أَمْوَاءٌ.. وَأَمْوَاهٌ (١) - صادق عبدالعال - بوابة الشروق
السبت 24 أكتوبر 2020 11:11 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تساهم تعديلات قانون العقوبات الجديدة لتجريم التنمر في وقف وقائع الإساءة والإهانة في الشارع المصري؟

أَمْوَاءٌ.. وَأَمْوَاهٌ (١)

نشر فى : الثلاثاء 29 سبتمبر 2020 - 9:40 م | آخر تحديث : الثلاثاء 29 سبتمبر 2020 - 9:40 م

لم تَرِدْ فى أىِّ لغةٍ أجنبيةٍ غربيةٍ أخرى ــ على حدِّ عِلمى ــ كَلِمَتَين اثنَتَيْنِ للتعبير عن مادةٍ واحدَةٍ وهى الإكسير الأكبر للحياة: الماءُ ــ اسم مُذَكَّرــ وجَمْعُهُ أَمْوَاءٌ، والمياهُ ــ اسم مؤنث ــ وجَمْعُهَا أَمْوَاهٌ.. كل اللغات تُعَرِفُ «الماء» بكلمةٍ واحدةٍ فقط إلا لُغَتُنَا العربية، فلا مقارنة حقا لما تَمتَلِكُهُ اللغة العربية من ثراءِ مرادِفاتها ومن غزارةِ البلاغةِ اللغويةِ بها.. وفى السياق ذاته، عند التَبَحُرِ بِعُمْقٍ فى مختلف دورات «الماء» الإلهية، واختلاف «دورات المياه» الآدمية، نَجِدُ «أمواء» عديدة مألوفة تَظْهَرُ على سطحِ الماءِ، ومن جهةٍ أخرى «أمواه» غريبة تَغوصُ بنا فى قاعِ الحضارةِ البشريةِ! ولنبدأ أولا تأويل «الماء» ذى المذاق المألوفِ، والارتواء بِنِعَمِ دَوَرَاتِهِ المتنوعة، ولنَتَظَمَأْ أى لنَتَصَبَرْ على عطش معرفة العجائب الصادمة لمختلف «دورات المياه» لاحقا فى الجزء الثانى للمقالة.. بالفعل، الحياةُ تَبْدَأُ وتحيا بدوراتِ «الماء»، والصِحَةُ تَبْدَأُ بالعنايةِ في «دوراتِ المياه» وقد تَفْنَى بالمثلِ فيها!
فمنذ فجر التاريخ للكتب السماوية، ومع تتبع أصول التوراة، الأسفار الخمس لسيدنا موسى عليه السلام، اعْتُبِرَ «الماء» رمز الحياة فى الشريعةِ اليهوديةِ.. وبعدها، أظهر السيد المسيح عليه السلام نَفْسَهُ كالينْبُوعِ الحقيقى للماء الحى كما نص فى الفصل السابع من إنجيل يوحنا، ويُستخدم بالفعل مصطلح «ماء الحياة» فى المسيحية عندما يَتِمُ سَكْبُ الماء للغسلِ والولادةِ الجديدةِ أثناء صلوات المَعْمُودِيَة. فضلا عمَا يَحُثُهُ الكتابُ المقدسِ عن أهمية «الماء» منذ البداية فى قصة الخليقة وما ذُكِرَ فيه «روحُ الله يُرَفْرِفُ على وجهِ المياهِ».. وتباعا، ذُكِرَ بالمثلِ فى القرآن الكريم ما يفيد أن عرش الله تعالى كان مخلوقا قبل السماوات، وكان محيطا بالماء أو حاويا للماء. كما ذكرت كلمةُ «الماء» ٦٣ مرة فى القرآن، بعد أن تُوِجَتْ قيمة الماء فى قول الله تعالى: «وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ».
