مصلحة الجماعة أم الوطن؟ - فهمي هويدي - بوابة الشروق
الجمعة 14 أغسطس 2020 10:48 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع احتواء أزمة كورونا في المنطقة والعالم قريبا؟

مصلحة الجماعة أم الوطن؟

نشر فى : الأربعاء 29 سبتمبر 2010 - 9:27 ص | آخر تحديث : الأربعاء 29 سبتمبر 2010 - 9:27 ص

 إذا كنت قد أعربت عن الدهشة إزاء اشتراك أحزاب المعارضة المصرية فى الانتخابات التشريعية بما يحولها إلى مجرد ديكور فى الفيلم الديمقراطى، فإن هذه الدهشة تتضاعف حين يتعلق الأمر بجماعة الإخوان المسلمين. وإذا كنت قد فرقت بين معارضة حقيقية مهجوسة بهم الوطن وأخرى «تايوانى ومضروبة» ومشغولة بحساباتها وصفقاتها مع الحكومة، فإننى أستئذن فى أن أضيف تفرقة أخرى بين مجموعات المعارضة الحقيقة ذاتها. ذلك أن تلك الأخيرة التى تستحق التقدير والتشجيع كلها حديثة العهد ولديها من الإخلاص والحماس بأكثر مما لديها من الحضور فى الشارع. وربما لهذا السبب فإن الحكومة لن تكترث بغيابها كما لا يزعجها حضورها. وهى ان تصدت بارتال الأمن المركزى للمظاهرات التى تدعو اليها فليس ذلك لأنها تخشى تجمهر أعضائها، ولكن لأنها لا تريد لبذرة الغضب أن تخرج إلى الشارع، لعلمها أن مصر تخيم عليها حالة من الغضب لا تنتظر إلا عود ثقاب لكى تترجم تلك المشاعر إلى حريق يصعب إطفاؤه.

الأمر يختلف فى حالة الإخوان بتاريخهم الممتد لأكثر من ثمانين عاما، وحضورهم فى عمق الوطن لا مجال للشك فيه. ثم ان الجميع يعرفون، والناشطون أولهم، أن المظاهرة الحقيقية هى التى يخرج فيها الإخوان. أما إذا قاطعوها فإنها تتحول إلى «عينَّة» أو مشروع مظاهرة.

ما أريد أن أقوله إن هناك تجمعات سياسية من التى تحمست للمشاركة فى الانتخابات لن يسمع بها أحد إلا إذا دخلت إلى الحلبة ورفعت لافتتها فى الشوارع أو حالف أحد أعضائها الحظ ونجح بالغلط أو الوساطة أو بمساعدة من أى «صديق». أما الإخوان فهم ليسوا بحاجة إلى شىء من ذلك. وكل الجهد الذى تبذله السلطة وأجهزتها الأمنية له هدف واحد هو طمس ذلك الوجود واستئصاله بمختلف السبل.

الإخوان يعلمون ان تجربة انتخابات عام 2005 لن تتكرر، وبالتالى فإن الـ88 مقعدا التى فازوا بها لم تكن مشاركة من جانبهم بقدر ما كانت تحذيرا للسلطة لكى تضع حدا لذلك «الاختراق». صحيح انه ازعج الحكومة وأثار شغبا فى المجلس الذى تعتبر رئاسته انه ذراع للحكومة وراع لمصالحها، لكنه لم يوقف شيئا مما أرادت الحكومة تمريره بواسطة الأغلبية التى فرضتها. كما أنه لم يوقف شيئا من إجراءات الاعتقال والقمع والمصادرة والمحاكمات التى اتخذت بحقهم. من ثم فكل الذى حدث أنهم شاغبوا وأحدثوا ضجيجا لم يسفر عن أى «طحن» ممكن. فى الوقت ذاته فكل ما صدر عن المجلس من خطايا عملوا بقسط من المسئولية عنه بحكم أنهم كانوا شركاء فيه.

بكلام آخر فإن مشاركة الإخوان فى برلمان عام 2005 لم تحل عقدة النظام معهم، ولم يستفد منها الوطن شيئا. فلا دفعوا عنه شرا ولا أضافوا إليه خيرا. وكل الذى حدث ان النظام استخدمهم كديكور ديمقراطى. أما هم فأثبتوا حضورا ربما كانوا بحاجة إليه وقتذاك بعد طول غياب، علما بانه لن يسمح لهم بدخول المجلس إلا فى الحدود الدنيا (يقال على نطاق واسع انه سيسمح لهم بعشرة مقاعد فقط). ولا ينسى فى هذا الصدد أنه لم يسمح لأحد منهم بأن ينجح فى انتخابات مجلس الشورى.

الموقف اختلف هذه المرة، إذ نحن لسنا على أبواب انتخابات تشريعية جديدة فحسب، ولكن هناك انتخابات رئاسية، ستحدد مصير الحكم فى مصر خلال المرحلة المقبلة. وفى الوقت الذى فقد فيه الناس الأمل فى إجراء أى إصلاح سياسى، فإن المشاركة تجمل وجه النظام فقط ولا تضيف للاخوان شيئا إلا إذا كانوا حريصين على مجرد إثبات الوجود الذى لم يعودوا بحاجة إليه. أو ربما سعوا بذلك إلى استجلاب رضا النظام حتى يخفف من حملته عليهم.

إذا سلمنا جدلا بأن للإخوان مصلحة شكلية فى المشاركة فالثابت ان للوطن مصلحة اكيدة فى ان يلقوا بثقلهم إلى جانب دعاة المقاطعة، تعبيرا عن الاحتجاج على سياسة تزوير الديمقراطية ومصادرة الحريات العامة فى ظل استمرار الطوارئ. وقد سبق ان قلت ــ وقال غيرى ــ أن المقاطعة الفعالة من وسائل الضغط على النظام وإحراجه كى يضطر إلى اتخاذ الخطوات اللازمة لتحقيق الإصلاح السياسى المنشود. وعلى الإخوان ان يختاروا بين مصلحة الجماعة ومصلحة الوطن.

فهمي هويدي فهمى هويدى كاتب صحفى متخصص فى شؤون وقضايا العالم العربى، يكتب عمودًا يوميًا ومقالاً اسبوعياً ينشر بالتزامن فى مصر وصحف سبع دول عربية اخرى. صدر له 17 كتابا عن مصر وقضايا العالم الاسلامى. تخرج من كلية الحقوق جامعة القاهرة عام 1961 ويعمل بالصحافة منذ عام 1958.