إلا إذا! - محمد عبدالمنعم الشاذلي - بوابة الشروق
السبت 10 ديسمبر 2022 4:59 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما تقييمك لتنظيم قطر لبطولة كأس العالم الحالية؟


إلا إذا!

نشر فى : الإثنين 29 أغسطس 2022 - 8:20 م | آخر تحديث : الإثنين 29 أغسطس 2022 - 8:20 م
فى يوم 25/8 كتب الأستاذ جميل مطر مقالا لا يسعنى أن أعطيه حقه من الإشادة بعنوان «مؤشرات للمستقبل غير مطمئنة إلا إذا». يشير المقال إلى حالة القلق وعدم الرضا السائدة فى الغرب والتخوف من تراجع دوره العالمى ومن مظاهر ذلك تراجع نسبة إسهام مجموعة السبعة فى الناتج العالمى من 66% فى عام 1966 إلى 44% اليوم. ولعل التخوف من هذه الظاهرة هو مظهر من مظاهر الشوفينية الغربية التى ترى نفسها مركز الكون الذى يدور فى فلكه الجميع ودون اعتبار لما يحدث فى العالم من تطور وظهور قوى جديدة فرضت وجودها على الساحة بزخم صناعى وتقنى وإنتاجى مثل الصين والهند وكوريا الجنوبية والبرازيل أخذت عن جدارة نصيبها من الكعكة، ولعل هذا الفكر هو انعكاس لكلمة كانت تتردد كثيرا فى الستينيات من القرن الماضى واختفت تماما من أدبياتنا السياسية والإعلامية اليوم وهى كلمة «الرجعية» وهى فكر من تهفو نفوسهم إلى الرجوع إلى القرن 19 عندما كانت أوروبا تحكم المستعمرات وتنهب ثرواتها وتستعبد شعوبها وترسل أساطيلها وبوارجها لضرب كل من يجرؤ على الوقوف بوجهها. وللأسف لا تسود الرجعية لدى الأوروبيين فحسب بل إنها سائدة لدى العديد من أبناء المستعمرات السابقة الذين يحنون إلى أرباح التجارة مع الأرنص والحماية التى يفرضها عليهم أسيادهم الإمبرياليون.
ولعل من أهم ما أثاره المقال أن الأمريكيين اكتشفوا أن الشركات العملاقة خاصة المنتجة للسلاح والنفط والتكنولوجيا حققت أرباحا خيالية غير مسبوقة فى التاريخ الأمريكى، وأكاد أرى على خلفية هذه المقولة طيف الرئيس السابق الجنرال، أيزنهاور، وهو يحذر من تنامى نفوذ المجمع الصناعى العسكرى Military industrial complex فى خطبة الوداع التى ألقاها بعد نهاية فترة ولايته فى عام 1961. ولعل عقدة المجمع الصناعى العسكرى أفرزت جيلا من السياسيين يصر على الحفاظ على مكانة الولايات المتحدة ليس كأقوى دولة فى العالم بل كدولة أقوى من العالم كله. إن المكاسب الخيالية غير المسبوقة التى حققتها شركات السلاح الأمريكية تؤكد أن الولايات المتحدة تتكسب من عدم الاستقرار ومن الحرب، وهو أمر يتعارض مع كونها عضوا دائما فى مجلس الأمن منوطا بها الحفاظ على السلام والأمن والاستقرار فى العالم. إن التحالف والاعتماد المتبادل بين الجناح الصناعى والجناح العسكرى فى الولايات المتحدة جعلها تهدر الفرصة لأن يسود السلام والاستقرار فى العالم بعد سقوط الاتحاد السوفيتى وحل حلف وارسو، وبدلا من اغتنام الفرصة لإنهاء أجواء الحرب الباردة بمد يد السلام إلى روسيا وتجميد ولا أقول حل حلف الناتو، قامت على العكس بتوسيع الحلف وضم أعضاء حلف وارسو السابقين حتى وصل الناتو إلى تخوم روسيا وبدأ أخيرا فى استمالة دول انتهجت الحياد تاريخيا مثل السويد وفنلندا الأمر الذى أجج الالتهاب على الساحة الدولية. واستمرت الولايات المتحدة فى الانفاق الكثيف على السلاح، ولعل العنوان لهذا الهوس كان تدشين حاملة الطائرات USS Gerald Ford التى تعد أكبر سفينة حربية فى التاريخ والتى تكلفت 13 بليون دولار، ودفعها أيضا إلى مخالفة القانون الدولى فأطلق الرئيس رونالد ريجان فى عام 1985 مبادرة الدفاع الاستراتيجى strategic defense initiative المعروفة باسم حرب النجوم لوضع نظام دفاع ضد الصواريخ الباليستية فى الفضاء الخارجى مخالفة لقرار الأمم المتحدة رقم 2222 لسنة 1966 بمنع تسليح الفضاء الخارجى، وسبق ذلك بإنشاء قيادة الفضاء الأمريكية US space command سنة 1983.