ومن ثم، ألم يتدبر عقلك بعدها، ولو مرة واحدة فى حياتك، للبحث عن أصل وجود هذا السائل، عديم اللون والرائحة والطعم، والمتوافر فى كوب الماء الذى أمامك، تستمتع بطعمه وهو لا طعم له، تُطْفِئُ العطش وتُسْكِنُ به احتياج خلايا العقل قبل البدن.. وأخيرا وليس آخرا، لا ولن تجرؤ يوما واحدا فى حياتك على التفكير بالاستغناء عنه (الحد الأقصى من الوقت للصمود بدون ماء فى درجة حرارة معتدلة بالهواء الطلق لا تزيد عن ١٠٠ ساعة).. فحقا، بدون وجود «ماء» الشُرب لا مكان لنا فى الوجود فى هذا الكون.. إنه بالفعل سر من أسرار الكون، بل سرُ الحياة بِأسرِها.
العالم يتدافع فى إطلاق مراكب فضائية، بعد عقود من البحث الدءوب عن قطرة ماء فى الكون المحيط، بأمل توافر الحياة بأحد كواكب مجموعتنا الشمسية.. ومنذ عامين فقط، رُصِدَت فى كوكب المريخ بُحَيْرَةٌ جوفيةٌ شاسعةٌ من الماء تحت طبقة من الجليد على عمق ١٫٥ كيلومتر من سطحه، يبلغ طولها ٢٠ كيلومترا عرضا.. يبدو أن هذه البحيرة التى تشكلت فى ماضيه السحيق قبل ٣٫٦ مليارات سنة على الأقل، احْتَضَنَ المريخ فيه وقتئذ شكلا من أشكال الحياة أو لا يزال يَحْتَضِنهُ، وهذا من شأنه أن يزيد التَكَهُنَات حول وجود أجسام حية على سطحه.. إضافة، لدراسة تأثير التغيرات المناخية وظاهرة هروب غازى مكونات الماء – الهيدروجين والأكسجين ــ من غلافه الجوى، انطلق فى يونيو الماضى مسبار «الأمل» العربى لدولة الإمارات العربية، للوصول عام ٢٠٢١ إلى هذا الكوكب الأحمر بحثا للحياة، وهو الكوكب الملاصق لأرضِك مسافة ٦٥ مليون كيلومتر فقط!
أما على المقلب الآخر، تحَارُ أو تحتار العقول البشرية حتى يومنا هذا فى تلك المادة: «الماء».. إذ يعتبر أصل نشوء الماء الذى تشربه فى الكوب لغزا حتى اللحظة، بالرغم أنه يعتبر أكثر المركبات الكيميائية انتشارا على سطح أرضِ كوكبك.. ويتساءل العلماء، هل الماء وصل إلى الأرض وقتما كان كوكبا جافا، وما حدث منذ أكثر من ٤ مليارات سنة، من ظاهرة اصطدام كوكب قديم اسمه (ثيا) بالأرض، ترتب عليه أيضا انفصال وتشكيل القمر؟ هل نشوء الماء كان حسب نظرية «المنشأ الكونى» بواسطة النيازك المائية والتى تعرف بالنيازك الكربونية، والقادمة من خارج النظام الشمسى؟ أم أن نظرية «المنشأ الأرضى» للماء هى الأرجح، وهى أن الصخور المكونة للطبقة الواقعة ما بين القشرة الأرضية ونواة الأرض ــ وعمقها يقدر نحو ثلاثة آلاف كيلومتر ــ كانت تنصهر فى بعض المواقع، تنطلق منها مكونات طيارة أكثرها أبخرة الماء، لِتُقْذَف بواسطة الثورات البركانية إلى الطبقات السطحية طوال تاريخ نشأة الأرض من ٤،٥ مليار سنة، كى تكفى ملء البحار والمحيطات على سطح كرتنا الأرضية، وبالأصح «المائِيَة»؟
