لا للتحرش.. - جورج إسحق - بوابة الشروق
السبت 28 نوفمبر 2020 10:51 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

من سيفوز في النهائي التاريخي لدوري أبطال أفريقيا يوم الجمعة؟

لا للتحرش..

نشر فى : السبت 29 أغسطس 2020 - 10:10 م | آخر تحديث : السبت 29 أغسطس 2020 - 10:10 م

فوجئنا فى الآونة الأخيرة بنافورة من أحداث التحرش فى مصر بعد أن تمكنت الشجاعة من إحدى المتحرشات بهن ونشرت فيديو تفضح فيه المتحرشين.
لو استعرضنا ما كان يحدث فى الماضى فى مصر، لم يكن المصريون يتعرضون للنساء بهذه الأرقام الكبيرة، ولو استعرضنا صور التجمعات للأماكن العامة فى الجامعات أو فى المصايف أو فى أى مكان لم يكن أبدا جسد المرأة أو طفل هو المستهدف. وأيضا كان الناس فى المصايف يلبسون كل أنواع الملابس التى كانت مقبولة فى المجتمع برضا كامل، وأنا من رواد شاطئ بورسعيد منذ الصغر حتى الستينيات والسبعينيات لم ألحظ قط أى تهجم أو أى تهكم على ملابس أى من الموجودين على شاطئ البحر.
***
ولكن فوجئت فى السبعينيات بعد أن تغير المجتمع بأن إحدى السيدات المحجبات ذهبت إلى إحدى الفتيات من لابسى البكينى وحقرتها وطلبت منها أن تغادر الشاطئ، وقامت معركة بين مؤيد ومعارض. هذا التحول فى تقديرى ناتج من بعض شيوخ الوهابية الوافدة إلى مصر فى منتصف السبعينيات من القرن الماضى، حيث ظهرت مصطلحات غريبة على الأذن المصرية مثل المرأة عورة وصوتها عورة ويجب أن تمكث فى البيت لتربية أبنائها ولا تخرج للعمل! والدعوة إلى عدم الاختلاط بين البنات والصبيان وأخذت هذه الظاهرة فى التفشى فى المجتمع. ومن المظاهر الملفتة للنظر عندما قرر حزب النور أن يرشح سيدات من قبله، فكان يضع على ملصقات الدعاية الانتخابية صورة وردة بدلا من صورة السيدة المرشحة عنهم من المجالس النيابية. ولكى لا نجلد الذات فإن ظاهرة التحرش موجودة فى كل أنحاء العالم فى شرق آسيا كبنجلاديش، كمبوديا، الهند، فيتنام، أستراليا، الولايات المتحدة، ومتوسط التحرش فى العالم بلغ نسبته 70 بالمائة!
أما نسبة التحرش فى مصر فهى 64 بالمائة، وبالرجوع إلى مصر مرة أخرى فقد ظهرت فى الآونة الأخيرة بعد أن تخلصت المتحرَّش بهن من الخجل بإعلان ما حدث لهن، وذكرن بالوقائع وبالأسماء من تعرضن له، وشجع ذلك بقية الفتيات على رواية قصصهن الشخصية مع التحرش. ومع حركة التدوين المستمرة عبر الشبكات الاجتماعية جعلت ظاهرة التحرش الآن على واجهة منصات التدوين.
ويعتبر التحرش الجنسى من أخطر الآفات على المجتمع، ويعتبر من أشد انتهاكات حقوق الإنسان. ولذلك عندما تتقدم المتحرش بها للنيابة بشكوى فمن أهم ما يدافع به المتحرش هو ضعف الأدلة وهذه نقطة جوهرية يجب أن يعالجها القانون. ويأخذ التحرش الجنسى أشكالا متعددة مثل التحديق غير اللائق فى جسد شخص، والتعليقات البذيئة، والتحرش فى أماكن الوظيفة والمواصلات العامة والمدارس والجامعات والكليات والمطاعم والأسواق، وأخطر حالات التحرش هى بين الأقارب والأصدقاء داخل الأسرة.
ومن العوامل التى تخلق شكل المتحرش كثيرة مثل الإدمان على الكحول أو المخدرات وخاصة أن تعاطى الهيروين بين الشباب فاق كل التوقعات، ومن الأسباب أيضا التعرض فى الطفولة للاعتداء الجنسى. ولكن من أهم العوامل التى يجب أن نعالج بها هذه الظاهرة هى التربية وعدم إهمال الأبناء أو استخدام العنف ضدهم. فتفتق ذهن المهتمين بكيفية التصدى لهذه الظاهرة من قبل الفتيات مثل بخاخ العين وهو خليط من الفلفل الأسود والأحمر، الابتعاد عن المشى فى الأماكن الخالية وحيدا، وعدم التحدث مع شخص غريب أو الركوب معه، وهذه بعض المحاولات لمقاومة المتحرشين.
***
ومن أخطر القضايا التى فتحت فى مصر أخيرا هو أن أربعة شباب من عائلات معروفة انتهكوا حرمة فتاة فى أحد الفنادق ووقَّعوا على جسدها. وأريد فى هذا المضمار أن أحيى المركز القومى للمرأة الذى سارع بإبلاغ النيابة العامة وكذلك جهود الأستاذة/ عزة سليمان والأستاذة/ راجية عمران للعمل بدأب على متابعة هذا الملف. ولكن يقال والعهدة على الراوى أن هؤلاء الشباب استطاعوا الفرار خارج البلاد لأنهم أبناء رجال مشهورين فى مصر، وهذا هو مربط الفرس؛ إذ لا يجب لأحد أن ينجو من جريمة دون أن يعاقب ويسمح له بالسفر نتيجة للفساد فى المجتمع المصرى مهما كانت علاقته بأحد والاعتماد على صلته به للفرار من العقوبة.
إن مصر تحتاج إلى ثورة ثقافية ومنع مشايخ التحريم من الظهور على الفضائيات، وإصدار المؤسسات الدينية الرسمية البيانات اللازمة لمواجهة هذه الظاهرة. والثورة الثقافية والتعليمية التى نريدها هى أن يعاد للمرأة كرامتها وعدم المساس بها وأنها ليست للمتعة ولكن لها وظائف أخرى، وفرض عقوبات مغلَّظة ضد من يبررون التحرش من وجهة نظر أن ملابس الفتيات غير المناسبة هى من يساعد على هذا الأمر!

