هل سكن الأثرياء ضمانة أمن اجتماعى؟ - وائل زكى - بوابة الشروق
السبت 24 أكتوبر 2020 11:21 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تساهم تعديلات قانون العقوبات الجديدة لتجريم التنمر في وقف وقائع الإساءة والإهانة في الشارع المصري؟

هل سكن الأثرياء ضمانة أمن اجتماعى؟

نشر فى : الثلاثاء 29 سبتمبر 2020 - 9:35 م | آخر تحديث : الثلاثاء 29 سبتمبر 2020 - 9:35 م

كانت مناطق بالجيزة ما بين حديقة الحيوان وجامعة القاهرة وحديقة الأورمان من الجنوب حتى منطقة الحوتية شمالا، ويتوسط ذلك سرايا نوال التى صارت أكاديمية ناصر العسكرية، ثم من النيل شرقا حتى مشارف نادى الصيد غربا وقبله عزبة فاطمة هانم الشهيرة بعزبة أولاد علام وهى وقف الأميرة فاطمة إسماعيل لسكن العاملين فى أراضيها الممتدة بالجيزة، هذه المناطق كانت سكنا للأثرياء بالجيزة ثم بدأ تغير طرز وطبائع المعمار فى امتداداتها حول نادى الصيد حيث اجتذبت خلال النصف الأول من القرن العشرين مرتادى النادى من العائلات العريقة والقضاة ومشاهير الأطباء، إلى أن بدأت المناطق المحيطة منذ الخمسينيات تأخذ أسماء فئوية، فصار من أراضى الأوقاف منطقة المهندسين تتاخمها مدينة الإعلام وإلى القرب منها الصحفيين وعلى الغرب منها مدينة المعلمين، ونواحى الدقى تجد ميدانين بمسمى هيئة التدريس يحيطهما فيلات وعمارات أعضاء هيئة التدريس بالجامعة، واجتذبت تلك المناطق المئات من الطبقة الوسطى عمروها وانتشروا فى محيطها.
وكانت إمبابة متمركزة خلف قسم شرطة إمبابة الحالى حول مسجد سيدى إسماعيل الإمبابى ولم تكن قد تجاوزت كوبرى إمبابة للسكة الحديد، وكان على كورنيش إمبابة عوامات وملاه ليلية تعد ملتقى علية القوم ووجهاء العائلات يقصدون السهر والترفيه، ومن أشهرها ملهى الكيت كات، فى حين أخذت امتدادات إمبابة شمال الكوبرى تزخر بالمصانع وعمدت الدولة خلال العشرينيات وبعد وضع الدستور الجديد إلى إعادة تخطيط القاهرة وذلك لتطويرها والقضاء على العشوائيات التى نمت فى الجزء الشمالى منها بالذات، ولم ينفذ فى الواقع معظمه بسبب الحرب العالمية الثانية، غير أنه خلال الأربعينيات تم تخطيط مدينة العمال شمال إمبابة لتضم 6000 مسكن على نظام التاونهاوس انتهت المرحلة الأولى منه عام 1950 ببناء أكثر من ألف مسكن، وتم تسليمهم بالفعل غير أن المشروع توقف لعدة سنوات.
وخلال الخمسينيات حتى 1967 عمدت الدولة إلى وضع بصمتها الخدمية فى مجال الإسكان، ويبدو دون دراسات مستفيضة لأحوال الإسكان الآنية واللاحقة والاكتفاء بما يتماشى مع رؤيتها فى ذاك الوقت، فخرجت التوجهات العمرانية تركز على توفير وحدات سكنية للعمال فاستكملت الدولة مشروع مدينة العمال على نفس مساحة المراحل التالية للمرحلة التى افتتحت ولكن تحت مسمى مدينة التحرير وبمخطط أحدث، واستكمالا أنشئت مساكن للعمال على غرار مدينة العمال والتحرير فى حلوان وحلمية الزيتون وبلوكات العمال فى عين الصيرة وأماكن أخرى، وإتاحة أراضٍ للسكن لفئات الطبقة الوسطى من المهنيين كالمهندسين وغيرهم وشجعتهم الدولة على امتلاك أراضٍ وبنائها فى أنحاء الجيزة، كما وفرت مساكن للضباط فى أنحاء متفرقة ووحدات سكنية لموظفى الدولة فأنشأت مدينة نصر، فأخذت كل من مدينة نصر شرقا والمهندسين غربا فى استقطاب الموظفين والطبقة الوسطى من المهنيين، كل ذلك ولم تشمل الرؤية تقديرات السكن الفاخر ومتطلبات الارتقاء الاجتماعى والطبقات الثرية.
يحدث هذا فى خضم تعاقب قوانين تنظيم العلاقة بين المالك والمستأجر، وتأميم أملاك عقارية لاسيما مبانى وسط البلد التى تعرضت ومحيطها لحراك اجتماعى تبدلت فيه الطبقات والفئات، وظهر سماسرة عقارات وسط البلد يرثون ما خلا منها من أصحابها، يتزامن مع ذلك تنامى الهجرة الريفية الحضرية وتغلغل العشوائيات كامتدادات وفى الفراغات العمرانية وما بين الأحياء، كل ذلك زاد الخناق على مناطق سكن الأثرياء التقليدى ومع صدور قوانين وقرارات عدة قوضت سياسات الانفتاح التى أظهرت فئة من الأغنياء لا تنتمى لطبقات الأثرياء ولا للطبقة المتوسطة المثقفة، ودخلت معظم مناطق الأثرياء التقليدية كمصر الجديدة والزمالك والمعادى فى فترة جمود يتطلع خلالها قاطنوها لفرصة الخروج إلى نطاقات سكن بالضواحى خارج الكتلة العمرانية للقاهرة، وقد احتوتهم لفترة مناطق السكن فوق المتوسط والفاخر فى المهندسين ومحيطها وامتدادات خارج المعادى ومصر الجديدة.