سواء أكانت هذه النظرية أو تِلْكَ، أرجوك ألا تبخل على نفسك بعادة إرواء ــ ذهنك قبل بدنك – واشرب كوبين من الماء عند كل صلاة، كوب قبل الصلاة وكوب بعدها، بما يساوى تقريبا ٣ لتر ماء يوميا.. فإن كان بدنك يشكو من أعراض القولون العصبى، فلتُدرك بذهنك أن الأبحاث العلمية الصادرة من جامعة هارفارد الأمريكية تؤكد لك أن أحسن علاج لمرض القولون العصبى على الأمد الطويل، هو شرب من ٢ــ٣ أكواب من «الماء» الدافئ على الريق صباح كل يوم.. وبعد أن أزلت عطشك من عادة بلع الأدوية، مستبدلا إياها بشرب الماء فقط لترويض عصبية القولون، هل تَرَوَيتُ قليلا فى الأمرِ كى تشكر ربك، أَنَكَ خُلِقْتَ على الكوكب الوحيد «المائى» الذى تتوافر فيه بغزارة المكونات الغازية للماء (غاز الهيدروجين وغاز الأكسجين) خلافا للثمانى أو تسع كواكب الأخرى بمجموعتنا الشمسية، وأيضا تشكره على أن المتوافر منهما لا ينفد فى الغلاف الجوى لأرضك مثل ما حدث فى كوكب المريخ؟! هل تَفَكَرْتَ فى نعمة واحدة فقط من نعم الله التى لا تحصى، يروى لك مياه لا تَنْضُبْ لأبد الدهر على نحو ٧١٪ من مساحة سطح الأرض، بماء وفير مالح فى بحار ومحيطات قد يصل عمقها فى بعض الأماكن لما يقرب من ١٠ كيلومترات، وبما يكفى أن يملأ عدد ٥٥٠ تريليون (٥٥٠ ألف مليار) حوض سباحة بالحجم الأولمبى ذى الخمسين متر طولا؟
وقبل أن تترك هَبَاء «نصف كوب الماء» الصالح للشرب، معتبرا إياه فارغا أو ممتلئا حسب مدى نظرتك التفاؤلية للحياة، اعلم جيدا أن فقط ٣٪ من جملة مياه الكرة «المائية» التى تعيش فيها مياه عذبة صالحة للشرب، معظمها (ما يقرب من ٧٨٪) فى حالة صلبة على هيئة كتل جليدية، والقليل منها (نحو ٢١٫٨ ٪) مخزونة بباطن الرقعة الأرضية فى حالة سائلة على هيئة مياه جوفية، والقليل أيضا من تلك المياه العذبة فى حالة غازية مُتَمَثِلَة فى سحاب وضباب «السَمَاءِ»، وما يتبقَى إلا القليل جدا من مجمل تلك المياه العذبة، فى حالة سائلة جارية فى أنهار سطح الأرض، وهى تمثل نحو ٠٫٦٪ فقط من مجمل حجم المياه الصالحة للشرب، لكى تشفى ظمأ وألم بدنك، يا بنى آدم!! نحن جميعا أولاد آدم وحواء، ندرك جيدا هِبَة «دورة الماء» الدينامية المستديمة منذ الخليقة: يُخْتَزَنُ الماء «مالحا» فى المحيطات، يَتَبَخَرُ ويُخََزَنُ فى الغلاف الجوى، يُكَثَفُ بالسُحُب، يَتَسَاقَطُ مطرٌ «عذب»، يُثَلَجُ على هيئة جليد، يَذُوُب فى مجارى الأنهار، يَجرى فوق سطح أرضك، ثم يُخْتَزَنُ «عذبا» فى جوف الأرض.. ونعرف جيدا أن بدون تلك الدائرة المائية الإلهية، تتعذر الحياة لشتى أنواع المخلوقات الحية: نباتية كانت أو حيوانية.. لكن لا نعرف حتى يومنا هذا لماذا المملكة الأولى تضرب بجذورها للبحث عن الماء بتناغمٍ تام، تُسْقِطُ بعدها أوراقها على الأرض، بينما المملكة الثانية تَتَضَارَبُ ما بينها للحصول على قسطٍ من الماء، ثم بعد ارتوائها، «تُسْقِطُ» مُخَلَفَاتَهَا الصناعية أو «الطبيعية» فيها، وبلا حياء!
