. وبعد الإعلان عن اتفاقية ابراهيم بين إسرائيل والإمارات، انطلقت موجة من التخمينات حول الدولة العربية التى ستكون التالية فى التطبيع مع إسرائيل وحول شكل النشاط الدبلوماسى للحث على مثل هذه الخطوة. زاد من هذه التخمينات زيارة وزير الخارجية الأمريكى مايك بومبيو إلى الخرطوم فى 25 أغسطس، تلتها زيارة رئيس المجلس السيادى السودانى عبدالفتاح برهان لأبوظبى يوم 20 سبتمبر.

بناء السلام على أرض رخوة
للأسف، تجاهل الحديث حول اتفاقية سلام ثنائية إسرائيلية ــ سودانية هشاشة الانتقال السياسى فى الأخيرة والمخاطر التى قد يشكلها الاندفاع نحو التطبيع المبكر للعلاقات على المصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة وإسرائيل والإمارات. لا أحد يطمح فى تكرار ما حدث مع اتفاقية السلام اللبنانية الإسرائيلية عام 1983 التى لم تحظى بالشرعية الشعبية مما تسبب فى انهيارها فى أقل من عام.
بعد خمسة أشهر من الإطاحة بالرئيس عمر البشير، تم التوصل إلى اتفاق بشأن تكوين حكومة انتقالية بين المجلس العسكرى الذى أطاح بالنظام وبين حركة الاحتجاج المدنية التى عجلت بسقوطه. هذا الانتقال بنى على ترتيبات هشة للتعايش بين الجيش والمدنيين؛ مع وجود مجلس عسكرى بقيادة البرهان ومجلس الوزراء بقيادة التكنوقراطى عبدالله حمدوك ومجلس تشريعى. ولكل مجموعة مهام ومسئوليات محددة حتى عام 2022.
على الرغم من وحشية نظام البشير، إلا أن المجتمع المدنى السودانى، بما فى ذلك النقابات والجمعيات المهنية، ظل نشطا بشكل ملحوظ. كان المشهد السياسى فى السودان من أكثر المشاهد تنوعا وحيوية فى العالم العربى مع وجود قوى منظمة تتراوح بين الشيوعيين والبعثيين إلى العلمانيين الليبراليين إلى مجموعة من الجماعات ذات التوجه الإسلامى. انضم العديد من هؤلاء إلى معارضة البشير لكنهم اختلفوا فى رؤيتهم لمن يجب أن يتبعوه. لذلك صُمم الترتيب الانتقالى لتحقيق التوازن بين هذه الفئات التى لا تعد ولا تحصى، وأخذها فى الحسبان أثناء وضع نظام دستورى جديد، ومنع انقسام البلاد والانزلاق إلى حرب أهلية، وتوفير مسار نحو الديمقراطية التى تلبى تطلعات مئات الآلاف من السودانيين، وخاصة الشباب، الذين تظاهروا بشكل جماعى لمدة خمسة أشهر فى ثورة تاريخية سلمية.
برع البشير فى التنقل بين قوى الشرق الأوسط المتنافسة، مثلما حدث فى أزمة دول مجلس التعاون الخليجى. وليس من المفاجئ سعى المملكة العربية السعودية والإمارات وقطر وتركيا التأثير على النظام السياسى بعد البشير. أدى التصور السعودى والإماراتى فى دعم المجلس العسكرى على حساب القوى المدنية والديمقراطية إلى رد فعل شعبى عنيف داخل السودان. تكتمت قطر وتركيا فى دعمهما لأفراد أو فصائل معينة، على الرغم من أن أنقرة منحت الملاذ لعدد من كبار الشخصيات من نظام البشير.
لسوء الحظ، بعد مرور عام على الفترة الانتقالية، تفاقمت الأزمات الأمنية والاقتصادية التى كانت السبب المباشر للتظاهر ضد البشير. لا يزال هناك الملايين من النازحين وتدهور الاقتصاد. يعانى أكثر من نصف السكان من انعدام الأمن الغذائى. وعلى الرغم من تعهدات الدعم، فشل المجتمع الدولى فى تعبئة الموارد بما يتناسب مع ما تحتاجه السودان فى فرصتها التاريخية للمرحلة الانتقالية. ازداد الاستياء العام من الحكومة الانتقالية، واتسعت الانقسامات ليس فقط بين الجهات الأمنية والمدنية، ولكن أيضا داخلها.
يجب أولا وقبل كل شىء النظر فى أى خطوات نحو تطبيع العلاقات بين إسرائيل والسودان فى هذا السياق. إن القيام بغير ذلك من شأنه أن يؤدى إلى مزيد من تصدع المرحلة الانتقالية وسلامة الدولة نفسها.