***

انتهى زمن كان الأثرياء فيه هم قاطرة التنمية العمرانية والمعمارية، وخلال تسعينيات القرن العشرين زادت هجمة العشوائيات على النسيج العمرانى للقاهرة الكبرى عامة، وعلى الرغم من ذلك نجد الأثرياء لا يتحركون جهة المدن الجديدة التى بدأ عهدها منذ السبعينيات، حتى الجيل الثانى والثالث من المدن الجديدة لم ينجحا فى جذب الطبقات الثرية وإن توفر فى بعضها الإسكان الفاخر، أما التجمعات العشرة التى تقرر إنشاؤها كضواحٍ وعدد منها صار القاهرة الجديدة بتجمعاتها الأول حتى الخامس والرحاب وامتداداتهم، وتحول تجمعان منها فى الغرب إلى مدينة الشيخ زايد، تجد حركة نزوح واضحة من الأثرياء إلى تلك التجمعات، حيث توجه أثرياء مصر الجديدة والمعادى للقاهرة الجديدة بتجمعاتها وكثير ممن نزحوا إلى المهندسين استكملوا نزوحهم نحو الشيخ زايد، كما جذبت امتدادات مدينة السادس من أكتوبر فئة غير قليلة من الأغنياء فعمروها فى شكل مجمعات سكنية «كمباوندات» متفاوتة المستوى.

***

إن أردت أن تجذب الأثرياء وفر الخدمة قبل توفير السكن، وفر الطرق الجيدة قبل المواصلات، الطبقة الثرية ثقيلة الحراك من مناطقها التقليدية، ولكن تحت خناق المحيط العشوائى تضطر للبحث والنزوح إلى أماكن جديدة ولكن علام تبحث؟ لذلك تركزت دعايات التسويق العقارى على وفرة الخدمة فيقال إنك تشترى خدمات مدينة وليس مسكنا فقط، البنك، النادى، المدرسة، الحدائق الكافيهات، الجيم، إلى آخره، والأهم من ذلك «ناس تشبهك!»، فما المقصود بالشبه وقد يعنى الإعلان عنه حاجة لدى الزبون يوفره له هذا المجتمع العمرانى، فهل يتوافر هذا الشبه فى أناس يعتبرون جيرتك فرصة عمل ووسيلة كسب ووجاهة اجتماعية، هنا فارق بين الثرى والغنى وليس كل الأغنياء أثرياء بما يفتقر منهم إلى غنى النفس، كم من عائلات ثرية على الرغم من ثراء أصولها يحبسها شح المال ولا تبيع أصلا من أصولها لتستبدل به جيرة فى مجتمع تغلفه المظاهر الجوفاء.
على مر التاريخ ترى الأثرياء هم قاطرة التنمية العمرانية لامتدادات جديدة كلما أتاحت الدولة لهم ذلك، والإتاحة ليست التبنى وفرض المخططات العمرانية ودفعهم إلى سكناها، الأثرياء يجذبون بعضهم البعض لأماكن الامتداد الجديدة ويفسحون مجالا لطبقات أخرى، ولا يقصدون المجتمعات المنغلقة أو الكمباوندات التى تقدم حلول الخدمة إلا هربا مما هو أسوأ، كما أن هناك ظاهرتين متداخلتين إحداهما واضحة وهى إنشاء الكمباوندات بخدماتها وتوفيرها لمعايير الأمن والأمان، وظاهرة مستترة تفصح بعض مؤشراتها عن رغبة فى الانعزال الاجتماعى لكنه فى معظمه مؤسس على القدرة المالية، وهو ما يجلب الخلط داخل الكمباوند بين الأثرياء والأغنياء الجدد فلن يفلح مجتمع كهذا لاسيما مع انغلاقه، نحتاج لخلق مجتمعات متكاملة متوازنة قادرة على إحداث ذلك التوافق بين متطلبات الطبقات الاجتماعية والاقتصادية للمواطنين، ولن يتأتى ذلك التوازن إلا بتخطيط تنموى قائم على أسس الاستدامة الاجتماعية وليس قائم على تخطيط هندسى جميل الشكل، مخططات عمرانية تنموية تفسح مجالا لاستعادة الدور العمرانى للأثرياء كما كان عبر التاريخ، فهم قادرون تلقائيا على نسج مجتمعات منفتحة مستدامة اجتماعيا والتى من سمات بعض نتائجها ضمانة الأمن الاجتماعى.

وائل زكى استشاري التخطيط العمراني وعضو مقيم عقاري بلجان طعون الضرائب العقارية، ويعمل كأستاذ للتخطيط العمراني وتاريخ ونظريات تخطيط المدن ومدرب معتمد إدارة المشروعات
التعليقات