سيتم الحديث عن المخلفات «الطبيعية» بإسهابٍ فى جزء «دورات المياه» الثانى للمقالة، بما فيه الصرف «الغير صحى» وكيفية التصرف فيه.. أما عن المخلفات الصناعية بأشكالها المتنوعة وإشكالياتها المختلفة، سيقتصر الحديث عن ظاهرة إعادة استخدام زجاجات البلاستيك الفارغة للمياه المعبأة محليا، والتى ما زلنا نصمم أن نُطلق عليها اسم زجاجات المياه «المعدنية!».. اختراع زجاجات البلاستيك صناعيا لتعبئة الماء (PET) بدأ فى السبعينيات وبالتحديد فى عام ١٩٧٣، وحسب الإحصاءات الصادرة الأخيرة، مصر تستهلك ما يقرب من ١٠ ملايين زجاجة مياه معبأة يوميا ــ مصر هبة نهر النيل بحصيلتها السنوية ٥٥٫٥ مليار متر مكعب من الماء، مصر التى وهبها الله أكثر من ألفين كيلومتر من السواحل المائية! ــ بينما يستهلك العالم أجمع نحو مليار زجاجة البلاستيك للمياه يوميا.. وطوال تلك الفترة، تستصرخ وكالات حماية البيئة حول العالم، أننا، أولاد آدم وحواء، نعيد تدوير ٨٪ فقط من نفايات البلاستيك عامة، وعنه بزوغ ظاهرة «حساء البلاستيك» فى البحار والمحيطات.. والأخطر من ذلك، أنه تم العثور أخيرا فى عام ٢٠١٧ فى مياه صنبور العديد من البلدان حول العالم «المتقدم«ــ خاصة الولايات المتحدة ودول أوروبا ــ على تلوث الماء باللدائن (صنف من البوليمرات المصنوعة) الميكروسكوبية الحجم Microplastic Contamination، وصرخة العلماء ما زالت عالية لإجراء أبحاث عاجلة حول الآثار المترتبة لها على صحة السكان.. ومستندا على العديد من الأبحاث العالمية، «تزيد الطِينُ بلَة» فى الدول النامية، مع تلك الطامة الكبرى وهى ظاهرة إعادة استخدام الزجاجات الفارغَة للمياه المعبأة (والتى يُعَقَمُ ماؤها بغاز الأوزون عند تعبئتها بالمصنع) وملئها عدة مرات أخرى بمياه الصنبور (ويتم تَطهِيرها من قِبَلِ الدولة بإضافة الكلور)، مما يُعَرِضُ المادة البلاستيكية الرقيقة المغلفة لزجاجة الماء بالتفاعل مع الكلور، وينتج عنه مادة مُسَرْطِنَة تسبب على الأمد الطويل مضار صحية مثل الفشل الكلوى!! ولحين الانتهاء من معارك التصديق أو التكذيب كالعادة، هل من خسارةٍ على حَضِ الناس بدلا من إعادة ملء زجاجات البلاستيك الفارغة، استخدام زجاجات الزجاج عند شرب مياه الصنبور، وذلك للسبق بحفظ صحتهم قبل الوقوع فى غيابات الجُب؟
ولحفظ «ماء» الوجهِ، استسمح القارئ أن أستكمل فى الجزء الثانى للمقالة القادمة خطوات إضافية عدَة للصحة الاستباقية PREEMPTIVE HEALTH إزاء كل من تلوث «الماء» و«دورات المياه». وهذا بمشيئة الله، الخالق البارئ واهب بالماء الحياة للأحياء.

صادق عبدالعال مستشار وزير الصحة الأسبق لشئون صحة الأطفال.
التعليقات