وكان الأزهر ودار الإفتاء قد أصدرا بيانات تؤكد أن التحرش حرام شرعا وجريمة يعاقب عليها القانون، كما نددا بمبررى التحرش، وقالت دار الإفتاء إن إلصاق جريمة التحرش النكراء وقصر التهمة على نوع الملابس تبرير واهم لا يصدر إلا من ذوى النفوس المريضة والأهواء الدنيئة، فالمسلم مأمور بغض النظر عن المحرمات فى كل الأحوال والظروف. وقالت السيدة الدكتورة/ آمنة نصير أن التحرش ليس له مواصفات ولا يفرق بين أشكاله سواء باللبس أو الاحتشام، فإن الأصل فى الأمر هو نقاء الأخلاق. وغياب التربيه القويمة من بعض الأسر فى المنازل هو ما عظَّم من هذه الظاهرة. ومن يتكلم عن ملابس المرأة فالمتحرش لا يفرق بين فتاة محجبة أو بأخرى غير محجبة، وعدم خروج البنات للإبلاغ عن أى تحرش خوفا من الفضيحة والتستر على ما حدث لهن هو الفضيحة عينها!
أما بالنسبة للأطفال فهذه مسئولية الأسرة أن يعلّموا أبناءهم ألا يصاحبوا أو يستمعوا لأحد أكبر منهم وأن يبلغ أسرته فى حال حدث أى شكل من أشكال ملامسة جسده دون خجل، وسؤاله يوميا عن ما حدث له فى أثناء يومه الدراسى. والمطلوب هو قوانين جديدة أكثر حزما لمواجهة التحرش. هذه الجريمة تؤثر تأثيرا سلبيا ومدمرا على جميع أفراد الأسرة والهروب من عدم التبليغ أخطر كثيرا على الأثر المادى والنفسى للمجنى عليه.
***
ظاهرة التحرش ظاهرة خطيرة ومدمرة ويجب أن نتعرض لها بشجاعة وهذه مسئولية كل الحقوقيين وعلى رأسهم المجلس القومى للمرأة الذى نحييه لموقفه الأخير.
يجب أن نشجع كل فتاة تتعرض للتحرش ألا تتستر على الأمر وتقوم بالإبلاغ عنه فورا وخاصة بعد أن صدر قانون بحماية المعلومات التى تدلى بها.

عضو المجلس القومى لحقوق الإنسان

جورج إسحق  مسئول الاعلام بالامانة العامة للمدراس الكاثوليكية
التعليقات