الثورة السودانية وشرعية الانتقال

لم يوضح الإعلان الدستورى الذى أنشأ الحكومة الانتقالية من يحمل مسئولية السياسة الخارجية، ما إذا كان مجلس السيادة أو مجلس الوزراء أو المجلس التشريعى. بعد زيارة الوزير بومبيو للخرطوم، أكد رئيس الوزراء حمدوك أن الحكومة ليس لديها تفويض لاتخاذ مثل هذا القرار، فى حين يُزعم أن البرهان عبر عن مزيد من الانفتاح. لم يتم بعد تشكيل المجلس التشريعى، الذى يبدو أنه مخوَل بتحديد الاتجاه السياسى لعملية الانتقال.
آمل السودانيون أن يكون لهم رأى فى الحكم بعد ثورتهم، والعلاقات مع إسرائيل من القضايا الجدلية. على سبيل المثال، تسبب لقاء البرهان مع رئيس الوزراء الإسرائيلى نتنياهو فى أوغندا فى يناير الماضى فى إحداث صدمة فى جميع أنحاء البلاد؛ ليس فقط بين الإسلاميين، ولكن بين العديد من القوى الليبرالية والعلمانية التى كانت فى طليعة الثورة وملتزمة بالتعددية. قرار التطبيع لا يمكن أن يكون تاريخى وغير منطقى فى نفس الوقت. اتخاذ قرار أحادى الجانب يعنى أن الخطوة تفتقر إلى الشرعية، وبالتالى الاستمرارية والاستدامة.
أشارت تقارير صحفية إلى أن الولايات المتحدة سترفع السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب وستقدم، بدعم إماراتى، مساعدات بمليارات من الدولارات مقابل التطبيع. ومع ذلك، إذا نُظر إلى التطبيع على أنه ناتج عن استغلال يأس السودان الاقتصادى والإنسانى، فسيؤدى إلى استقطاب الشعب، وسيتآكل دعم الانتقال، ويعرض رئيس الوزراء لمكائد المعارضين للإصلاح داخل السودان إلى جانب الأطراف الإقليمية التى تعتبرها إسرائيل والإمارات خصوما أساسيين لهما.
يمثل الانتقال فى السودان فرصة لا تتكرر للبلاد لرسم مسار الخروج من الاستبداد والعنف نحو الديمقراطية والاستقرار، الأمر الذى من شأنه أن يمثل موجات إيجابية فى منطقة مضطربة منذ زمن بعيد. ومع ذلك، لا يمكن لهذا الانتقال أن ينجح إذا تورطت البلد فى العداءات الإقليمية. وينبغى أن تكون ليبيا عبرة. بالنظر إلى أن عدد سكان السودان يبلغ ستة أضعاف عدد سكان ليبيا، فإن انهارت الدولة سيكون الوضع أكثر كارثية ــ ليس فقط لمواطنيها، ولكن لمصالح الولايات المتحدة وحلفائها وشركائها فى أوروبا والشرق الأوسط. يجب أن تكون الأولوية لواشنطن هى الانتقال الناجح فى السودان وتشكيل حكومة شرعية قادرة على اتخاذ القرار التاريخى بشأن الاتفاق السودانى الإسرائيلى.

إعداد: ابتهال أحمد عبدالغنى

النص الأصلي

التعليقات