أما فى مجال البترول، فقد شنت الولايات المتحدة حربا دمرت خلالها العراق تماما وهى دولة بترولية كبيرة، كما تفرض حصارا خانقا على إيران وعلى فنزويلا وهما دولتان بتروليتان هامتان. وعلى المجال التكنولوجى تبذل الولايات المتحدة كل ما أوتيت من قوة لخنق القدرات التكنولوجية الصاعدة للصين وشهدت الساحة معارك عارمة للفوز بالجيل الخامس للتليفونات المحمولة 5G، كما تنقل المركز الأول لأسرع كمبيوتر عدة مرات بين الولايات المتحدة والصين.
• • •
فى وسط هذا الجو الملبد بالغيوم تبذل الولايات المتحدة والغرب جهدا مستميتا لشيطنة روسيا بسبب غزوها لأوكرانيا وهو عمل مذموم قطعا، لكنه لا يمكن أن يؤخذ بعيدا عن الاستفزاز الذى قام به حلف الناتو بالتوسع حتى حدود روسيا وتهديد أمنها؛ وتعمل الولايات المتحدة والغرب عن طريق جهازهم الإعلامى على تحميل روسيا وزر الأزمات الاقتصادية التى يمر بها العالم وهو أمر يثير الدهشة فقد قامت الولايات المتحدة بغزو العراق وأفغانستان وحصار إيران وكوبا والصين وروسيا ولم يتهمها أحد بأنها تسببت فى أزمة اقتصادية دولية، ويركز الخطاب السياسى والإعلامى الغربى على أن روسيا وأوكرانيا أكبر منتجين للقمح وللأسمدة وتجعل منهما فزاعة الأمن الغذائى وشبح الجوع فى العالم وأظن، وإن كان بعض الظن إثما، فإنه يمكن أن يكون من الفطنة وحسن التدبير. وأتساءل هل هناك علاقة بين ذلك وبين الترويج لشركات البذور المهندسة وراثيا التى تسيطر سبع شركات غربية على إنتاجها وتحتكره؟ ولا زالت دول كثيرة تتحفظ على استخدامها. ولعل الأزمة الراهنة والخوف من نقص القمح ونقص المخصبات يدفع الدول إلى استخدامها خوفا من المجاعة. إنه صراع الكبار، معركة الأفيال فى الغابة المتوحشة التى تطأ بأقدامها الكائنات الصغيرة وتحطها دون أن يدروا حتى بوجودها. ولعل أخطر ما فى القضية أن أكبر الأفيال وأقواها: الولايات المتحدة تقود المعركة وهى تعانى من انقسام حاد فى جبهتها الداخلية يكاد يكون غير مسبوق فى تاريخها إلى درجة الحديث عن احتمالات قيام حرب أهلية، وما يزيد الأمر ضغثا على إبالة أن يكون رئيس الولايات المتحدة فى هذه الظروف رجلا هرما يتحدث الإعلام عن هفواته وزلاته العلنية ولا يتمتع بشعبية تذكر وفى وجود رئيس سابق أهوج وأرعن يؤجج الساحة أملا فى العودة إلى سدة الحكم ووسط انقسام عارم فى الحزب الجمهورى ولا اكتفت الولايات المتحدة بالمواجهة مع روسيا، بل تفتح جهة جديدة فى أقصى الشرق بتصرفات استفزازية تجاه الصين من مناورات بحرية فى بحر الصين الجنوبى إلى زيارة بيلوسى الاستفزازية لتايوان. إن سياسة حافة الهاوية التى تنتهجها الولايات المتحدة يمكن أن يفلت زمامها بسبب ضعف القيادة والانقسامات الداخلية بما يؤدى إلى كارثة عالمية.
• • •
فعلا المؤشرات للمستقبل غير مطمئنة. ونأتى هنا إلى إلا إذا، ولكن إلا إذا ماذا؟
إلا إذا ظهر على الساحة رجال يتكرر معهم الزمان. رجال دولة لهم رؤية ومؤمنون بشعوبهم وبحقهم ويسعون لإقامة جبهة موحدة تمكنهم من مواجهة الكبار، رجال مثل عبدالناصر ونهرو وتيتو ونكروما وسيكوتورى وكاسترو وشواين لاى تحدوا الأفيال الكبار وأقاموا دولا تحمى ولا تهدد، تصون ولا تبدد، تشد أزر الصديق ترد كيد العدو، وأقاموا حركة عدم الانحياز التى امتدت من آسيا إلى إفريقيا وحتى كان لها تمثيل فى أوروبا وأمريكا اللاتينية، ولكن للأسف أكلت الثورات أبناءها واستطاع المفسدون النفاذ لها ويلاحظ أن أكثر الدول نجاحا فى تحررها تعرضت لأشد العواقب. جمال عبدالناصر ونكسة 67، تيتو وتمزيق يوغوسلافيا، الانقلاب على نكروما بعد نشر كتابه الاستعمار الجديد آخر مراحل الإمبريالية، اغتيال لومومبا وحصار كوبا لنصف قرن. التحدى جل كبير وعلينا أن نقبل التحدى وهو تحدى وجود لتحقيق الـ إلا إذا.
محمد عبدالمنعم الشاذلي عضو المجلس المصرى للشئون الخارجية
التعليقات